قال زوجي أنه ذاهب لحفل
أخرى.
ثم أخرى.
وكلها تحمل التوقيع نفسه.
توقيع والدته.
وتحته اسمي.
ليان العجارمة.
رفع رأسه نحو الجدة بعينين مذعورتين
أنتِ أكيد فاهمة غلط!
لكن الجدة ردت بقسوة
أمك ما كانتش غبية يا يزن. كانت شايفة كل حاجة.
ثم نظرت نحوي بحزن
كانت تعرف إنك عمرك ما حبيت تالا بس كنت مربوط بيها بالخطيئة والخوف.
أما ليان فكانت الزوجة الوحيدة اللي دخلت البيت بنية نظيفة.
انفجرت تالا
يعني إيه كل حاجة باسمها؟! وأنا وابني نروح فين؟!
صرخت الجدة فيها لأول مرة
ابنك مش ابن يزن أصلًا!
ارتجفت القاعة من جديد.
لكن تالا لم تبكِ هذه المرة.
بل نظرت إليّ بنظرة غريبة مليئة بالحقد.
وقالت ببطء
أنتِ فرحانة دلوقتي؟ خدتي الفلوس والبيت وكل حاجة؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لو كان ابني عايش كنت هسيب لك كل حاجة وأمشي.
ساد الصمت مجددًا.
حتى تالا اختنقت كلماتها فجأة.
اقترب مني يزن بخطوات بطيئة.
كان يبدو محطمًا بالكامل.
وقال بصوت خافت
ليان أنا مستعد أصلّح كل حاجة.
ابتسمتُ بمرارة.
ثم سألته
هترجع ابني؟
سقطت دموعه فورًا.
لكني أكملت قبل أن يتكلم
ولا هترجع السنتين اللي كنت بصحى فيهم كل ليلة ألوم نفسي؟ ولا هتمسح صورة تالا وهي بتبكي جنبي بالمستشفى وكأنها أحنّ الناس عليا؟
أخفض رأسه.
ولأول مرة
لم يجد كذبة يقولها.
اقتربت الجدة مني وأمسكت يدي.
كانت يدها باردة وضعيفة.
وقالت
أم يزن كتبت رسالة كمان وقالت ما تتفتحش إلا لو الحقيقة ظهرت.
ثم أخرجت ظرفًا أبيض صغيرًا من حقيبتها.
كان مختومًا بالشمع الأحمر.
ترددتُ للحظة
ثم فتحته.
وفي الداخل
رسالة قصيرة بخط امرأة تحتضر.
ليان إذا وصلتكِ هذه الرسالة، فهذا يعني أن ابني خذلكِ كما خذل نفسه. سامحيني لأنني عرفت متأخرًا. حاولت إصلاح ما أستطيع قبل موتي. لا تسمحي لهم أن يقنعوكِ بأن قلبك الطيب ضعف. الطيبة ليست غباء لكن الغدر دائمًا يكشف نفسه متأخرًا.
توقفت الكلمات أمام عيني.
وشعرت لأول مرة تلك الليلة أنني سأبكي
لكنني لم أفعل.
طيّت الرسالة بهدوء.
ثم رفعت رأسي نحو الجميع.
قلت بصوت ثابت
من بكرة محاميّي هيتواصل معكم.
شهقت عمتي
ليان لا تكبّري الموضوع!
فنظرت إليها مباشرة لأول مرة منذ دخولي القاعة
كبر من يوم ما دفنتوا ابني بالكذب.
ثم حملت الملف تحت ذراعي.
واستدرت نحو الباب.
لكن قبل أن أخرج
سمعت صوت يزن الأخير خلفي.
صوت رجل أدرك متأخرًا أنه خسر كل شيء.
قال
أنا كنت بحبك.
توقفت يدي على مقبض الباب.
ثانية واحدة فقط.
ثم قلت دون أن ألتفت
الحب الحقيقي ما يخلّيش امرأة تعتذر لطفلها الميت بدل القاتل الحقيقي.
وخرجت.
خارج القاعة
كان هواء عمّان باردًا جدًا.
لكن لأول مرة منذ سنتين
استطعت أن أتنفس مرّت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر كاملة منذ تلك الليلة التي خرجتُ فيها من القاعة وأنا أحمل ملفًا وحياةً مكسورة.
في البداية، ظن الجميع أنني سأضعف.
أنني سأعود ليزن بعد أيام كما تفعل الزوجات العاقلات.
لكنني لم أعد.
رفعت قضية طلاق.
وفتحت بلاغًا رسميًا ضد تالا بعد اعترافها أمام عشرات الشهود.
أما العائلة
فتفككت كبيت قديم سُحب منه العمود الأخير.
عمتي أمينة لم تعد تزور أحدًا.
والناس بدأوا يتهامسون باسم تالا في كل مناسبة.
حتى رامي السالم والد آدم الحقيقي ظهر فجأة بعد انتشار القصة بين الأقارب، وحاول إنكار الطفل أولًا
ثم أكدت المحكمة النسب.
واختفى بعدها من جديد كالجبناء.
أما يزن
فخسر أكثر مما تخيل.
بعض العملاء انسحبوا من شركته بعد الفضائح العائلية.
والشركة نفسها أصبحت قانونيًا باسمي.
كان يرسل رسائل طويلة كل أسبوع.
رسائل اعتذار.
ندم.
ذكريات.
وأحيانًا صورًا قديمة لنا.
لكني لم أرد ولو مرة واحدة.
إلى أن جاء صباح خريفي هادئ
كنت أجلس في شرفة البيت الجديد أحتسي القهوة حين رنّ هاتفي.
رقم غريب.
ترددتُ قليلًا ثم أجبت.
جاءني صوت طفولي صغير
ألو؟
تجمّد قلبي.
ثم سمعت همسة خائفة
أنتِ ليان؟
اعتدلتُ في جلستي فورًا
نعم مين معي؟
صمت
أنا آدم.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
كان صوته صغيرًا جدًا أهدأ مما تخيلت.
ثم قال بتلعثم طفولي
بابا يزن بالمستشفى.
قبضتُ يدي حول الهاتف دون وعي.
وسألته بسرعة
إيه اللي حصل؟
لكن الصوت الذي رد هذه المرة
لم يكن صوت آدم.
بل صوت الجدة.
قالت بتعب شديد
جلطة قلبية. من يومين.
أغمضتُ عيني للحظة.
لم أشعر بالشماتة.
ولا بالحزن.
فقط فراغ ثقيل.
ثم أكملت الجدة
هو رافض العملية ورافض يشوف أي حد.
إلا إنتِ.
ظللت صامتة.
فقالت بهدوء
أنا عارفة إنكِ مش مدينة له بحاجة. بس الراجل بينهار يا بنتي.
نظرتُ إلى كوب القهوة أمامي.
كان البخار يتصاعد منه ببطء
تمامًا كالسنتين اللتين ضاعتا من عمري.
ثم سألت
وتالا؟
ردت الجدة بمرارة
سابت البيت بعد القضية. وسابت آدم عندنا من أسبوعين.
أغلقتُ عيني بقوة.
ذلك الطفل
الوحيد البريء وسط كل هذا الخراب.
وبعد ساعة
كنت أقف أمام باب غرفة العناية الخاصة في المستشفى.
رائحة المعقمات أعادت إليّ ذكريات الإجهاض فورًا.
كدت أستدير وأرحل.
لكن صوت آدم أوقفني.
كان جالسًا على كرسي صغير في الممر، يحتضن لعبة قماشية مهترئة.
وحين رآني
وقف فورًا.
ثم قال بخجل
أنتِ أجمل من الصورة.
تجمدتُ.
أي صورة؟
اقترب الطفل ومدّ إليّ ورقة مطوية.
فتحتها ببطء
وكانت صورة قديمة لي.
أنا ويزن.
في أول سنة زواج.
وعلى ظهر الصورة، بخط يزن
هذه ليان المرأة الوحيدة التي أحببتها بصدق وخسرتها بيدي.
ارتجفت أنفاسي.
ثم فتح باب الغرفة ببطء.
وخرج الطبيب قائلًا
هو فاق الآن لكن عنده طلب واحد فقط.
نظرت إليه بصمت.
فقال الطبيب
عايز يشوفك لوحدك.
نظرت إلى آدم
ثم إلى باب الغرفة الأبيض.
ولأول مرة منذ تركته
شعرت بالخوف من مواجهته أكثر من كرهه ببطء.
كان الضوء خافتًا.
وصوت أجهزة المراقبة يملأ الصمت بنبضات باردة منتظمة.
رأيت يزن ممددًا على السرير
أضعف بكثير مما تركته.
وجهه شاحب.
وعيناه غائرتان كأن النوم هجره منذ شهور.
لكنه حين رآني
ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
كنت عارف إنك هتيجي.
أغلقت الباب خلفي دون رد.
ثم وقفت بعيدًا.
لا قريبة بما يكفي للحنان
ولا بعيدة بما يكفي للكراهية.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
أنا بموت يا ليان.
أجبته بهدوء
كلنا بنموت يا يزن. في ناس مرة واحدة وفي ناس بالبطّيء.
أغمض عينيه كأنه فهم المقصود.
ثم أشار إلى الدرج الصغير بجانب السرير
في حاجة ليكي.
فتحت الدرج بحذر.
كان داخله ملف أخضر رقيق
ومفتاح سيارة.
وعقد تأسيس مؤسسة خيرية باسم
مؤسسة آدم وليان لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية والأمهات الثكالى.
رفعت عيني إليه بذهول.
فقال بصوت متقطع
بعد ما سبتيني فهمت إن الفلوس والبيوت وكل اللي جريت وراه ما كانش يساوي حاجة.
ثم ابتسم بحزن وأضاف
بس آدم كان كل ليلة يسألني ليه ليان مش بتيجي؟
شعرتُ بغصة تخنقني.
فأكمل
الولد اتعلق بيكي من أول مرة شافك فيها. يمكن لأنه حس إن قلبك أنضف قلب حواليه.
اقتربتُ خطوة دون وعي.
فسعل بقوة، ثم همس
أنا عارف إنك مش هتسامحيني.
ولأول مرة
لم أنكر.
لكنني قلت
السامح ربنا. أنا مجرد إنسانة موجوعة.
هزّ رأسه ببطء.
ثم مد يده المرتجفة أسفل الوسادة
وأخرج علبة صغيرة مخملية.
تجمدتُ فورًا.
فتحها بصعوبة.
وفي الداخل
كان خاتم زواجي.
الخاتم نفسه الذي تركته فوق الملف ليلة الفضيحة.
قال وهو يحاول الابتسام
فضلت محتفظ بيه يمكن في يوم
لكن صوته انكسر فجأة مع ألم حاد ضرب صدره.
اهتزت الأجهزة بعنف.
ودخل الأطباء راكضين.
ابتعدتُ للخلف بينما بدأوا يصرخون بالأوامر.
لكن وسط الفوضى
فتح يزن عينيه بصعوبة للمرة الأخيرة.
ونظر نحوي مباشرة.
ثم قال همسة أخيرة بالكاد سمعتها
خلي بالك من آدم
وانقطع صوت الجهاز.
خط مستقيم طويل.
صامت.
نهائي.
بعد الجنازة بأيام
وقفتُ في حديقة المؤسسة الجديدة.
الأطفال يركضون حولي ويضحكون.
وكان آدم يمسك يدي بقوة وكأنه يخشى أن أختفي.
رفع رأسه الصغير نحوي وسأل
أنتِ
نظرت إليه طويلًا.
ثم ركعت أمامه وربطت وشاحه الصغير حول رقبته.
وقلت بهدوء
لا يا آدم.
أنا مش همشي.
ارتمى الطفل في حضني فورًا.
وفي تلك اللحظة
فهمت شيئًا متأخرًا.
بعض الناس يدخلون حياتنا ليكسروها.
وبعض الأطفال يدخلونها لينقذوا ما تبقى منها.