اخذ شريكته
المحتويات
هتصدقهم؟
رد فارس
أنا بصدق الورق.
ثم جمع أوراقه وغادر القاعة.
ولأول مرة بدأ كريم يدرك حجم الخسائر التي تقترب منه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لا تزال قادمة.
رفعت سارة ملفًا أسود صغيرًا.
وقالت
قبل ما الاجتماع ينتهي...
في حاجة لازم الكل يعرفها.
نظر الجميع إليها.
فتحت الملف.
وأخرجت ظرفًا مختومًا.
ثم قالت
الظرف ده كان في خزنة والدي.
ومكتوب عليه إنه ما يتفتحش إلا بعد عشر سنوات من وفاته.
شهق بعض الحاضرين.
حتى المحامي بدا متوترًا.
سأل كريم
وفتحتيه ليه دلوقتي؟
أجاب المحامي بدلًا منها
لأن المدة انتهت الأسبوع الماضي.
بدأ قلب كريم ينبض بعنف.
شعور غريب كان يخبره أن القادم أسوأ.
فتحت سارة الظرف ببطء.
وأخرجت رسالة مكتوبة بخط يد والدها.
صمتت القاعة بالكامل.
ثم بدأت تقرأ
إذا وصلتم لهذه الرسالة...
فمعنى ذلك أنني لم أعد موجودًا بينكم.
وأتمنى أن تظل المجموعة أمانة في أيدي الشرفاء.
توقفت لحظة.
وأكملت القراءة.
كما أوصي بإجراء مراجعة كاملة لكل العقود والصفقات التي تمت بعد عام...
ثم ذكرت سنة محددة.
السنة نفسها التي انضم فيها كريم إلى إدارة المجموعة.
ارتجف وجه كريم.
أما سارة فواصلت القراءة.
وأحذر من منح الثقة المطلقة لأي شخص مهما كان قريبًا.
فالمال يغير النفوس.
وأحيانًا يأتي الخطر من أقرب الناس.
كانت الكلمات كأنها موجهة مباشرة إلى كريم.
لكن السطر الأخير هو الذي قلب القاعة كلها.
توقفت سارة للحظة.
ثم قرأته بصوت واضح
وفي حال اكتشاف أي تجاوزات أو استغلال للمنصب...
تنتقل كافة الصلاحيات التنفيذية فورًا إلى مجلس الأمناء.
ويُعزل المسؤول عنها من أي منصب داخل المجموعة.
انفجرت القاعة بالهمسات.
أما كريم فجلس مكانه شاحب الوجه.
لأنه فهم شيئًا مرعبًا.
إذا أثبت التحقيق أي مخالفة واحدة فقط...
فلن يخسر صفقة.
ولن يخسر منصبًا.
بل سيخسر كل شيء بناه خلال السنوات الماضية.
وفي تلك اللحظة بالذات...
دخل أحد الموظفين مسرعًا إلى القاعة.
وهو يحمل هاتفًا ويرتجف.
وقال بصوت متوتر
في خبر عاجل لازم تشوفوه حالًا...
نظر الجميع إليه بدهشة.
ثم
فتغيرت ملامح الحاضرين دفعة واحدة.
أما كريم...
فأدرك أن الكارثة خرجت من جدران الفندق ووصلت إلى العالم كله أخذ الموظف نفسًا سريعًا وهو يرفع الهاتف أمام الحاضرين.
ظهرت شاشة أحد المواقع الاقتصادية الكبرى.
وفي أعلى الصفحة عنوان عريض
فتح تحقيق رسمي في عدد من العقود الاستثمارية التابعة لمجموعة النيل.
ساد الوجوم في القاعة.
أما كريم فشعر ببرودة تسري في أطرافه.
خطف الهاتف من يد الموظف بسرعة وبدأ يقرأ.
كان الخبر يتحدث عن بلاغات وصلت إلى جهات رقابية لمراجعة عدد من المشروعات والعقود التي أُبرمت خلال السنوات الأخيرة.
لم يكن هناك اتهام مباشر.
لكن مجرد ظهور الخبر كان كافيًا لإثارة الشكوك.
قال أحد أعضاء المجلس بقلق
الخبر انتشر بالفعل!
رد موظف العلاقات العامة
وصل لكل المواقع تقريبًا.
ثم أضاف
والصحفيين بدأوا يتجمعوا تحت الفندق.
نظر الجميع نحو سارة.
لكنها ظلت هادئة.
هادئة بصورة جعلت بعض الحاضرين يشعرون بالرهبة.
قالت
عشان كده لازم نتصرف بسرعة.
ثم التفتت إلى المحامي.
ابدأ الإجراءات الرسمية.
أومأ المحامي.
وأخرج مجموعة أوراق.
في تلك اللحظة وقف كريم بعنف.
وقال
كفاية!
ارتد صوته في القاعة.
وتوجه بنظره نحو الجميع.
أنا اشتغلت في المجموعة سنين.
حققت أرباح.
ووسعت المشروعات.
وكل اللي بيحصل دلوقتي مجرد حملة ضدي.
رد أحد الأعضاء
يبقى أثبت ده بالأوراق.
صرخ كريم
هثبت.
ثم أشار إلى الملفات.
كل ملف هنا له تفسير.
قال محمود السعدني بهدوء
إحنا مستعدين نسمع.
تردد كريم للحظة.
لكنه أدرك أنه محاصر.
فبدأ يشرح.
عقدًا بعد عقد.
ومشروعًا بعد مشروع.
لكن مع كل إجابة كان يظهر سؤال جديد.
ومع كل تبرير كانت تظهر ورقة تنقضه.
ومع مرور الوقت بدأ الحاضرون يلاحظون شيئًا مهمًا.
كريم لم يعد يتحدث بثقة.
بل صار يدافع عن نفسه.
وكان ذلك وحده كافيًا ليكشف الكثير.
مرّت ثلاث ساعات كاملة.
وبدأت الشمس تميل نحو الغروب.
أخيرًا أغلق المحامي آخر ملف.
وقال
كل شيء اتسجل.
ثم نظر إلى مجلس الإدارة.
القرار عندكم.
طلب رئيس المجلس استراحة قصيرة.
وغادر
بقي كريم وحده تقريبًا.
جلس على كرسيه منهكًا.
ورأسه بين يديه.
لأول مرة منذ سنوات شعر بالعجز.
اقتربت منه سارة.
توقف الزمن للحظة بينهما.
أربع عشرة سنة من الذكريات مرت في ثوانٍ.
قال كريم بصوت منخفض
كنتِ تعرفي من إمتى؟
أجابته
من سنة تقريبًا.
رفع رأسه فجأة.
سنة؟
أومأت.
من يوم ما اكتشفت أول مخالفة.
سأل بذهول
وليه سكتِ؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
لأني كنت أتمنى أكون غلطانة.
ساد الصمت.
وأكملت
كنت مستنية ألاقي دليل يبرئك.
انخفضت عينا كريم إلى الأرض.
ولم يجد ما يقوله.
لأن الحقيقة التي حاول الهروب منها طويلًا أصبحت واضحة.
لم يهدمه أعداؤه.
بل هدم نفسه بقراراته.
بعد نصف ساعة عاد أعضاء المجلس.
وقف الجميع.
وقف كريم معهم.
وكانت أنفاسه متقطعة.
فتح رئيس المجلس الورقة النهائية.
ثم قال
بعد مراجعة المستندات والتصويت...
توقفت القاعة كلها عن الحركة.
حتى صوت أجهزة التكييف بدا وكأنه اختفى.
أكمل الرجل
قرر المجلس بالإجماع...
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
...إعفاء كريم المنصوري من جميع مناصبه التنفيذية داخل المجموعة.
أغمض كريم عينيه.
كأنه كان يتوقعها.
لكن سماعها شيء آخر.
شيء يشبه السقوط من مكان مرتفع.
وأكمل رئيس المجلس
وتحويل جميع الملفات إلى الجهات المختصة للمراجعة القانونية.
انتهى كل شيء.
بضع كلمات فقط.
أنهت سنوات من النفوذ والسلطة.
بعد ساعتين...
كان كريم يغادر الفندق.
لكن هذه المرة لم يكن محاطًا بالمساعدين.
ولا برجال الأعمال.
ولا بالمصورين.
كان وحده.
تمامًا.
وقف عند الباب الرئيسي.
ونظر إلى المبنى الضخم.
فندق النيل جراند.
المكان الذي دخله صباحًا وهو يعتقد أنه يسيطر على كل شيء.
وها هو يخرج منه وقد خسر كل شيء تقريبًا.
وفي الطابق العلوي...
كانت سارة تقف أمام النافذة.
تنظر إلى أضواء القاهرة.
اقترب منها المحامي وسأل
مرتاحه؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
مش سعيدة.
لكن مطمنة.
والدي تعب عمره كله عشان يبني المكان ده.
وكان لازم أحميه.
ابتسم المحامي باحترام.
وغادر.
أما سارة فبقيت تنظر إلى النيل.
وفي
ومعركة جديدة بدأت.
معركة إعادة بناء الثقة.
وإعادة بناء المجموعة.
وإعادة بناء حياتها من جديد.
أما كريم...
فكان يسير في الشارع المظلم خارج الفندق.
لا يعرف إلى أين يذهب.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط
أن الإنسان قد يخسر المال ويعوضه.
وقد يخسر المنصب ويستعيده.
لكن عندما يخسر ثقة الناس...
فاستعادتها تكون أصعب من أي شيء آخر.
كانت خطوات كريم بتضرب الأرض وهو ماشي في شارع شبه فاضي، والهواء اللي حوالينه تقيل كأنه بيرفضه يرجع لحياته القديمة.
كل حاجة كانت ساكتة إلا صوته الداخلي اللي ما كانش بيهدى.
إزاي وصلنا لكده؟
لكن السؤال الحقيقي اللي بدأ يوجعه أكتر
مين اللي بدأ من الأول؟ سارة؟ ولا محمود؟ ولا أنا اللي سلمت نفسي بإيدي؟
في نفس اللحظة داخل الفندق
سارة كانت لسه واقفة قدام النافذة.
لكن الموبايل قطع عليها هدوءها.
اتصال من رقم مجهول.
ردت
أيوه؟
صوت رجل منخفض
اللي حصل النهارده مش النهاية.
تجمدت ملامحها.
مين معايا؟
رد
في ملفات لسه ما اتفتحتش.
سكت لحظة ثم أكمل
ومش كل اللي في المجموعة كان بيشتغل لحسابه في ناس أكبر.
وقبل ما تسأل، الخط اتقفل.
سارة رجعت خطوة لورا.
أول مرة من بداية اليوم ملامحها تهتز.
المحامي لاحظ
في حاجة حصلت؟
قالت ببطء
القصة لسه ما خلصتش.
في نفس الوقت
كريم كان واقف قدام كوبري على النيل.
بيبص للمية كأنه بيدور على إجابة.
فجأة سمع صوت وراه
كنت متوقع نهايتك تبقى أسهل من كده.
لف بسرعة.
كان فارس السيوفي.
لكن المرة دي ملامحه مختلفة.
مش رجل أعمال متردد
ده رجل واخد قراره.
كريم قال بانفعال
جاي تشمت؟
فارس ابتسم
أنا خسرت صفقة بس كسبت حقيقتك.
اقترب خطوة
بس الحقيقة اللي شفتها النهارده مش كاملة.
كريم ضيق عينيه
تقصد إيه؟
فارس بص له بجدية
في ناس فوقك يا كريم أنت كنت مجرد واجهة.
سكت لحظة.
ولو بدأت التحقيقات بجد هتوصل لناس مش هتتخيلها.
في نفس اللحظة داخل مبنى المجموعة
محمود السعدني كان قاعد لوحده في مكتب قديم.
بيفتح ملف لونه أسود
ملف ما اتفتحش من سنين.
وهمس لنفسه
الوقت
وفي الجهة التانية من القاهرة
سيارة سودا فخمة واقفة قدام فيلا معزولة.
باب العربية اتفتح.
نزل رجل ما ظهرش قبل كده في القصة.
بس أول جملة قالها كانت كفيلة تغيّر كل حاجة
كريم المنصوري بدأ يتكلم لازم نوقفه قبل ما يوصل لينا.
رجعنا للنيل
فارس بص لكريم وقال
لو عايز تنقذ نفسك
متابعة القراءة