اول ماجدتي توفت

لمحة نيوز

الصندوق الخشبي.
كان كبير ومقفول بقفل نحاس قديم.
وفي جانبه مفتاح مربوط بخيط أحمر.
كأن جدتي كانت عارفة إن اللي هيفتحه هيبقى أنا.
مديت إيدي وفكيت الخيط.
ولما حطيت المفتاح في القفل...
سمعنا صوت فوق.
صوت باب البيت بيتفتح بعنف.
بصينا لبعض.
ثم سمعنا صوت خالي فؤاد.
فتشوا المكان كله!
اتسعت عيني.
هما هنا!
أبويا شدني بسرعة.
افتحي الصندوق قبل ما يوصلوا.
لفيت المفتاح.
طَق!
واتفتح الغطا ببطء.
جواه عشرات الملفات.
وألبومات صور.
وأشرطة فيديو قديمة.
وفي المنتصف صندوق صغير أسود.
أخرجته.
وكان تحته ظرف كبير مكتوب عليه
يفتح بحضور ندى فقط.
في نفس اللحظة نزلت خطوات سريعة على السلم.
كانوا وصلوا.
خالي فؤاد ظهر أول واحد.
ووراه خالتي نجلاء ومعتز.
أول ما شافوا الصندوق المفتوح، وشوشهم اصفرت.
كأن أسوأ كوابيسهم اتحققت.
صرخ خالي
اقفلي الصندوق فورًا!
أبويا وقف قدامه.
انتهى زمن الأوامر يا فؤاد.
معتز حاول يجري ناحية الملفات.
لكن المحامي منعه.
أما خالتي نجلاء فكانت بتبكي بشكل هستيري.
مش خوفًا على جدتي.
ولا على العيلة.
لكن على السر.
السر اللي فضلوا يستخبوا منه سنين.
مسكت الظرف الكبير وفتحته.
وقع منه قرص مدمج ورسالة طويلة.
بدأت أقرأ.
ومع أول سطر...
حسيت الأرض بتميد بيا.
يا ندى... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا متأكدة إنهم حاولوا يسرقوا حقك مرة تانية.
رفعت عيني ناحية خالي.
كان وشه شاحب.
كملت القراءة.
الحقيقة إن الثروة دي ما كانتش ثروتي وحدي...
سكتُّ.
وقلبي دق بعنف.
...الثروة دي كانت أمانة عندي من شخص اختفى منذ ثلاثين سنة.
خالي صرخ فجأة
كفاية! متكمليش!
لكنني كملت.
الشخص ده كتب وصية باسمه الحقيقي قبل اختفائه بيوم واحد.
الكل كان ساكت.
حتى أنفاسهم كانت مسموعة.
ثم قرأت السطر الأخير.
السطر اللي قلب كل شيء.
وصاحب الوصية... ما زال حيًا.
ساد صمت مرعب.
وببطء شديد...
التفتُّ
ناحية أبويا.
لأن كل العيون في الغرفة كانت متجهة إليه.
لكن قبل ما يتكلم...
خرج صوت من خلفنا في آخر الغرفة المظلمة
لا... مش هو.
تجمدنا جميعًا.
كان هناك شخص واقف في الظلام.
شخص لم يلاحظه أحد عندما نزلنا.
شخص عجوز يحمل مصباحًا قديمًا.
وتقدم خطوة للأمام وهو يقول
أنا صاحب الوصية الحقيقي... وأنا أعرف مين قتل الحقيقة من ثلاثين سنة الهواء في الغرفة اتجمد.
حتى التراب اللي على الأرض كأنه وقف مكانه.
العجوز قرب خطوة تانية، وضوء المصباح كشف وشه بالكامل.
وش كان باين عليه سنين مش بس عمر كأن الزمن نفسه اتعب منه.
خالي فؤاد رجع خطوة لورا.
مستحيل إنت مفروض تكون ميت.
العجوز ابتسم ابتسامة قصيرة.
أنا متّ فعلاً بس مش زي ما إنت فاكر.
بصيت أنا له، وقلبي بيدق بعنف.
حضرتك مين؟
رفع عينه عليا.
وفي لحظة صوته اتغير وهو بيقول
أنا المحاسب اللي كان ماسك كل فلوس رفيق المنياوي وأنا اللي كتبت الوصية بإيده قبل ما يختفي.
أبويا شدّ نفسه فجأة.
يعني إيه قبل ما يختفي؟ أنا واقف قدامه!
العجوز هز راسه ببطء.
لأ اللي واقف قدامك ده مش الصورة الكاملة.
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي كسرت كل حاجة
رفيق المنياوي ما اختفاش هو اتبدّل.
بصيت له بعدم فهم.
اتبدّل؟ يعني إيه؟
العجوز فتح ملف قديم كان معاه، وطلع صورة.
قربها مني.
نفس الشكل.
نفس العينين.
نفس ملامح أبويا.
بس التاريخ مختلف.
قبل ثلاثين سنة.
ده رفيق الحقيقي واللي قدامك دلوقتي نسخة متغيّرة.
خالي فؤاد انفجر ضاحك ضحكة عصبية.
إنتوا اتجننتوا! دي مسرحية!
لكن العجوز رد بهدوء قاتل
المسرحية بدأت يوم ما جدتك قررت تخبي الحقيقة تحت الأرض بدل ما تسلمها للعدالة.
وفي اللحظة دي
المحامي اتكلم لأول مرة بصوت منخفض
التسجيل الصوتي لزينب فيه اسم التوأم.
رفعت عيني بسرعة.
توأم؟
العجوز أومأ.
رفيق كان عنده أخ توأم اتبدلوا يوم الحادث.
الصمت نزل
علينا زي حجر.
وفجأة
الصندوق الخشبي اللي مفتوح جنبنا
طلع منه صوت.
كليك
كأن حاجة جواه بتتفعل لوحدها.
وببطء شديد
الغطا الداخلي للصندوق ابتدى يتحرك كأنه فيه جزء مخفي.
العجوز صرخ
متلمسوش!
لكن كان متأخر.
معتز مد إيده بسرعة.
وفجأة
سقف الغرفة كله اهتز.
وراء الحيطان سمعنا صوت معدني بيتفتح.
وأبواب سرية بتطلع من الأرض.
العجوز رجع خطوة وهو بيهمس
جدتك ما خبّتش الفلوس بس
رفع عينه في الظلام.
دي كانت بتبني فخ.
وفجأة
الأنوار انقطعت.
وبقينا في ضلمة كاملة.
وفي آخر ثانية قبل ما كل حاجة تسود
سمعنا صوت خالي فؤاد بيصرخ
اقفلوا الباب! محدش يخرج! دي مش فلوس دي شهادة موتنا كلنا!الظلام كان خانق لدرجة إنك تحس إن الغرفة نفسها بتضغط عليك.
صوت أنفاسنا بقى أعلى من أي صوت تاني.
وفجأة
صوت تكة واحدة.
وبعدها نور أحمر ضعيف اشتغل في زاوية الغرفة.
كشف جزء من الجدران
وكانت الكارثة.
الجدران نفسها كانت مش جدران عادية.
كانت مليانة أسماء محفورة.
أسماء كتير ومقفول جنب كل اسم تاريخ.
خالي فؤاد كان واقف مش بيتحرك.
المحامي بص للأسماء وهمس
دول مش أسماء ورثة دول أسماء ناس اختفت.
قلبي وقع.
العجوز قال بصوت مبحوح
كل اسم هنا معناه حقيقة اتدفنت وصندوق واحد هو اللي بيقرر مين اللي هيتفتح له الباب ومين اللي هيتدفن هنا.
أبويا فجأة مسك راسي
ندى متسمحيش للصندوق يفتح أكتر.
لكن كان خلاص متأخر.
الصندوق اللي في الأرض ابتدى يتحرك لوحده.
زي ما يكون فيه حاجة جواه بتصحى.
وفجأة
غطاء جانبي في الأرض اتفتح.
وسلم تاني ظهر.
لكن المرة دي
مش نازل لتحت.
لا
كان طالع لفوق.
كأن في حاجة جاية تطلع علينا.
العجوز رجع لورا بسرعة.
بدأوا يفتحوا النظام
صرخت
نظام إيه؟!
بصلي بعينين مليانة رعب
النظام اللي جدتك قفلته يوم ما قررت تختفي مع السر.
وفجأة
الصوت رجع.
صوت معدني ضخم بيطلع من تحت الأرض.
والمفاجأة
مش حد بيطلع.

لا
الصندوق نفسه هو اللي بيطلع ببطء من الأرض.
زي تابوت.
والأسماء اللي على الحيطان بدأت تنور واحدة واحدة.
خالي فؤاد وقع على ركبته
لأ لأ مش دلوقتي
المحامي مسكه
إنت كنت عارف!
لكن فؤاد صرخ لأول مرة بصوت مكسور
أنا ما كنتش عارف إن جدتك فعلاً هتفعّل القفل الأخير!
وفجأة
الصندوق وقف في نص الغرفة.
وانفتح لوحده.
ومن جواه
مش فلوس.
ولا أوراق.
لكن جهاز تسجيل قديم جدًا.
وشريط بيتحرك لوحده.
العجوز قال بصوت مرتعش
دلوقتي هتسمعي الحقيقة بصوتها هي.
ضغطنا كلنا في نفس اللحظة.
والشريط اشتغل.
وصوت جدتي زينب طلع من العدم
لكن أول جملة قالتها كانت كفيلة تخلي كل اللي في الغرفة يتجمد
لو الشريط ده اشتغل يبقى حد منكم حاول يقتل ندى قبل ما تعرف الحقيقة الصوت بتاع جدتي كان جاي من الشريط كأنه عايش معانا في الغرفة.
كل نفس اتكتم في نفس اللحظة.
بصيت حواليّ.
مفيش حد بيتحرك.
لكن الإحساس كان واضح
فيه حد مننا مش بس بيخبي الحقيقة ده مستني اللحظة الصح يضرب.
الشريط كمل
يا ندى لو وصلتي لهنا، يبقى الخطر أقرب ليكي مما تتخيلي مش بره الغرفة جوهها.
خالي فؤاد بص ناحيتي بسرعة.
كفاية تمثيل! دي لعبة!
لكن صوته كان مهزوز.
العجوز رد بهدوء مرعب
دي مش لعبة دي وصية أمان.
وفجأة
الصوت في الشريط اتغير.
وبقى أبطأ أعمق
أنا ما وثقتش في حد عشان كده عملت اختبار أخير.
الأنوار الحمراء في الجدران بدأت تومض بسرعة.
وكل اسم محفور على الحيطان بدأ يختفي واحد واحد
إلا اسم واحد.
ندى
اتثبت لوحده وابتدى ينور أكتر من غيره.
اتجمدت.
ليه اسمي أنا؟
العجوز همس
لأنك المفتاح.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت قفل ضخم بيتفتح من جوه الجدران.
زي باب عملاق بيتسحب من مكانه.
المحامي رجع خطوة لورا وقال
في حاجة هتطلع من ورا الحيطان دي
خالي فؤاد فجأة صرخ
اقفلوا الشريط فورًا!
لكن مفيش حد عرف يوقفه.
الصوت كمل
اللي هيحاول يمنعك
يا ندى هو أول واحد خاف الحقيقة تظهر.
سكون.
كل العيون اتحولت لفؤاد.
هو اتجمد.
وبعدين قال بصوت واطي جدًا
أنا أنا كنت بحميكي.
العجوز رد فورًا
لأ كنت بتحمي نفسك.
وفجأة
جزء من الحائط اتفتح ببطء.
وضوء أبيض قوي طلع من جوه.
لكن مش نور عادي
ده كان زي
تم نسخ الرابط