ضربت مشوار القاهرة
ضربت مشوار من القاهرة لحد مارينا عشان أفاجئ ابني مرسي اللي ربنا فتحها عليه وبقى من أصحاب الملايين.. بس مراته وقفت لي على الباب وقالت لي ممنوع الزيارة يا حاج. وفي لحظة، سمعت صوته من جوه بيستنجد..
أنا وابني مرسي كنا متعودين نتكلم كل يوم جمعة بعد الصلاة.. مكنش بيفوت يوم.
لا فرق معاه إنه بقى بيج بوس وشركته بتاعة البرمجيات بقت مكسرة الدنيا.
ولا فرق معاه إنه سكن في الكومباوندات اللي سورها واصل للسما.
ولا فرق معاه صوره اللي بقت في المجلات والجرانين.
كان لسه مرسي ابني.. حتة مني.
كان يقعد يهزر على العربية ال 128 المكركبة بتاعتي.. ويسألني خدت دوا الضغط يا حاج ولا لسه؟.. ويقولي يا بابا جزمة حضرتك دي مكانها المتحف الزراعي، هبعتلك جزمة شيك تليق بيك.
وفجأة.. كل ده اتدبَح.
أول حاجة، مبقاش يتصل زي الأول.. وبعدين مبقاش يحكي لي حاجة عليها القيمة.. وفي الآخر، صوته مكنش هو مرسي اللي أعرفه.
آخر مرة كلمني كانت ليلة العيد.. يا دوب لحق يقول كل سنة وأنت طيب يا بابا والخط اتسحب منه، وطلع لي صوت ست زي السكينة في الحلاوة.. بس حلاوة مسمومة.
البشمهندس مرسي مشغول جداً يا حاج عثمان. هيكلمك لما يفضي.
ولا عمره كلمني.
كتمت في نفسي ومقولتش لحد أنا ناوي على إيه..
لميت غياري في شنطة قديمة.. ملأت
سُقت الطريق كله وأنا بحاول أهدي نفسي
يمكن مبالغ يا عثمان؟
يمكن الولد غرقان في شغله والاجتماعات والطيارات؟
بس كل ما أقرب من الفيلل والقصور، قلبي كان بيقبضني زيادة.. وكأن فيه غغوشة في صدري مش راضية تروح.
المواجهة
وصلت قدام فيلا تخض.. بيضاء، مفيهاش غلطة، شجر نخل عالي، وكاميرات مراقبة في كل ركن.. بوابة تخبي وراها بلاوي زرقا.
نزلت، نفضت هدومي من تراب السفر، ودست على الانتركام.
صوت ست رد مين؟
قلت لها بتقل أنا عثمان.. أبو مرسي.
سكوت.. صمت قاتل.
بعدها البوابة اتفتحت.. وطلعت لي نرمين مراته.. لابسة لبس غالي أوي وكأنها خارجة من مسلسل تركي.. كانت مبتسمة، بس مش ابتسامة عشم.. دي الابتسامة اللي بتديها لواحد شحات أو مصيبة وعاوز تخلص منها.
قالت لي ببرود يا حاج عثمان، مرسي مبيقبلش زوار دلوقتي.
زوار؟
مقلتش أبوه.
مقلتش عيلته.
قالت زوار.
بصيت في عينها بكل قوة وقلت لها أنا جاي من آخر الدنيا يا بنتي، ومش هتحرك من هنا.. هستنى.
ابتسامتها اتهزت وقالت الوقت مش مناسب خالص، هو نايم بيرتاح.
حاولت أعدي من جنبها.. متهزتش سنتي واحد.. وقفت سدت السكة بكتفها.
وفجأة.. سمعت دبة جامدة جوه البيت.
صوت حاجة بتتهبد..
قلت لها ونفسي بدأ يعلى خليني أشوفه دقيقة واحدة بس.
وطت صوتها وقالت بنبرة فيها تهديد يا حاج عثمان.. من فضلك بلاش تخلي الأمور تصعب أكتر من كدة.
دي مش عزومة.. ده تحذير.
هزيت راسي بالراحة ومثلت إني استسلمت.. ماشي يا بنتي.. أنا ماشي.
لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة وكأني راجع.. وبصيت ورايا بصيرة واحدة.
لقيت نرمين ماسكة التليفون وإيدها بتترعش.. مبقتش الشيك اللي كانت واقفة.. وشها بقى أصفر زي الليمونة من الرعب.
وفجأة.. من قلب البيت.. من الحتة الضلمة اللي جوه.. سمعت صوت.. صوت مبحوح.. صوت واحد بيطلع في الروح.. صوت أعرفه لو وسط مليون واحد.
أبويا...؟
دمي جمد في عروقي.. ونرمين رزعفت الباب في ثانية.
في اللحظة دي، عرفت إني مجيتش عشان أزور ابني.. أنا جيت عشان أنقذه من حاجة سودة مش قادر حتى أنطق اسمها..
اللي بيحصل جوه البيت ده، أوحش بكتير من أي كابوس جه على بالي.
البوابة اتقفلت في وشي بس صوت أبويّا فضل بيرن في وداني كأنه مسمار بيتدق في قلبي.
وقفت مكاني ثواني تايه بين إني أرجع، ولا أكسر الباب وأدخل غصب عن الدنيا كلها.
بس أنا مش أي حد
أنا أبوه.
رجعت خطوتين لورا، وبصيت حواليا الكومباوند هادي بشكل يخوّف لا ناس، لا صوت كله متراقب، بس مفيش حد
قربت من السور الجانبي كان عالي، بس مش أعلى من خوفي على ابني.
حطيت رجلي على حجر بارز، وشديت نفسي بالعافية جسمي وجعني، ونفسي اتقطع بس عدّيت.
نزلت جوه الجنينة بهدوء الشجر متنسق زيادة عن اللزوم، بس الجو كان تقيل كأن المكان مخنوق.
قربت من شباك مفتوح نص فتحة وسمعت صوت نرمين بتتكلم بسرعة وهي بتهمس
قلتلك خلّص عليه قبل ما حد يشك! أبوه وصل هنا!
قلبي وقع
يخلّص عليه؟!
وقبل ما أستوعب سمعت صوت راجل تاني خشن، غريب
أنا بعمل اللي عليّا بس ابنك عنيد مش راضي يمضي.
يمضي؟!
يمضي على إيه؟!
فتحت الشباك سنة صغيرة وبصيت جوه
وشوفت اللي عمري ما كنت أتخيله
مرسي ابني
مربوط على كرسي هدومه متبهدلة وشه فيه كدمات وعينه فيها نفس نظرة زمان بس مليانة خوف!
قرب منه راجل ضخم، ماسك ورق وبيزعق
وقّع يا باشمهندس! كل أملاكك تتحول باسم مدام نرمين وإلا مش هتطلع من هنا حي!
ونرمين واقفة بتتفرج
ولا دمعة ولا رحمة.
في اللحظة دي حسيت إني لو ما دخلتش حالًا هفقده للأبد.
خبطت الشباك برجلي وكسرته ودخلت زي الإعصار.
ابعد إيدك عنه يا كلب!
الراجل اتفاجئ ونرمين صرخت
إنت إزاي دخلت هنا؟!
مردتش كل تركيزي كان على مرسي.
قربت منه بسرعة وهو بيبصلي بعين مدمعة وبيقول
كنت عارف إنك هتيجي يا بابا
فكيت الحبال من إيده بس الراجل
أنا مش