اخذ شريكته
أخذ شريكه الجديد إلى فندق خمس نجوم... لكنه اتجمد مكانه لما دخلت زوجته وقالت أهلًا بيكم في فندقي.
مرّ كريم المنصوري كارت البنك الأسود على رخام الاستقبال بثقة كبيرة، والتفت إلى الرجل الواقف بجواره.
ما كانش صديقًا عاديًا.
كان شريكًا جديدًا في صفقة ضخمة كان كريم بيحلم بيها من سنين.
قال بصوت واثق
عايز الجناح الرئاسي... وضيفي لازم يشوف أحسن خدمة عندكم.
ابتسم الرجل وقال
واضح إنك واثق جدًا من نجاح الصفقة.
رد كريم
لأن النجاح محتاج صورة قوية.
كان فندق النيل جراند في قلب القاهرة واحدًا من أفخم الفنادق في مصر.
نجف كريستال ضخم يملأ السقف.
ورود بيضاء في كل الأركان.
وشعار حرف N محفور على الأبواب والجدران والأكواب.
لكن كريم لم ينتبه.
كالعادة كان منشغلًا بنفسه أكثر من أي شيء آخر.
في الصباح كان قد أخبر زوجته سارة النجار أنه ذاهب لاجتماعات عمل مهمة مع مستثمرين جدد.
سألته بهدوء
كل الملفات جاهزة؟
قال بثقة
طبعًا... سيبي الموضوع عليّ.
هزت رأسها فقط دون تعليق.
بعد ساعات...
وصل كريم إلى الفندق مع شريكه.
استقبله الموظفون بحفاوة كبيرة.
وصعد إلى الجناح الرئاسي وهو يتحدث عن الأرباح المتوقعة والمشروعات الجديدة.
لكنه لم يكن يعرف أن هناك من يراقب كل خطوة.
في نفس الوقت...
كانت سارة النجار تجلس في مكتب خاص داخل الفندق.
أمامها ملفات وعقود وتقارير مالية.
وبجانبها المستشار القانوني للشركة.
قال المحامي
راجعنا كل العقود اللي اتوقعت خلال آخر سنة.
سألته سارة
والنتيجة؟
فتح الملف وقال
في تحويلات مالية كبيرة تمت من غير موافقة مجلس الإدارة.
ساد الصمت للحظات.
ثم أضاف
وكل التوقيعات عليها اسم كريم.
أغمضت سارة عينيها للحظة.
لم تكن تريد تصديق الأمر.
فكريم لم يكن مجرد مدير تنفيذي.
كان زوجها وشريك نجاحها لسنوات طويلة.
لكن الأرقام لا تكذب.
وقبل أن تكمل الحديث...
رن هاتف المكتب.
قال الموظف
أستاذ كريم وصل الفندق يا فندم.
وقفت سارة بهدوء.
أغلقت الملف.
وقالت للمحامي
خلي كل أعضاء المجلس يجتمعوا في القاعة الرئيسية بعد ساعة.
ثم اتجهت نحو المصعد.
وفي القاعة الخاصة بالجناح الرئاسي...
كان كريم
وفجأة فُتح الباب.
دخلت سارة بخطوات هادئة.
التفت كريم إليها بدهشة.
وقال
سارة؟! إنتِ هنا؟
ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت
طبعًا هنا.
ثم نظرت إلى شريكه الجديد وأضافت
أهلًا بيكم في فندقي.
ساد الصمت.
ولأول مرة شعر كريم أن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث.
يتبع... تجمّد كريم في مكانه للحظات.
مش لأنه شاف سارة.
لكن بسبب الطريقة اللي دخلت بيها.
ما كانش فيها أي غضب.
ولا عصبية.
ولا حتى عتاب.
كانت هادئة بشكل أربكه.
الهدوء أحيانًا بيكون أخطر من الصراخ.
وقف شريكه الجديد وهو يحاول يكسر التوتر وقال
واضح إننا قابلنا صاحبة المكان بنفسها.
ابتسمت سارة بأدب ومدت يدها
تشرفت بمعرفتك، أنا سارة النجار.
صافحها الرجل باحترام وقال
فارس السيوفي.
ردت بابتسامة خفيفة
سمعت عن حضرتك كتير.
نظر كريم بينهما باستغراب.
سأل
هو في إيه بالضبط؟
قالت سارة
في اجتماع مهم بعد نص ساعة.
عقد حاجبيه
اجتماع؟
أومأت برأسها.
اجتماع مجلس الإدارة.
ارتبك للحظة.
بس الاجتماع الأسبوع الجاي.
فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة.
وضعتها أمامه.
كان الأسبوع الجاي.
قرأ الورقة بسرعة.
ثم رفع عينيه إليها.
كان قرارًا رسميًا باجتماع طارئ.
موقعًا من أغلب أعضاء المجلس.
شعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
لكنه حاول التماسك.
قال بثقة مصطنعة
أكيد موضوع بسيط.
ردت بهدوء
هتعرف بعد شوية.
ثم غادرت.
وتركت خلفها صمتًا ثقيلًا.
بعد نصف ساعة...
كانت القاعة الكبرى في الفندق ممتلئة.
أعضاء مجلس الإدارة.
المراجع القانوني.
مدير الحسابات.
وممثلون عن الشركات الشريكة.
جلس كريم في مقعده المعتاد.
لكن لأول مرة شعر أن المقعد ضيق.
على رأس الطاولة جلست سارة.
وأمامها عدة ملفات سميكة.
بدأ الاجتماع.
قالت
أشكر الجميع على الحضور السريع.
ثم نظرت مباشرة إلى كريم.
في بعض الأمور المالية اللي لازم تتراجع.
ابتسم كريم باستخفاف.
طبيعي.
رفع مدير الحسابات ملفًا أخضر.
وقال
من ستة أشهر بدأنا نلاحظ فروقات غريبة في بعض العقود.
رد كريم بسرعة
كل العقود قانونية.
قال المدير
ده اللي كنا فاكرينه.
ثم فتح شاشة العرض.
ظهرت عشرات الأرقام والتقارير.
وصور
وتحويلات مالية.
وموافقات إلكترونية.
شعر كريم بقطرات عرق تتكون على جبينه.
قال بحدة
إيه المقصود بالكلام ده؟
رد المدير
المقصود إن في شركة كانت بتحصل على عقود صيانة بمبالغ ضخمة.
رغم إنها أقل عرض ماليًا من المنافسين.
قال كريم
وده قرار إداري.
أجاب المدير
صحيح.
ثم ضغط زرًا آخر.
فظهر اسم الشركة.
شركة الأفق الحديثة.
هنا تغير وجه كريم.
لاحظ الجميع ذلك.
سأل أحد الأعضاء
في مشكلة؟
لم يرد.
أما سارة فكانت تراقبه بصمت.
قال المدير
بعد البحث اكتشفنا إن صاحب الشركة شخص اسمه سامر الجندي.
رفع عضو آخر حاجبيه.
وماله؟
رد المدير
سامر الجندي شريك قديم للأستاذ كريم.
ساد الهمس في القاعة.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
ضغط المدير زرًا جديدًا.
فظهرت وثيقة رسمية.
وقال
وبحسب السجل التجاري...
الأستاذ كريم يمتلك نسبة من الشركة بشكل غير مباشر.
ساد الصمت.
كريم نهض بعصبية.
ده غير صحيح!
رد المراجع القانوني
كل المستندات موثقة.
ضرب الطاولة بيده.
أنا مش متهم هنا!
قالت سارة بهدوء
لسه محدش اتهمك.
ثم فتحت ملفًا آخر.
وأضافت
لكن في حاجة أهم.
نظر إليها الجميع.
قالت
من شهرين طلبت مراجعة كاملة لكل أصول المجموعة.
اتسعت عينا كريم.
لأول مرة شعر بالخوف الحقيقي.
أخرجت مستندًا صغيرًا.
ورفعته أمام الجميع.
حد يعرف الورقة دي؟
لم يتكلم أحد.
أما كريم فكان يعرفها جيدًا.
بل ويحفظ شكلها.
لأنها كانت أخطر ورقة في حياته.
ورقة نقل ملكية قطعة أرض ساحلية بملايين الجنيهات.
الأرض التي ظن أن لا أحد يعرف حقيقتها.
لكن سارة أكملت
الأرض دي اتباعت باسم وسيط.
ثم انتقلت لشركة تانية.
ثم شركة تالتة.
لحد ما وصلت لصاحبها الحقيقي.
ثم نظرت مباشرة في عينيه.
وقالت
الأستاذ كريم المنصوري.
شعر وكأن القاعة كلها تدور حوله.
الأنفاس احتبست.
والوجوه تجمدت.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من آخر القاعة.
حين وقف رجل مسن لم يكن أحد منتبهًا لوجوده.
قال بصوت هادئ
وأنا عندي شهادة مهمة.
التفت الجميع نحوه.
حتى سارة بدت متفاجئة.
سأل أحد الأعضاء
حضرتك مين؟
اقترب الرجل ببطء.
ثم قال
أنا محاسب المجموعة السابق.
والسبب الحقيقي لاختفائي خمس
وفجأة...
أخرج حقيبة قديمة من تحت المقعد.
وضعها فوق الطاولة.
وفتحها أمام الجميع.
لتظهر عشرات الملفات الأصلية التي ظن كريم أنها اختفت للأبد.
وفي اللحظة دي بالضبط...
عرف كريم أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد...ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
الجميع كانت أنظاره معلقة بالحقيبة القديمة.
أما كريم فشعر بأن الهواء أصبح أثقل من أن يتنفسه.
نظر إلى الرجل المسن وقال
إنت...!
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.
أيوه يا أستاذ كريم.
أنا محمود السعدني.
تبادل الحاضرون النظرات.
كان الاسم معروفًا للجميع.
محمود السعدني لم يكن مجرد محاسب.
كان اليد اليمنى للحاج نجيب النجار مؤسس المجموعة.
الرجل الذي كان يعرف كل جنيه دخل أو خرج من الشركة.
والذي اختفى فجأة منذ خمس سنوات دون تفسير واضح.
قال أحد أعضاء المجلس
إحنا افتكرنا إنك سافرت.
رد محمود
ده اللي كان مطلوب من الناس تصدقه.
ثم فتح أول ملف.
وأخرج منه مجموعة مستندات صفراء قديمة.
قال
قبل ما أختفي بشهر اكتشفت مخالفات مالية خطيرة.
تسمرت عينا كريم على الأوراق.
بينما أكمل محمود
بلغت الحاج نجيب بنفسه.
سارة رفعت رأسها بسرعة.
والدي عرف؟
أومأ محمود.
عرف.
ثم تنهد بحزن.
وكان ناوي يفتح تحقيق شامل.
ساد الصمت.
وسأل أحد الحاضرين
طيب ليه ما حصلش؟
نظر محمود إلى صورة الحاج نجيب المعلقة على الجدار.
وقال
لأنه توفي بعدها بأيام.
انقبض قلب سارة.
أما كريم فبدأ يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه.
فتح محمود ملفًا آخر.
وأخرج منه نسخًا من عقود قديمة.
ثم قال
بعد وفاة الحاج نجيب، اتقفلت الملفات كلها.
وفي ناس بدأت تستغل حالة الحزن والفوضى.
كانت الكلمات تتساقط كالحجارة.
قال كريم بغضب
الكلام ده مجرد ادعاءات.
رفع محمود ورقة أمام الجميع.
دي مش ادعاءات.
دي توقيعات.
ثم مرر الأوراق على أعضاء المجلس.
بدأت الوجوه تتغير واحدة تلو الأخرى.
الدهشة.
الصدمة.
عدم التصديق.
كل المشاعر ظهرت في لحظات.
وفجأة...
وقف فارس السيوفي.
الرجل الذي جاء لعقد الشراكة مع كريم.
وقال
ممكن أشوف الملف؟
ناولته سارة المستندات.
ظل يراجعها عدة دقائق.
ثم أغلق الملف ببطء.
وسأل كريم
إنت كنت عارف
رد كريم بسرعة
طبعًا لا.
لكن فارس لم يقتنع.
كان رجل أعمال قضى عمره كله في الصفقات.
ويعرف جيدًا متى يكون الشخص صادقًا.
ومتى يحاول الهروب.
قال ببرود
أنا كنت داخل شراكة بمئات الملايين.
ولو المستندات دي صحيحة...
وسكت للحظة.
ثم أكمل
فالصفقة انتهت.
شعر كريم وكأن صفعة قوية ارتطمت بوجهه.
قال بعصبية
إنت