قال زوجي أنه ذاهب لحفل

لمحة نيوز

فقط.
نظرت إليه بصمت.
فقال الطبيب
عايز يشوفك لوحدك.
نظرت إلى آدم
ثم إلى باب الغرفة الأبيض.
ولأول مرة منذ تركته
شعرت بالخوف من مواجهته أكثر من كرهه ببطء.
كان الضوء خافتًا.
وصوت أجهزة المراقبة يملأ الصمت بنبضات باردة منتظمة.
رأيت يزن ممددًا على السرير
أضعف بكثير مما تركته.
وجهه شاحب.
وعيناه غائرتان كأن النوم هجره منذ شهور.
لكنه حين رآني
ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
كنت عارف إنك هتيجي.
أغلقت الباب خلفي دون رد.
ثم وقفت بعيدًا.
لا قريبة بما يكفي للحنان
ولا بعيدة بما يكفي للكراهية.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
أنا بموت يا ليان.
أجبته بهدوء
كلنا بنموت يا يزن. في ناس مرة واحدة وفي ناس بالبطّيء.
أغمض عينيه كأنه فهم المقصود.
ثم أشار إلى الدرج الصغير بجانب السرير
في حاجة ليكي.
فتحت الدرج بحذر.
كان داخله ملف أخضر رقيق
ومفتاح سيارة.
وعقد تأسيس مؤسسة خيرية باسم
مؤسسة آدم وليان لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية والأمهات الثكالى.
رفعت عيني إليه بذهول.
فقال بصوت متقطع
بعد ما سبتيني فهمت إن الفلوس والبيوت وكل اللي جريت وراه ما كانش يساوي حاجة.
ثم ابتسم بحزن وأضاف
بس آدم كان كل ليلة يسألني ليه ليان مش بتيجي؟
شعرتُ بغصة تخنقني.
فأكمل
الولد اتعلق بيكي من أول مرة شافك فيها. يمكن لأنه حس إن قلبك أنضف قلب حواليه.
اقتربتُ خطوة دون وعي.
فسعل بقوة، ثم همس
أنا عارف إنك مش هتسامحيني.
ولأول مرة
لم أنكر.
لكنني قلت
السامح ربنا. أنا مجرد إنسانة موجوعة.
هزّ رأسه ببطء.
ثم مد يده المرتجفة أسفل الوسادة
وأخرج علبة صغيرة مخملية.
تجمدتُ فورًا.
فتحها بصعوبة.
وفي الداخل
كان خاتم زواجي.
الخاتم نفسه الذي تركته فوق الملف ليلة الفضيحة.
قال وهو يحاول الابتسام
فضلت محتفظ بيه يمكن في يوم
لكن صوته انكسر فجأة مع ألم حاد ضرب صدره.
اهتزت الأجهزة بعنف.
ودخل الأطباء راكضين.
ابتعدتُ للخلف بينما بدأوا يصرخون بالأوامر.
لكن وسط الفوضى
فتح يزن عينيه بصعوبة للمرة
الأخيرة.
ونظر نحوي مباشرة.
ثم قال همسة أخيرة بالكاد سمعتها
خلي بالك من آدم
وانقطع صوت الجهاز.
خط مستقيم طويل.
صامت.
نهائي.
بعد الجنازة بأيام
وقفتُ في حديقة المؤسسة الجديدة.
الأطفال يركضون حولي ويضحكون.
وكان آدم يمسك يدي بقوة وكأنه يخشى أن أختفي.
رفع رأسه الصغير نحوي وسأل
أنتِ هتسبيني زي ماما؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم ركعت أمامه وربطت وشاحه الصغير حول رقبته.
وقلت بهدوء
لا يا آدم.
أنا مش همشي.
ارتمى الطفل في حضني فورًا.
وفي تلك اللحظة
فهمت شيئًا متأخرًا.
بعض الناس يدخلون حياتنا ليكسروها.
وبعض الأطفال يدخلونها لينقذوا ما تبقى منها وانزلقت الورقة الثانية على الأرض أمام الجميع.
التقطتها امرأة من الصف الأول قبل أن أمد يدي، ثم شهقت بصوت مرتفع وهي تقرأ أول سطر.
كانت شهادة فحص DNA.
اسم الطفل آدم يزن الخطيب.
واسم الأب البيولوجي
ليس يزن.
بل رجل آخر يُدعى رامي السالم.
ساد صمت مرعب داخل القاعة.
حتى أن صوت المكيّف صار واضحًا.
التفتُ ببطء نحو تالا.
كانت ترتجف بالكامل وهي تضم الطفل إلى صدرها، بينما يزن أغلق عينيه للحظة كأنه يتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه.
قلت بصوت مخنوق
يعني لا الطفل ابنك ولا أنا كنت السبب؟
رفع يزن رأسه أخيرًا.
ولأول مرة منذ عرفته
بدا ضعيفًا فعلًا.
قال بصوت متكسر
كنت خائفًا يا ليان
ضحكتُ بمرارة.
خائف؟
خائف لدرجة تخلي العيلة كلها تمثل عليّ سنتين كاملتين؟
اقتربت عمتي أمينة وهي تبكي
اسمعينا بس الموضوع أكبر مما تتخيلي.
لكنني رفعت يدي دون أن أنظر لها.
ثم قلبت بقية الأوراق بسرعة.
تحاليل.
تقارير.
أجاب بعد صمت طويل
من أربع سنين.
أربع سنين.
ثم خرج صوتي حادًا كالسكين
فتزوجتني أنا لماذا؟!
ارتجفت شفتاه.
ثم قال الجملة التي قتلت آخر شيء حي بداخلي
لأنكِ كنتِ الاستقرار أما هي فكانت المشكلة التي لا أستطيع الهروب منها.
شعرتُ كأن أحدهم صفعني أمام القاعة كلها.
الاستقرار.
ليس الحب.
ليس الشراكة.
مجرد امرأة مناسبة لحياة مرتبة.
وفجأة
تحركت
امرأة عجوز من آخر الصفوف.
كانت جدة يزن.
تسند نفسها على عصا خشبية.
ثم قالت بصوت مرتفع هزّ القاعة
كفاكم كذبًا!
التفت الجميع نحوها.
وأشارت بعصاها مباشرة إلى يزن
قل الحقيقة كاملة يا ولد وقل لهم لماذا مات طفل ليان فعلًا.
تجمّد الدم في عروقي.
نظرت إلى يزن بصدمة.
أما هو
فصار وجهه أبيض بالكامل.
همستُ بخوف
ماذا تقصد؟!
اقتربت الجدة خطوة أخرى.
وقالت وهي تبكي
ليان ما فقدتش طفلها بسبب ضعف الحمل تالا هي اللي بدّلت دواءها يومها.
انفجرت القاعة بالصراخ.
سقطت تالا على ركبتيها فورًا وهي تصرخ
ماكنتش أقصد يموت! والله ما كنت أقصد!
لم أعد أسمع شيئًا بعدها.
كل الأصوات صارت بعيدة.
بعيدة جدًا.
كنت فقط أحدق في المرأة التي احتضنتني يوم فقدت طفلي بينما كانت تعرف أنها السبب تراجعتُ خطوة.
ثم أخرى.
كنت أنظر إلى تالا لكنني لم أعد أراها فعلًا.
كل ما رأيته كان غرفة المستشفى قبل عامين.
رائحة المعقمات.
الضوء الأبيض البارد.
يد يزن المرتجفة وهو يوقّع أوراق الخروج.
وصوت الطبيبة وهي تقول لي بحزن
أحيانًا يحدث هذا لا يوجد سبب واضح.
لكن كان هناك سبب.
وكان يقف أمامي الآن يبكي.
انهارت تالا على الأرض وهي تمسك طرف فستاني
ليان اسمعيني كنت خايفة بس كنت عايزة يزن يفضل معايا
نزعتُ يدي منها بعنف لأول مرة في حياتي.
صرختُ فيها
فقتلتِ ابني؟!
هزّت رأسها بجنون
لا! والله لا! أنا فقط بدّلت الحبوب لأن الدكتورة قالت إن جرعتك قوية ماكنتش أعرف إنها هتأذي الحمل!
لكن الجدة ضربت عصاها بالأرض بقوة
كذابة!
ثم التفتت نحوي والدموع تغرق وجهها المجعد
سمعتها بنفسها وهي تقول لأمها لو ليان خلفت يزن عمره ما هيرجعلي.
شهقت عمتي أمينة وغطّت فمها.
أما يزن
فبقي صامتًا.
وهذا كان أسوأ شيء.
اقتربتُ منه ببطء.
قلتُ بصوت منخفض مرعب
كنت تعرف؟
لم يجب.
فهمت الإجابة فورًا.
لكنني أردتها أن تخرج من فمه.
صرخت
كنت تعرف؟!
أغمض عينيه وقال أخيرًا
عرفت بعد الإجهاض بأسبوع.
شعرتُ أن القاعة تميد تحت قدمي.
قلتُ بذهول
وعشت
معي سنتين بعد هذا؟ نمت بجانبي؟ وتركتني أبكي كل ليلة وأنا ألوم نفسي؟!
بكى يزن أخيرًا.
أول دموع أراها منه منذ زواجنا.
قال بصوت مكسور
كنت ناوي أقولك بس أمي ماتت وتالا كانت حامل وكل حاجة خرجت عن السيطرة.
ضحكتُ ضحكة غريبة، فارغة تمامًا.
ثم نظرت حولي.
كل هؤلاء الناس
كانوا يعرفون أجزاء من الحقيقة.
عمتي تعرف.
الجدة تعرف.
يزن يعرف.
وتالا
كانت تمثل دور الضحية ببراعة.
أما أنا؟
كنت الوحيدة التي دفنت طفلها وهي تعتذر له كل ليلة.
وفجأة
تحرك الطفل آدم بين ذراعي تالا وبدأ بالبكاء.
بكاءً عاليًا حادًا.
التفتُّ نحوه تلقائيًا.
وكانت تلك أول مرة أنظر إليه حقًا.
طفل صغير بريء
لا ذنب له في كل هذا الخراب.
اقتربتُ منه ببطء.
فتراجعت تالا بخوف وهي تضمه لصدرها.
لكنني لم ألمسها.
فقط نظرت إلى الطفل طويلًا.
ثم قلت بهدوء مخيف
كبروا آدم بعيدًا عنكم.
نظر الجميع نحوي بصدمة.
فأكملت
لأن الطفل الذي ينشأ وسط الكذب يتعلم كيف يكسر الناس دون أن يرتجف.
ثم خلعت خاتم زواجي.
ذلك الخاتم الذي بقي في إصبعي حتى وأنا أدفن أحلامي واحدة واحدة.
ووضعته فوق ملف الأوراق أمام يزن.
قلت
كنت أظن أن أسوأ شيء يمكن أن يفعله الرجل هو الخيانة.
لكن الأسوأ فعلًا أن يشاهدك تنهارين بسبب جريمة يعرف حقيقتها ثم يحتضنك كأنه بريء.
اقترب يزن نحوي بسرعة
ليان أرجوكِ لا تخرجي بهذه الطريقة.
نظرت إليه للمرة الأخيرة.
وكان غريبًا تمامًا عني.
قلت بهدوء
لا تخف. أنا لا أريد فضيحتكم.
ثم التفتُّ نحو الباب.
لكن قبل أن أغادر
خرج صوت الجدة المرتجف من الخلف
استني يا بنتي
التفتُّ ببطء.
فأخرجت الجدة مفتاحًا صغيرًا من جيب عباءتها.
وقالت وهي تبكي
أم يزن قبل ما تموت كتبت كل أملاكها باسمك إنتِ.
تجمّد الجميع.
حتى يزن رفع رأسه بصدمة
إيه؟!
أكملت الجدة
كانت تعرف إن ابنها ضعيف وإنك الوحيدة اللي حبيته بصدق.
ثم أشارت إلى الملف
باقي الأوراق كلها عقود نقل الملكية. البيت الشركة والأرض.
كلها باسم ليان العجارمة.
شهقت تالا
وكأن أحدهم سحب الهواء من صدرها.
أما أنا
فوقفت بصمت.
لأول مرة منذ بداية الليلة
لم أشعر بالانكسار.
بل شعرت بشيء أبرد.
شيء يشبه العدالة ساد الصمت داخل القاعة كأن الجميع توقف عن التنفس.
يزن انتزع الملف من فوق الطاولة بعنف، وبدأ يقلب الأوراق بجنون.
ورقة.
ثم
تم نسخ الرابط