لمدة سنتين كاملة كنت اوصل الاكل لجارتى العجوز

لمحة نيوز

سماكة من الطبيعي.
مددت يدي بحذر وضغطت عليه.
طَق.
انفتح جزء سري صغير داخله.
شهق الجميع.
وكان بداخله ظرف أسود قديم جدًا.
مختوم بالشمع.
ارتجفت يدي وأنا أخرجه.
وعلى وجه الظرف كانت هناك كتابة بخط أم فاضل
إذا وصل هذا الظرف إلى نادين فالحقيقة أخيرًا وجدت طريقها.
الرجل الطويل تحرك بسرعة نحوي.
افتحيه.
لكن ابن أم فاضل وقف فجأة أمامي.
لا.
نظر له الرجل بغضب
مو من حقك تقرر.
صرخ لأول مرة
كافي! أمي ضيعت عمرها وهي تحاول تحمي هالبنت!
ساد الصمت للحظة.
ثم التفت إليّ وقال بصوت منكسر
اطلعي من هنا يا نادين.
شنو؟
اطلعي حالًا لأن إذا هاي الأوراق طلعت للناس الغلط، راح يعيد التاريخ نفسه.
كنت أرتجف.
عقلي عاجز عن استيعاب كل شيء.
جدي أمي أبي أم فاضل
كم الأسرار التي عاشوا وماتوا وهم يحملونها؟
لكن قبل أن أتحرك، دوّى صوت قوي من خارج الشقة.
ثم صراخ في الممر.
وفجأة انفتح الباب بعنف.
ودخل أبو سعد الحارس وهو يلهث.
وخلفه رجل مسن يرتدي بدلة رمادية أنيقة.
ما إن وقعت عيناه عليّ حتى تجمد مكانه.
ثم قال بصوت مرتعش
مستحيل
نظرت إليه بعدم فهم.
أما ابن أم فاضل فشحب وجهه تمامًا وهمس
لواء جاسم
الرجل اقترب ببطء وعيناه لا تفارقان وجهي.
ثم قال جملة قلبت كل شيء مرة أخرى
أنتِ تشبهين أبوكِ أكثر مما توقعت تراجعت خطوة للخلف وأنا أحدق في الرجل العجوز.
ملامحه كانت حادة رغم العمر، وعيناه تحملان شيئًا ثقيلًا ذنبًا قديمًا ربما.
أما الرجلان اللذان دخلا مع ابن أم فاضل، فتبدلت ملامحهما فور سماع الاسم.
لواء جاسم.
واضح أنهم يعرفونه جيدًا.
أبو سعد أغلق الباب بسرعة وهو يلهث
الجماعة تحت بدوا يسألون عن الشقة خفت يصير شي.
لكنني بالكاد كنت أسمع.

كل تركيزي كان على الرجل الواقف أمامي.
سألته بصوت مرتجف
حضرتك تعرف أبوي؟
أغمض عينيه للحظة طويلة.
ثم قال
أكثر مما تتصورين.
وأشار إلى الظرف الأسود في يدي.
قبل لا ينفتح هذا لازم تسمعين الحقيقة مني.
صرخ الرجل الطويل بغضب
سيادة اللواء، هذا مو اتفاقنا!
لكن اللواء جاسم التفت إليه ببرود قاتل.
الاتفاق انتهى من ثلاثين سنة يوم مات رجال أبرياء حتى تندفن أسرار ناس جبانة.
ساد الصمت.
ثم جلس ببطء على الكرسي المقابل لي.
وقال
أبوكِ، كريم الراوي ما كان مجرد سائق.
شهقت دون وعي عندما سمعت اسم أبي كاملًا لأول مرة من شخص يعرفه.
أكمل
كان يشتغل معي بشكل سري وقت الحصار والحروب. كنا نوصل وثائق تدين مسؤولين كبار بسرقة أموال واختفاء ناس أبرياء.
أحسست بدوار خفيف.
وليش قتلوه؟
خفض رأسه.
لأن أحدهم خانّا.
ثم نظر نحو الرجلين الواقفين قرب الباب.
والخيانة ما انتهت لهسه.
توتر الجو فجأة.
الرجل الطويل وضع يده داخل سترته كأنه يستعد لشيء.
لكن ابن أم فاضل وقف أمامي مباشرة.
محد يقربلها.
شعرت للحظة أنني لم أعد داخل شقة قديمة بل داخل حكاية مدفونة منذ عقود.
فتح اللواء جاسم يده نحوي.
افتحي الظرف يا نادين.
نظرت إلى الشمع الأسود المرتجف بين أصابعي.
ثم فتحته ببطء.
كان بداخله
صور. أسماء. مستندات مختومة. وشريط كاسيت قديم.
وفي الأعلى رسالة قصيرة جدًا بخط أم فاضل
الحقيقة أمانة لكن الأمانة أحيانًا تقتل أصحابها.
تناول اللواء إحدى الصور بسرعة.
ثم شحب وجهه.
يا الله
اقتربت منه ونظرت إلى الصورة.
كانت تجمع أربعة رجال شباب.
أحدهم أبي.
والثاني اللواء جاسم.
أما الثالث، فكان ابن أم فاضل في شبابه.
لكن الرجل الرابع
جعل الجميع يصمت.
لأن صورته
كانت معلقة منذ سنوات في كل الدوائر الحكومية وعلى شاشات التلفزيون.
رجل سياسي مشهور جدًا وما يزال حيًا حتى الآن.
همس الرجل الطويل بتوتر
إذا هاي الصور تطلع ناس هواي راح تطيح.
ثم فجأة مدّ يده لينتزع الظرف مني بالقوة.
صرخت وتراجعت، لكن قبل أن يصل إليّ
دوّى صوت طلقة نارية داخل الشقة.
تجمد الجميع.
الرجل الطويل وقف مصدومًا للحظة ثم سقط على الأرض ببطء.
الدم بدأ ينتشر تحت جسده.
صرخت بفزع.
أما مطلق النار
فكان ابن أم فاضل.
يده ترتجف والمسدس بين أصابعه.
وعيناه ممتلئتان بالرعب.
همس بصوت مكسور
ما خليكم تأذونها مو بعد هسه.
في الخارج بدأت أصوات الناس تعلو.
وأبو سعد أغلق الباب بسرعة وهو يصرخ
الشرطة بالطريق!
لكن اللواء جاسم كان ينظر فقط إلى شريط الكاسيت القديم.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
إذا التسجيل بعده يشتغل فمعناه أن أبوكِ توقع كل شي قبل ما يموت ساد الصمت داخل الغرفة إلا من صوت أنفاسي المرتجفة.
الدم على الأرض. صراخ الناس خلف الباب. وذلك الشريط الصغير الذي بدا وكأنه يحمل عمرًا كاملًا من الخوف.
مدّ اللواء جاسم يده ببطء نحو جهاز تسجيل قديم كان فوق الرف.
أدخله.
ضغط الزر.
صدر تشويش خافت
ثم جاء صوت رجل.
صوت دافئ ومتعب في الوقت نفسه.
إذا أحد يسمع هذا التسجيل فمعناه إني غالبًا مت.
شعرت بجسدي كله يرتعش.
كان صوت أبي.
لأول مرة في حياتي أسمعه.
وضعت يدي على فمي وأنا أبكي بصمت.
أكمل التسجيل
اسمي كريم الراوي، وإذا وصل هذا الشريط لبنتي نادين فأريدها تعرف إني حاولت أرجعلها.
انكسرت داخلي كل الجدران التي بنيتها طوال عمري.
كل سنوات الغياب كل الأسئلة كل الحنين لرجل لم أعرف وجهه إلا من صورة باهتة
صار
صوتًا حقيقيًا أخيرًا.
قال أبي في التسجيل
الملفات اللي معي تدين ناس كبار جدًا. وإذا اختفت، راح تضيع حقوق ناس أبرياء للأبد.
ثم ساد صمت لثوانٍ قبل أن يكمل
لكني أعرف إنهم راح يقتلوني. لهذا سلمت كل شي لأم فاضل لأنها أشجع إنسانة عرفتها بحياتي.
نظرت حولي إلى الشقة الصغيرة.
إلى الستائر القديمة. إلى الصحون التي كانت تغسلها بعناية. إلى الكرسي قرب النافذة
وامتلأ قلبي بشيء أكبر من الحزن.
فخر.
أم فاضل لم تكن مجرد
امرأة وحيدة.
كانت تحمل الحقيقة وحدها ثلاثين سنة كاملة.
ثم عاد صوت أبي
إذا كبرتِ يا نادين وسمعتي هذا لا تحملي الكره بقلبك. الناس اللي تؤذي غيرها تعيش معاقبة حتى لو ما دخلت سجن.
ثم ضحكة خافتة متعبة.
وأرجوكِ لا تعيشي وحدك مثلنا.
انقطع التسجيل فجأة.
وبقيت أنا أبكي بصمت كطفلة صغيرة.
حتى اللواء جاسم مسح عينيه بسرعة وأدار وجهه.
بعد ساعات
وصلت الشرطة.
وتم أخذ كل الوثائق رسميًا.
أما الرجل السياسي المشهور، فانفجرت قضيته في الإعلام بعد أيام.
فضائح. سرقات. اختفاءات. وقضايا قديمة عادت للحياة.
وسقطت أسماء كبيرة جدًا.
لكن أكثر شيء بقي عالقًا بداخلي لم يكن الانتقام.
بل آخر جملة قالها أبي.
لا تعيشي وحدك.
مرت سنة كاملة بعدها.
اشتريت المكتبة القديمة أسفل العمارة رسميًا. ورممتها.
لكنني لم أحولها إلى مكتبة قرطاسية فقط.
حولتها إلى مكان صغير باسم
بيت أم فاضل.
مكان فيه شاي مجاني للعجائز. ورفوف كتب. وطاولة طويلة يتجمع حولها الناس الذين لا يملكون أحدًا ينتظرهم آخر الليل.
وعلى الحائط قرب الباب علقت صورة أم فاضل.
بنفس سترتها الرمادية. ونفس الابتسامة الهادئة.
وكتبت تحتها
أحيانًا صحن شوربة ينقذ عمرًا كاملًا.

أما أنا
ففي كل مساء، قبل أن أغلق المكان، أضع طبق رز بالحليب قرب النافذة.
ليس لأن أحد سيأكله.
بل لأن هناك امرأة عجوزًا أعادت لي عائلتي بعد أن ظننت أنني فقدتها للأبد.

تم نسخ الرابط