لمدة سنتين كاملة كنت اوصل الاكل لجارتى العجوز

لمحة نيوز

مدير العمارة وقال
الغرفة هناك بالآخر.
مشيت ببطء.
الغرفة كانت مظلمة.
والسرير مرتبًا بغطاء قديم مزهر باللون الأزرق.
وفوق السرير كانت هناك رزمة كبيرة من الظروف المربوطة بشريط أحمر.
ليست اثنتين.
ولا عشرًا.
بل عشرات.
كلها بنفس الخط المرتجف.
اسمي.
نادين.
نادين.
نادين.
شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملاني.
اقتربت ببطء.
كان أول ظرف مكتوبًا عليه
إلى جارتي العزيزة عندما تدخلين هذه الغرفة يومًا.
وبجانب الظروف كانت هناك علبة خشبية صغيرة، ومفتاح ذهبي، وصورة قديمة مقلوبة على وجهها.
أخذت الصورة بحذر.
وقلبتها.
وفي اللحظة التي رأيت فيها ما بداخلها شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة كلها.
أما الحقيقة التي اكتشفتها بعدها، فقد غيّرت كل ما كنت أظنه عن أم فاضل وهذا ما سيظهر في الجزء الثاني.
القصة كاملة اول التعليق مرّت ثلاثة أشهر بعد تلك الليلة.
ثلاثة أشهر وأنا أعيش بين الرسائل.
كل ليلة أفتح ظرفًا جديدًا من ظروف أم فاضل، وأقرأ جزءًا من عمرٍ حُرمنا كلتينا منه.
كانت تكتب عني منذ طفولتي.
عن أول يوم مدرسة. عن الحمى التي أصابتني وأنا بعمر السابعة. حتى عن حفلة تخرجي من الجامعة
كانت تعرف كل شيء.
وفي كل رسالة كانت تكرر جملة واحدة
سامحيني لأنني كنت قريبة منكِ جدًا وبعيدة عنكِ جدًا.
أما أولادها، فاختفوا تقريبًا بعد اكتشاف الحقيقة.
لم يعودوا يطرقون بابي.
ولم يعودوا ينظرون في وجهي أصلًا داخل العمارة.

لكن شيئًا واحدًا فقط بقي يقلقني
المفتاح البنكي.
طوال أسابيع لم أجرؤ على استخدامه.
كنت أشعر أن داخله ليس مالًا فقط بل جزء من أم فاضل نفسها.
لكن في النهاية، جمعت شجاعتي.
وفي صباح هادئ، ذهبت إلى البنك القديم في شارع الرشيد.
الموظف كان رجلًا خمسينيًا يضع نظارة سميكة.
ناولته المفتاح والورقة الرسمية.
تفحّصهما طويلًا ثم رفع رأسه نحوي فجأة.
حضرتك نادين سناء الراوي؟
تجمدت.
نعم.
وقف الرجل فورًا باحترام غريب.
وقال
الحساب هذا بقاله أكثر من ثلاثين سنة والتعليمات كانت واضحة جدًا ما ينفتح إلا بحضور الحفيدة شخصيًا.
شعرت برجفة في يدي.
أخذني إلى غرفة صغيرة، ثم وضع أمامي صندوقًا حديديًا قديمًا.
فتح القفل بالمفتاح الذهبي.
وحين انفتح الصندوق
شهقت.
لم يكن مليئًا بالمال كما توقعت.
بل كان مليئًا بحياتي كلها.
صور لي وأنا طفلة.
خصلة شعر صغيرة داخل منديل.
بطاقات معايدة مدرسية.
حتى أول قصة قصيرة نشرتها في مجلة الجامعة كانت تحتفظ بها.
وفي الأسفل، كان هناك دفتر توفير قديم.
المبلغ بدا كبيرًا جدًا بالنسبة لامرأة عاشت وحيدة كل تلك السنوات.
لكن ما كسرني حقًا كان الرسالة الأخيرة الموضوعة فوق المال.
هذا ليس ميراثًا يا بنتي.
هذا عمر كامل كنت أجهزه حتى لا تحتاجي أحدًا يومًا.
بدأت أبكي بصمت داخل البنك.
حتى الموظف نفسه أدار وجهه خجلًا من دموعي.
ثم انتبهت لشيء آخر داخل الصندوق
ظرف مختلف.
أبيض.
نظيف. ومكتوب عليه بخط واضح أكثر من باقي الرسائل
لا تفتحيه إلا إذا شعرتِ أن الدنيا أغلقت بابها بوجهك.
ترددت.
لكن قلبي كان يخفق بقوة.
فتحته ببطء.
وكانت بداخله ورقة واحدة فقط.
يوجد سر أخير في الشقة.
رفعت حاجبي بدهشة.
وأكملت القراءة بسرعة
خلف خزانة الملابس في غرفتي ستجدين ما أخفيته عن الجميع.
في نفس اليوم عدت إلى العمارة.
صعدت الدرج بسرعة ويدي ترتجف.
فتحت شقة 302.
كل شيء كان كما تركته.
رائحة الخزامى. الستائر المغلقة. والصمت.
دخلت غرفتها مباشرة.
دفعت خزانة الملابس القديمة بصعوبة.
وفي الجدار خلفها وجدت بابًا صغيرًا جدًا بالكاد يُرى.
شعرت بقلبي يكاد يخرج من صدري.
فتحت الباب الصغير ببطء
وكان خلفه تجويف ضيق يحتوي على صندوق خشبي آخر.
لكن هذا الصندوق لم يكن مليئًا بالصور.
كان مليئًا برسائل رسمية وعقود وأوراق ملكية.
أخذت أول ورقة وبدأت أقرأ.
ثم اتسعت عيناي بصدمة.
الشقة كلها والمكتبة القديمة أسفل العمارة وقطعة أرض صغيرة في أطراف بغداد
كلها كانت مسجلة باسمي منذ سنوات.
جلست على الأرض غير مصدقة.
أم فاضل لم تكن فقط تحاول تعويضي عن الماضي
كانت تحارب بصمت حتى تضمن مستقبلي كله.
وفجأة سمعت صوت المفتاح يدور في باب الشقة الخارجي.
تجمد الدم في عروقي.
أنا متأكدة أنني أغلقت الباب بنفسي.
ثم جاء صوت خطوات بطيئة داخل الصالة.
وصوت رجل يقول بهمس
دورتوا بكل مكان إلا هون.
أغلقت الصندوق بسرعة.

وقبل أن أستوعب ما يحدث ظهر ابن أم فاضل عند باب الغرفة.
لكن هذه المرة
لم يكن وحده خلفه دخل رجلان غريبان بملابس داكنة ووجوه جامدة.
أحدهما أغلق باب الشقة بهدوء.
أما ابن أم فاضل، فكان وجهه شاحبًا بطريقة أخافتني أكثر من صراخه.
نظر إلى الصندوق المفتوح بجانبي ثم قال بصوت مبحوح
يعني لحقتي توصليلها.
وقفت بسرعة وأنا أضم الأوراق إلى صدري.
شتريدون؟
الرجل الطويل اقترب خطوة وقال ببرود
نريد نفهم شنو كانت مخبية أم فاضل.
صرخت بانفعال
هاي أوراق تخصني!
لكن ابن أم فاضل رفع يده بسرعة.
لا تلمسوها.
التفتُّ إليه بدهشة.
كان يتنفس بصعوبة وكأنه يقاتل شيئًا داخله.
ثم نظر إليّ مباشرة لأول مرة دون قسوة.
وقال
أمي كانت تعرف إنهم راح يرجعون بعد موتها.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
منو؟
تبادل الرجلان النظرات.
أما هو فجلس ببطء على الكرسي قرب الباب وكأنه تعب من حمل سر ثقيل سنين طويلة.
قبل أكثر من ثلاثين سنة أبوكِ ما مات بحادث عادي.
تجمدت الدنيا حولي.
همست
شنو؟
بلع ريقه وقال
أبوكِ كان يشتغل سائق صحيح. بس بالليل كان ينقل أوراق ووثائق لناس كبار بالدولة وقتها.
اقتربت منه دون وعي.
كمل.
خفض رأسه وقال
وفي ليلة اختفت ملفات مهمة جدًا. ثاني يوم صار الحادث.
شعرت بدقات قلبي تضرب أذني بعنف.
تقصد انقتل؟
لم يجب.
لكن صمته كان أوضح من أي كلمة.
أحد الرجلين قال بحدة
والملفات هاي اختفت من وقتها.
ثم أشار إلى الصندوق.

وإحنا نعتقد أم فاضل كانت مخبيتها.
نظرت إلى الأوراق بارتباك.
كانت عقودًا ورسائل قديمة فقط
ثم فجأة انتبهت إلى شيء غريب.
قاع الصندوق الخشبي بدا أكثر
تم نسخ الرابط