قال زوجي أنه ذاهب لحفل
المحتويات
إنها هتأذي الحمل!
لكن الجدة ضربت عصاها بالأرض بقوة
كذابة!
ثم التفتت نحوي والدموع تغرق وجهها المجعد
سمعتها بنفسها وهي تقول لأمها لو ليان خلفت يزن عمره ما هيرجعلي.
شهقت عمتي أمينة وغطّت فمها.
أما يزن
فبقي صامتًا.
وهذا كان أسوأ شيء.
اقتربتُ منه ببطء.
قلتُ بصوت منخفض مرعب
كنت تعرف؟
لم يجب.
فهمت الإجابة فورًا.
لكنني أردتها أن تخرج من فمه.
صرخت
كنت تعرف؟!
أغمض عينيه وقال أخيرًا
عرفت بعد الإجهاض بأسبوع.
شعرتُ أن القاعة تميد تحت قدمي.
قلتُ بذهول
وعشت معي سنتين بعد هذا؟ نمت بجانبي؟ وتركتني أبكي كل ليلة وأنا ألوم نفسي؟!
بكى يزن أخيرًا.
أول دموع أراها منه منذ زواجنا.
قال بصوت مكسور
كنت ناوي أقولك بس أمي ماتت وتالا كانت حامل وكل حاجة خرجت عن السيطرة.
ضحكتُ ضحكة غريبة، فارغة تمامًا.
ثم نظرت حولي.
كل هؤلاء الناس
كانوا يعرفون أجزاء من الحقيقة.
عمتي تعرف.
الجدة تعرف.
يزن يعرف.
وتالا
كانت تمثل دور الضحية ببراعة.
أما أنا؟
كنت الوحيدة التي دفنت طفلها وهي تعتذر له كل ليلة.
وفجأة
تحرك الطفل آدم بين ذراعي تالا وبدأ بالبكاء.
بكاءً عاليًا حادًا.
التفتُّ نحوه تلقائيًا.
وكانت تلك أول مرة أنظر إليه حقًا.
طفل صغير بريء
لا ذنب له في كل هذا الخراب.
اقتربتُ منه ببطء.
فتراجعت تالا بخوف وهي تضمه لصدرها.
لكنني لم ألمسها.
فقط نظرت إلى الطفل طويلًا.
ثم قلت بهدوء مخيف
كبروا آدم بعيدًا عنكم.
نظر الجميع نحوي بصدمة.
فأكملت
لأن الطفل الذي ينشأ وسط الكذب يتعلم كيف يكسر الناس دون أن يرتجف.
ثم خلعت خاتم زواجي.
ذلك الخاتم الذي بقي في إصبعي حتى وأنا أدفن أحلامي واحدة واحدة.
ووضعته فوق ملف الأوراق أمام يزن.
قلت
كنت أظن أن أسوأ شيء يمكن أن يفعله الرجل هو الخيانة.
لكن الأسوأ فعلًا أن يشاهدك تنهارين بسبب جريمة يعرف حقيقتها ثم يحتضنك كأنه بريء.
اقترب يزن نحوي بسرعة
ليان أرجوكِ لا تخرجي بهذه الطريقة.
نظرت إليه للمرة الأخيرة.
وكان غريبًا تمامًا عني.
قلت بهدوء
لا
ثم التفتُّ نحو الباب.
لكن قبل أن أغادر
خرج صوت الجدة المرتجف من الخلف
استني يا بنتي
التفتُّ ببطء.
فأخرجت الجدة مفتاحًا صغيرًا من جيب عباءتها.
وقالت وهي تبكي
أم يزن قبل ما تموت كتبت كل أملاكها باسمك إنتِ.
تجمّد الجميع.
حتى يزن رفع رأسه بصدمة
إيه؟!
أكملت الجدة
كانت تعرف إن ابنها ضعيف وإنك الوحيدة اللي حبيته بصدق.
ثم أشارت إلى الملف
باقي الأوراق كلها عقود نقل الملكية. البيت الشركة والأرض.
كلها باسم ليان العجارمة.
شهقت تالا وكأن أحدهم سحب الهواء من صدرها.
أما أنا
فوقفت بصمت.
لأول مرة منذ بداية الليلة
لم أشعر بالانكسار.
بل شعرت بشيء أبرد.
شيء يشبه العدالة ساد الصمت داخل القاعة كأن الجميع توقف عن التنفس.
يزن انتزع الملف من فوق الطاولة بعنف، وبدأ يقلب الأوراق بجنون.
ورقة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وكلها تحمل التوقيع نفسه.
توقيع والدته.
وتحته اسمي.
ليان العجارمة.
رفع رأسه نحو الجدة بعينين مذعورتين
أنتِ أكيد فاهمة غلط!
لكن الجدة ردت بقسوة
أمك ما كانتش غبية يا يزن. كانت شايفة كل حاجة.
ثم نظرت نحوي بحزن
كانت تعرف إنك عمرك ما حبيت تالا بس كنت مربوط بيها بالخطيئة والخوف.
أما ليان فكانت الزوجة الوحيدة اللي دخلت البيت بنية نظيفة.
انفجرت تالا
يعني إيه كل حاجة باسمها؟! وأنا وابني نروح فين؟!
صرخت الجدة فيها لأول مرة
ابنك مش ابن يزن أصلًا!
ارتجفت القاعة من جديد.
لكن تالا لم تبكِ هذه المرة.
بل نظرت إليّ بنظرة غريبة مليئة بالحقد.
وقالت ببطء
أنتِ فرحانة دلوقتي؟ خدتي الفلوس والبيت وكل حاجة؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لو كان ابني عايش كنت هسيب لك كل حاجة وأمشي.
ساد الصمت مجددًا.
حتى تالا اختنقت كلماتها فجأة.
اقترب مني يزن بخطوات بطيئة.
كان يبدو محطمًا بالكامل.
وقال بصوت خافت
ليان أنا مستعد أصلّح كل حاجة.
ابتسمتُ بمرارة.
ثم سألته
هترجع ابني؟
سقطت دموعه فورًا.
لكني أكملت قبل أن يتكلم
ولا هترجع السنتين اللي كنت بصحى فيهم
أخفض رأسه.
ولأول مرة
لم يجد كذبة يقولها.
اقتربت الجدة مني وأمسكت يدي.
كانت يدها باردة وضعيفة.
وقالت
أم يزن كتبت رسالة كمان وقالت ما تتفتحش إلا لو الحقيقة ظهرت.
ثم أخرجت ظرفًا أبيض صغيرًا من حقيبتها.
كان مختومًا بالشمع الأحمر.
ترددتُ للحظة
ثم فتحته.
وفي الداخل
رسالة قصيرة بخط امرأة تحتضر.
ليان إذا وصلتكِ هذه الرسالة، فهذا يعني أن ابني خذلكِ كما خذل نفسه. سامحيني لأنني عرفت متأخرًا. حاولت إصلاح ما أستطيع قبل موتي. لا تسمحي لهم أن يقنعوكِ بأن قلبك الطيب ضعف. الطيبة ليست غباء لكن الغدر دائمًا يكشف نفسه متأخرًا.
توقفت الكلمات أمام عيني.
وشعرت لأول مرة تلك الليلة أنني سأبكي فعلًا.
لكنني لم أفعل.
طيّت الرسالة بهدوء.
ثم رفعت رأسي نحو الجميع.
قلت بصوت ثابت
من بكرة محاميّي هيتواصل معكم.
شهقت عمتي
ليان لا تكبّري الموضوع!
فنظرت إليها مباشرة لأول مرة منذ دخولي القاعة
كبر من يوم ما دفنتوا ابني بالكذب.
ثم حملت الملف تحت ذراعي.
واستدرت نحو الباب.
لكن قبل أن أخرج
سمعت صوت يزن الأخير خلفي.
صوت رجل أدرك متأخرًا أنه خسر كل شيء.
قال
أنا كنت بحبك.
توقفت يدي على مقبض الباب.
ثانية واحدة فقط.
ثم قلت دون أن ألتفت
الحب الحقيقي ما يخلّيش امرأة تعتذر لطفلها الميت بدل القاتل الحقيقي.
وخرجت.
خارج القاعة
كان هواء عمّان باردًا جدًا.
لكن لأول مرة منذ سنتين
استطعت أن أتنفس مرّت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر كاملة منذ تلك الليلة التي خرجتُ فيها من القاعة وأنا أحمل ملفًا وحياةً مكسورة.
في البداية، ظن الجميع أنني سأضعف.
أنني سأعود ليزن بعد أيام كما تفعل الزوجات العاقلات.
لكنني لم أعد.
رفعت قضية طلاق.
وفتحت بلاغًا رسميًا ضد تالا بعد اعترافها أمام عشرات الشهود.
أما العائلة
فتفككت كبيت قديم سُحب منه العمود الأخير.
عمتي أمينة لم تعد تزور أحدًا.
والناس بدأوا يتهامسون باسم
حتى رامي السالم والد آدم الحقيقي ظهر فجأة بعد انتشار القصة بين الأقارب، وحاول إنكار الطفل أولًا
ثم أكدت المحكمة النسب.
واختفى بعدها من جديد كالجبناء.
أما يزن
فخسر أكثر مما تخيل.
بعض العملاء انسحبوا من شركته بعد الفضائح العائلية.
والشركة نفسها أصبحت قانونيًا باسمي.
كان يرسل رسائل طويلة كل أسبوع.
رسائل اعتذار.
ندم.
ذكريات.
وأحيانًا صورًا قديمة لنا.
لكني لم أرد ولو مرة واحدة.
إلى أن جاء صباح خريفي هادئ
كنت أجلس في شرفة البيت الجديد أحتسي القهوة حين رنّ هاتفي.
رقم غريب.
ترددتُ قليلًا ثم أجبت.
جاءني صوت طفولي صغير
ألو؟
تجمّد قلبي.
ثم سمعت همسة خائفة
أنتِ ليان؟
اعتدلتُ في جلستي فورًا
نعم مين معي؟
صمت الطفل قليلًا قبل أن يقول
أنا آدم.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
كان صوته صغيرًا جدًا أهدأ مما تخيلت.
ثم قال بتلعثم طفولي
بابا يزن بالمستشفى.
قبضتُ يدي حول الهاتف دون وعي.
وسألته بسرعة
إيه اللي حصل؟
لكن الصوت الذي رد هذه المرة
لم يكن صوت آدم.
بل صوت الجدة.
قالت بتعب شديد
جلطة قلبية. من يومين.
أغمضتُ عيني للحظة.
لم أشعر بالشماتة.
ولا بالحزن.
فقط فراغ ثقيل.
ثم أكملت الجدة
هو رافض العملية ورافض يشوف أي حد.
إلا إنتِ.
ظللت صامتة.
فقالت بهدوء
أنا عارفة إنكِ مش مدينة له بحاجة. بس الراجل بينهار يا بنتي.
نظرتُ إلى كوب القهوة أمامي.
كان البخار يتصاعد منه ببطء
تمامًا كالسنتين اللتين ضاعتا من عمري.
ثم سألت
وتالا؟
ردت الجدة بمرارة
سابت البيت بعد القضية. وسابت آدم عندنا من أسبوعين.
أغلقتُ عيني بقوة.
ذلك الطفل
الوحيد البريء وسط كل هذا الخراب.
وبعد ساعة
كنت أقف أمام باب غرفة العناية الخاصة في المستشفى.
رائحة المعقمات أعادت إليّ ذكريات الإجهاض فورًا.
كدت أستدير وأرحل.
لكن صوت آدم أوقفني.
كان جالسًا على كرسي صغير في الممر، يحتضن لعبة قماشية مهترئة.
وحين رآني
وقف فورًا.
ثم قال بخجل
أنتِ أجمل من الصورة.
تجمدتُ.
أي صورة؟
اقترب
فتحتها ببطء
وكانت صورة قديمة لي.
أنا ويزن.
في أول سنة زواج.
وعلى ظهر الصورة، بخط يزن
هذه ليان المرأة الوحيدة التي أحببتها بصدق وخسرتها بيدي.
ارتجفت أنفاسي.
ثم فتح باب الغرفة ببطء.
وخرج الطبيب قائلًا
هو فاق الآن لكن عنده طلب واحد
متابعة القراءة