كنت بلم هدومي

لمحة نيوز

كنت بلم هدومي في الشنطة وإيدي بتترعش، وكل قطعة هدوم بحطها جوا كانت كأنها بتاخد معاها حتة من عمري.
دموعي كانت بتنزل على السوستة وأنا بحاول أقفل الشنطة بالعافية.
خمس سنين جواز.
خمس سنين كنت فاكرة إن الصبر هيغير القلوب، وإن الأيام هتصلح اللي الناس بوظته.
لكن الظاهر إني كنت غلطانة.
رفعت عيني أبص حواليا في الأوضة للمرة الأخيرة.
السرير اللي اخترناه سوا.
الستاير اللي قعدت أسبوع أدور عليها.
والصور اللي على التسريحة.
كل حاجة كانت بتقول إن ده بيتي.
لكن الحقيقة إن البيت عمره ما كان بيتي.
من يوم ما دخلته وأنا بحارب.
مش مع جوزي أحمد.
لا.
مع أمه.
الحاجة إنصاف.
ست كانت شايفة إن مفيش واحدة في الدنيا تستاهل ابنها.
أول شهر جواز كانت بتدخل أوضتنا من غير خبط.
وأول سنة كانت بتحاسبني على كل جنيه.
وأول ما اتأخر الحمل كانت تلمح قدام الناس وتقول
ربنا يرزق كل مشتاق.
وتبصلي.
وأنا أسكت.
كل مرة كنت أقول
كبري دماغك... دي أمه.
وأحمد كان دايمًا يقول
استحملي شوية يا حبيبتي.
وشوية ورا شوية عدوا خمس سنين.
لحد النهارده.
اليوم اللي قررت فيه أمشي.
لأن الكرامة لما بتتكسر كتير بتوصل لمرحلة مبترجعش زي الأول.
كنت لسه بقفل الشنطة لما سمعت صوت الباب بيتفتح بعنف.
دخلت الحاجة إنصاف.
واقفة بكل ثقة كأنها صاحبة البيت وصاحبة القرار.
وفي إيدها علبة قطيفة حمرا.
أول ما شفتها قلبي وقع.
علبة دهبي.
العلبة اللي أمي كانت جايباهالي يوم خطوبتي.
حضنتها بإيدي وقتها وقالتلي
احتفظي بحقك يا بنتي.
مكنتش أعرف ساعتها قد إيه كلامها هيبقى مهم.
رفعت الحاجة إنصاف العلبة قدامي وقالت بسخرية
فاكرة إنك هتمشي بيها؟
وقفت مكاني.
طبعًا همشي بيها. ده دهبي.
فتحت العلبة قدام عيني.
الغوايش والسلسلة والخاتم كانوا جوا.
لكنها ضمت العلبة لصدرها وقالت
الدهب ده هيفضل هنا.
اتسعت عيني من الصدمة.
يعني إيه هيفضل هنا؟
قالت ببرود
يعني هتخرجي بشنطة هدومك وبس.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
دهبي بتاعي.
ضحكت.


ضحكة مستفزة خلت أعصابي كلها تتشد.
بتاعك إزاي؟ كل حاجة دخلت البيت ده بقت تبع البيت.
قلت بغضب
الكلام ده مش صح.
ردت بسرعة
وأنا بقول هو الصح.
سكتت لحظة.
وبعدين قربت مني خطوة.
وبعدين أحمد ابني مش هيلحق يزعل عليكي أصلاً.
خطوة تانية.
بكرة أجوّزه واحدة أحسن منك.
خطوة تالتة.
واحدة تعرف قيمته.
كنت حاسة إن الأرض بتميد بيا.
لكن حاولت أتمالك نفسي.
قلت
ربنا يهديكي.
وفجأة اتغيرت ملامحها.
وقالت بصوت كله حقد
لا... أنا اللي هربيكي الأول.
شهقت وأنا ببصلها.
كملت
ولو فكرتي تعملي مشاكل هقول لأحمد إنك سرقتي فلوسه.
نزلت الكلمة عليا زي السكينة.
إيه؟!
سمعتي.
إنتِ بتفتري عليا.
ومين هيصدق؟ أنا ولا إنتِ؟
هنا حسيت إن آخر خيط صبر عندي انقطع.
صرخت فيها
اتقي الله!
وفي لحظة غضب شدت الشنطة من إيدي.
ورمتها على الأرض.
الهدوم كلها اتناثرت في الأوضة.
جريت أحاول ألمها.
لكنها زقتني بكل قوتها.
وقعت على الأرض.
والعلبة القطيفة وقعت من إيدها.
والدهب كله اتناثر حوالينا.
ثانية واحدة بس...
وسمعنا صوت حاجة وقعت بره الأوضة.
صوت معدن خبط في الأرض.
لفتت الحاجة إنصاف وشها بسرعة.
ولفيت أنا كمان.
وكانت الصدمة...
أحمد.
واقف عند باب الشقة.
المفاتيح واقعة جنب رجله.
ووشه شاحب بشكل عمرنا ما شفناه.
واضح إنه سمع كل كلمة.
لكن اللي خلى قلبي يدق بعنف...
إن أحمد ما كانش لوحده.
كان واقف جنبه راجل كبير غريب.
لابس بدلة سودة وملامحه متجهمة.
وكان ماسك في إيده ملف قديم مليان أوراق.
الراجل بص للحاجة إنصاف وقال
الحمد لله إني وصلت في الوقت المناسب...
وساعتها بس شفت الخوف الحقيقي لأول مرة في عيون الحاجة إنصاف.
خوف عمره ما ظهر قبل كده.
وخوفها ده خلاني أعرف إن السر اللي جاي...
أكبر بكتير من مجرد دهب أو خلاف عائلي.
يتبع...اتجمدت الحاجة إنصاف مكانها.
اللون اختفى من وشها فجأة.
وبقت تبص للراجل الغريب كأنها شافت شبح.
أما أحمد فكان واقف ساكت.
ساكت بشكل مخيف.
الراجل دخل خطوة لجوه الشقة وهو
ماسك الملف بإيده.
وقال بهدوء
واضح إنك لسه زي ما إنتِ يا أم أحمد... مبتعرفيش تهربي من الحقيقة.
صرخت الحاجة إنصاف
إنت بتعمل إيه هنا؟!
رد
جاي أسلم الأمانة.
كلمة واحدة بس.
لكنها خلتها ترتعش.
بصيت لأحمد باستغراب.
فقال وهو ما زال مركز نظره على أمه
تعرفيه؟
سكتت.
أول مرة أشوفها مش عارفة ترد.
كرر السؤال
تعرفيه؟
ردت بصوت متقطع
معرفة قديمة... ومفيش داعي للكلام ده دلوقتي.
لكن الراجل هز رأسه وقال
بالعكس... ده أنسب وقت.
وبعدين فتح الملف.
وأخرج ظرف أصفر قديم.
واضح عليه آثار الزمن.
وقال
الظرف ده كان لازم يتفتح من سنين.
قرب أحمد وأخده من إيده.
الحاجة إنصاف جريت فجأة تحاول تاخده.
لكن أحمد بعده عنها.
وكان لأول مرة يرفع صوته عليها
كفاية!
سكت البيت كله.
حتى أنا.
لأن أحمد عمره ما كلم أمه بالطريقة دي.
فتح الظرف.
وبدأ يقلب في الأوراق.
ومع كل ورقة كان وشه بيتغير أكتر.
صدمة.
ثم ذهول.
ثم غضب.
وبعدين رفع عينه ببطء ناحية أمه.
وقال
الأوراق دي حقيقية؟
ما ردتش.
فنطق الراجل
كلها موثقة.
الحاجة إنصاف بدأت تتنفس بسرعة.
وقالت
أنا عملت كده لمصلحتكم.
لكن أحمد صرخ
مصلحتنا؟!
ورمى أول ورقة على الترابيزة.
جريت بعيني عليها.
لكنها وقعت مقلوبة.
مشفتش المكتوب.
كل اللي شفته ختم رسمي كبير في آخر الصفحة.
قال أحمد
يعني طول السنين دي كلها...
وسكت.
كأنه مش قادر يكمل.
الراجل تنهد وقال
أنا كنت مسافر بره مصر. ولما رجعت عرفت إن الأمانة لسه ما اتسلمتش.
الحاجة إنصاف قعدت على الكرسي فجأة.
وكأن رجليها ما عادوش شايلينها.
أما أنا فكنت واقفة مش فاهمة أي حاجة.
لكن قلبي كان بيقولي إن السر ده مرتبط بأحمد نفسه.
مش بيا أنا.
وفجأة أحمد طلع صورة صغيرة من بين الأوراق.
بصلها ثواني طويلة.
وبعدين قربها من وشه أكتر.
وكأن عينه مش مصدقة اللي شايفاه.
سأل الراجل بصوت مخنوق
الصورة دي اتصورت إمتى؟
رد الراجل
من ستة وعشرين سنة.
شهقت الحاجة إنصاف
لا!
لكن الأوان كان فات.
لأن أحمد قلب الصورة
ناحيتي.
وأول ما شفتها حسيت بقشعريرة في جسمي.
الصورة كانت لطفل صغير عمره يمكن سنة أو سنتين.
واقف بين رجل وسيدة.
والطفل ده...
كان أحمد.
لكن السيدة اللي شايلاه في الصورة...
لم تكن الحاجة إنصاف.
يتبع...سكتت الغرفة كلها لحظة طويلة.
الصورة كانت في إيد أحمد، وعيونه ثابتة عليها كأنه بيحاول يفهم حاجة أكبر من عقله.
بص للحاجة إنصاف وقال بصوت واطي لكنه قاطع
دي مش أمي.
الكلمة نزلت على البيت كأنها حجر وقع في مية ساكنة.
الحاجة إنصاف وقفت فجأة، وصوتها اتكسر
إنت بتقول إيه؟ أنا أمك!
الراجل الغريب هز رأسه بهدوء وقال
الورق ما بيكذبش.
فتح الملف أكتر، وطلع ورقة تانية.
وقال
في تبني رسمي حصل وقتها... وكان فيه تنازل مكتوب وموقع.
اتسعت عيون الحاجة إنصاف.
كفاية كذب!
لكن أحمد ما كانش بيبصلها.
كان بيبص للصورة بس.
وبعدين قال جملة خلت دمي يتجمد
يبقى أنا طول عمري عايش مع واحدة مش أمي الحقيقية...
سكت لحظة.
وبعدين لف فجأة ناحية الحاجة إنصاف
ومع ذلك كنتِ بتدّعي إنك بتحميني؟
قرب منها خطوة.
ولا كنتِ بتحبسيني جوه حياة إنتِ اللي رسمتيها؟
الحاجة إنصاف رجعت لورا لأول مرة في حياتها.
مش لأنها خايفة منه
لكن لأنها فقدت السيطرة.
وفجأة قالت بصوت عالي
أنا عملت كده عشانك!
الراجل قاطعها بسرعة
ولا عشان الورث؟
سكتت.
سكوت طويل كان كفاية يجاوب على كل حاجة.
أنا كنت واقفة في النص، مش قادرة أستوعب حجم اللي بسمعه.
أحمد رجع بصلي لأول مرة من بداية الموقف.
نظرة مشوشة.
كأنه لأول مرة يشوف حياته بعينيه هو مش بعين أمه.
وقال بهدوء مرعب
يبقى كل حاجة اتبنت على كدبة
وفجأة رن موبايله.
رقم غريب.
بصله.
رد.
وصوته اتغير وهو بيقول
إيه؟ مين؟
سكت ثانيتين.
وبعدين وشه اتبدل تمامًا.
وقع الموبايل من إيده.
والصوت اللي خرج منه كان أخف من الهمس
المستشفى؟
كلنا اتجمدنا.
الحاجة إنصاف رفعت راسها بخوف لأول مرة
في إيه؟
لكن أحمد ما ردش.
كان بيبص قدامه كأنه شاف حاجة محدش شايفها.
وبعدين قال
في حد تاني
في الموضوع كان عايش طول الوقت ومستخبي.
الراجل الغريب قفل الملف بسرعة وقال
كنا متأخرين هو صحي.
وفي اللحظة دي
نور الشقة كلها فصل فجأة.
ضلمة كاملة.
وصوت باب الشقة اتقفل لوحده من غير ما حد يلمسه.
يتبعالضلمة كانت خانقة.
مش ضلمة نور بس دي كانت ضلمة إحساس إن في حاجة كبيرة بتقفل
تم نسخ الرابط