لمدة سنتين كاملة كنت اوصل الاكل لجارتى العجوز

لمحة نيوز

لمدة سنتين كاملة كنت أوصل الأكل لجارتي العجوز، رغم أنها عمرها ما سمحت لي أدخل شقتها. وبعد ما توفيت، دخلت بيتها لأول مرة وهناك فوق سريرها كان اسمي مكتوبًا بخط مرتجف، وفهمت أن كل صحن شوربة كنت أحمله لها كان يخفي سرًا أكبر مما تخيلت. 
أهلها ما كانوا يزورونها.
والجيران كانوا يتصرفون كأنها غير موجودة.
أما أنا فكنت فقط لا أريدها أن تتعشى وحدها.
اسمي نادين الراوي، عمري أربعة وثلاثون سنة، وكانت أم فاضل هي الشخص الوحيد الذي كان ينتظرني آخر النهار.
كانت تسكن في شقة رقم 302 داخل عمارة قديمة في الكرادة ببغداد.
شقة صغيرة، بابها بني باهت، وعين الباب مخدوشة، وبجانب الدعاسة أصيص زرع يابس منذ وقت طويل.
أم فاضل كان عمرها اثنين وثمانين سنة.
تمشي ببطء شديد، تجر قدميها على الدرج، دائمًا تلبس سترة رمادية حتى في الحر، وشعرها الأبيض مرفوع بدبابيس سوداء صغيرة.
لا أحد كان يزورها.
لا أحد يسأل عنها.
كل سكان العمارة يعرفون أنها موجودة، لكنهم كانوا يعاملونها مثل شيء قديم اعتادوا رؤيته وتجاهله.
أنا بدأت أكلمها بالصدفة.
في عصر يوم مزدحم، وجدتها تحاول تصعد الدرج وهي تحمل كيس خضار ثقيل.
كان بداخله طماطم، وخبز يابس، وعلبة حليب، ويدها ترتجف لدرجة أن الكيس كاد يقع منها.
قلت لها
خليني أساعدك يا خالة.
نظرت لي وكأنها نسيت آخر مرة أحد عرض عليها شيئًا بدون مقابل.
ما أريد أتعبك يمّه.
أبدًا، مو تعب.
طلعت

معها الكيس للطابق الثالث.
وفي نفس الليلة، كنت قد طبخت شوربة شعيرية أكثر من حاجتي، فطرقت بابها وأعطيتها صحنًا منها.
فتحت الباب فتحة صغيرة فقط.
الرائحة خرجت قبل صوتها
بودرة أطفال قديمة، خشب عتيق، ووحدة ثقيلة.
أخذت الصحن بكلتا يديها.
وقالت بهدوء
من سنين محد طبخ إلي.
ابتسمت.
لكنها لم تسمح لي بالدخول.
ومنذ ذلك اليوم، صار الأمر عادة.
كل يوم الساعة السابعة مساءً، بعد دوامي في مكتبة القرطاسية القريبة من ساحة الأندلس، كنت أصعد للطابق الثالث وأطرق بابها.
مرة أحمل شوربة دجاج.
ومرة رز وفاصوليا.
وأحيانًا كليجة من الفرن القريب عندما ينزل راتبي.
وشاي بابونج عندما أسمع سعالها خلف الباب.
وفي كل مرة كانت تقول نفس الجملة
الله يفتحها بوجهك يا بنتي.
ثم تغلق الباب بهدوء.
عمرها ما دعتني للدخول.
في البداية ظننت أنها تخجل من فقرها.
بعدها ظننت أنها تخفي تعبًا.
ثم فهمت أنها تخفي شيئًا أعمق من ذلك كله.
أحيانًا، وأنا أنتظرها تفتح الباب، كنت أسمع تلفزيونًا منخفض الصوت، أو أغاني عراقية قديمة، أو صوت أدراج تُغلق بسرعة.
وفي أحد الأيام، رأيت امرأة أنيقة تقف أمام بابها.
لم تحمل معها طعامًا.
ولا وردًا.
كانت تحمل استعجالًا فقط.
فتحت أم فاضل الباب.
دخلت المرأة دون أن تنظر إلي.
وبعد ربع ساعة خرجت وهي تمسك ظرفًا أبيض بيدها.
أما أم فاضل، فبقيت واقفة عند الباب تبدو أصغر من قبل.
سألتها
خير إن شاء الله؟
ابتسمت،
لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
وقالت
بعض الأولاد ما يتذكرون الطريق إلا إذا احتاجوا شيئًا.
ولم تتكلم بعدها عن الموضوع.
لكنني فهمت.
كان لديها عائلة.
فقط عائلة بلا قلب.
مرت سنتان.
سنتان من الصحون الساخنة.
سنتان من طرق الباب وسماع خطواتها البطيئة تقترب.
سنتان من رؤيتها تفرح بقطعة خبز بالزبدة كأنني أحضرت لها وليمة كاملة.
وأنا أيضًا كنت وحيدة.
أمي توفيت عندما كان عمري عشرين سنة.
وأبي اختفى بعدها ولم يعد.
لم أتزوج.
ولم أنجب أطفالًا.
ولذلك، دون أن نتكلم بالأمر، أصبحت أنا وأم فاضل عائلة غريبة.
من باب إلى باب.
ومن شوربة إلى شوربة.
ومن صمت إلى صمت.
آخر مرة رأيتها فيها كانت ليلة خريف ممطرة.
أحضرت لها رزًا بالحليب داخل علبة بلاستيكية.
تأخرت كثيرًا حتى فتحت الباب.
وحين فتحته، كانت شاحبة جدًا.
قلت بسرعة
أجيب طبيب؟
هزت رأسها بالنفي.
لا يا بنتي بس تعبت شوي.
دخّليني حتى أطمّن عليك على الأقل.
فجأة تشبثت بباب الشقة بقوة.
خافت.
ليس مني.
بل من أن أرى ما بداخل البيت.
وقالت بصوت خافت
مو هسه.
تجمدت مكاني.
مو هسه شنو؟
رفعت يدها الباردة ولمست خدي.
وقالت
من يجي الوقت راح تفهمين.
في اليوم التالي، وجدت سيارة إسعاف واقفة أمام العمارة.
وكان الحارس أبو سعد واقفًا عند المدخل وقبعته بيده.
عرفت قبل أن يتكلم.
قال بحزن
راحت وهي نايمة ما تعذبت.
شعرت بشيء ينكسر داخل صدري.
ركضت للطابق الثالث، لكنهم لم يسمحوا
لي بالدخول.
شرشف أبيض.
ومسعفان.
وباب يُغلق ببطء.
هذا فقط ما تبقى منها.
في العزاء ظهر أهلها.
وقتها فقط.
أبناء، وأقارب، وزوجة ابن تحمل حقيبة غالية ووجهًا ممتلئًا بالضجر.
يبكون قليلًا.
ويراقبون كثيرًا.
يراقبون الأثاث.
والأدراج.
والمفاتيح.
إحدى بناتها سألت مباشرة
منو عنده مفتاح الشقة؟
أبو سعد أشار نحوي دون قصد.
الآنسة نادين كانت تجيب لها أكل دائمًا.
وفجأة، التفتت كل العيون نحوي.
وكأن صحن شوربة جعل مني سارقة.
زوجة الابن نظرت لي من رأسي حتى قدمي.
وقالت ببرود
شيء مريح جدًا بصراحة.
لم أرد.
لن أتشاجر أمام نعش المرأة الوحيدة التي شكرت وجودي يومًا.
بعد ثلاثة أيام، طرق مدير العمارة بابي.
وقال
أستاذة نادين، لازم نفرغ شقة 302. إنتِ أكثر شخص كان يجيها يمكن تساعدينا نفرز أغراضها.
وافقت.
لا أعرف لماذا.
ربما لأنني لم أرد أن تنتهي سترتها الرمادية داخل كيس قمامة أسود بيد أشخاص لا يعرفون قيمتها.
صعدت للطابق الثالث وقلبي يضيق.
دار المفتاح في الباب.
وانفتح أخيرًا.
ولأول مرة دخلت شقة أم فاضل.
توقفت مكاني.
لم تكن تخفي فوضى.
كانت تخفي عمرًا كاملًا من الذكريات.
الستائر مغلقة.
والهواء يحمل رائحة خزامى قديمة.
وفوق الرف صور مقلوبة على وجوهها.
وأكواب مرتبة بعناية.
وكرسي قرب النافذة يواجه العمارة المقابلة.
ثم رأيت فوق الطاولة كل العلب التي كنت أعطيها لها.
كلها.
مغسولة.
ومرتبة.
وعليها لصقات صغيرة بخط
مرتجف.
شوربة شعيرية الثلاثاء.
مرق الدجاج وقت السعال.
الكليجة يوم عيد ميلادي.
رز بالحليب الأخير.
امتلأت عيناي بالدموع.
كانت تحتفظ بكل شيء كأنه هدية.
تنحنح
تم نسخ الرابط