وقفت شابه عربيه مكبلةاليدين امام منصة القضاء
نفسًا عميقًا ثم قرأ من الهاتف قولوا لياسمين إنها ترجمت الملف الخطأ.
ساد صمت ثقيل داخل الشقة الصغيرة.
حتى صوت السيارات بالخارج بدا بعيدًا جدًا.
سألت ياسمين بصوت مرتجف لأول مرة هل أنا في خطر؟.
لم يجب القاضي مباشرة، وهذا وحده كان كافيًا ليعطيها الإجابة.
جلس أمامها وقال منذ لحظة ظهورك بالمحكمة، بدأنا نراجع كل العقود التي ترجمتِها للشركة واكتشفنا أن بعضها لم يكن تجاريًا فقط.
ناولها ملفًا آخر.
فتحته بسرعة، ثم شعرت أن أنفاسها توقفت.
كانت هناك تقارير طبية مترجمة بأسماء أطفال.
وأرقام شحنات.
وتواريخ سفر.
قالت بصدمة هذه ليست عقود استثمار هذه بيانات مرضى!.
أومأ القاضي ببطء شبكة دولية كانت تبيع معلومات طبية سرية لشركات بالخارج وبعض الملفات كانت تُستخدم لابتزاز عائلات ثرية.
رفعت ياسمين رأسها فجأة لكنني لم أترجم أي شيء غير قانوني!.
قال نعرف ذلك لأنك كنتِ تترجمين النصوص الأصلية بأمانة، بينما هم يغيّرون النسخ بعد خروجها منك.
شعرت بالغثيان.
كل تلك الليالي التي كانت تسهر فيها أمام الشاشة، ظنًا منها أنها تبني مستقبلها بالحلال كانت جزءًا من شبكة قذرة دون أن تدري.
وفجأة رن هاتف القاضي.
نظر للشاشة فتغير وجهه فورًا.
وقف بسرعة وقال علينا أن نغادر الآن.
ارتبكت ياسمين ماذا حدث؟.
أجاب وهو يتجه نحو الباب الرجل الذي اختفى وُجد
تجمدت في مكانها.
ثم تابع وقبل موته بدقائق، أرسل موقعًا واحدًا فقط.
سألته بخوف أي موقع؟.
نظر إليها مباشرة وقال مدرستك القديمة.
شعرت ياسمين أن الأرض تميد تحتها.
المدرسة الدولية التي كانت أمها تعمل فيها المكان الذي تعلمت فيه اللغات خلسة وهي طفلة.
همست مستحيل ما علاقتها بكل هذا؟.
لكن القاضي لم يجب.
لأنه في اللحظة نفسها
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف ياسمين من رقم مجهول.
فتحتها بيد مرتعشة.
وكان فيها صورة قديمة جدًا.
صورة لها وهي طفلة صغيرة تجلس آخر الفصل الدراسي ليلًا، تراقب المعلمة بصمت.
وفي أسفل الصورة جملة واحدة فقط
نحن نعرف من كنتِ قبل أن تعرفي أنتِ نفسك تسمرت ياسمين أمام الصورة القديمة، وشعرت كأن سنوات عمرها كلها تنهار دفعة واحدة.
همست من الذي التقط هذه الصورة أصلًا؟.
لكن القاضي سالم كان ينظر للهاتف بقلق أكبر من دهشتها.
قال بسرعة يجب أن نذهب إلى المدرسة حالًا.
انطلقا في السيارة وسط صمت ثقيل، حتى وصلا إلى المدرسة الدولية القديمة عند منتصف الليل تقريبًا.
كانت البوابة مغلقة لكن الضوء كان مشتعلًا في أحد المباني الخلفية.
تقدمت ياسمين بخطوات بطيئة، وقلبها يخفق بعنف، بينما تبعها القاضي والحراس.
وما إن دخلوا المبنى القديم
حتى تجمدت ياسمين مكانها.
في آخر الممر، كانت توجد غرفة صغيرة تعرفها جيدًا.
غرفة التخزين التي كانت أمها تنظفها كل ليلة.
اقتربت منها ببطء، ثم دفعت الباب المرتجف
لتجد صندوقًا معدنيًا قديمًا باسم والدتها.
فتحت الصندوق بسرعة.
وفي الداخل
جوازات سفر. أقراص تخزين. وملفات بأسماء شركات دولية.
لكن الشيء الذي جعل ياسمين تتراجع بصدمة
كان صورة رجل تعرفه جيدًا.
فهد الكتبي.
ولكن الصورة تعود لعشرين سنة كاملة.
وكان يقف بجواره شخص آخر.
شخص جعل القاضي نفسه يشحب وجهه عندما رآه.
همست ياسمين هذا مستحيل.
لأن الرجل الثاني لم يكن مجرمًا مجهولًا
بل كان والد القاضي سالم المنصوري نفسه.
ساد صمت مرعب داخل الغرفة.
ثم التفت سالم إلى ياسمين ببطء، وعيناه ممتلئتان بالصدمة أبي توفي منذ خمسة عشر عامًا ماذا يفعل اسمه هنا؟.
فتحت ياسمين ملفًا آخر بسرعة، وبدأت تقرأ الأوراق بعينين مرتجفتين.
ثم رفعت رأسها وقالت والدتك لم تمت بحادث كما أخبروك.
شعر سالم أن أنفاسه اختفت.
تابعت ياسمين كانت مترجمة أيضًا واكتشفت نفس الشبكة التي نكشفها الآن.
جلس سالم على الكرسي كأن الأرض انهارت تحته.
أما ياسمين، فكانت تقلب الملفات بسرعة حتى توقفت عند رسالة قديمة صفراء.
رسالة مكتوبة بخط يد امرأة.
قرأتها بصوت مرتعش
إذا وصل هذا الصندوق إلى ابنتي يومًا فاعلمي أن أمك لم تكن عاملة تنظيفات فقط. كنت أعمل سرًا مع جهات تحقق في شبكة دولية لسرقة البيانات
تجمدت ياسمين والدموع تمتلئ عينيها.
ثم أكملت القراءة
أخفيتكِ وسط الفقر حتى لا يلاحقوكِ. كنت أتركك تستمعين للحصص لأنني أردتكِ أن تصبحي أقوى مني وأذكى منهم.
انهارت ياسمين بالبكاء لأول مرة.
أما سالم، فكان يحدق في صورة والده بصدمة وعجز.
ثم قال بصوت مكسور إذن أبي كان جزءًا من كل هذا.
لكن ياسمين نظرت إلى آخر ورقة داخل الصندوق وقالت لا بل حاول إيقافهم.
أخذ سالم الورقة منها بسرعة.
وكانت عبارة عن تقرير قديم يثبت أن والده ساعد في تهريب ملفات الشبكة إلى جهات دولية، قبل مقتله بأيام.
وفي أسفل التقرير جملة أخيرة بخط يده
إذا كبر ابني يومًا أخبروه أن العدالة ليست في المنصب، بل في الشجاعة.
بكى سالم بصمت.
أما ياسمين، فمسحت دموعها ببطء، ثم أغلقت الصندوق وقالت أمي ماتت وهي تحاول كشف الحقيقة وأنا لن أهرب منها بعد اليوم.
وبعد أشهر طويلة
تم إسقاط شبكة دولية كاملة. وأُلقي القبض على عشرات المتورطين. وأصبحت قضية ياسمين العبدلي تُدرّس في معاهد القانون والصحافة باعتبارها القضية التي كشفت كيف يمكن للحقيقة أن تُهزم بالأختام ثم تنتصر أخيرًا.
أما ياسمين
ففي أول يوم لها داخل وزارة العدل كمترجمة رسمية، مرت بجانب قاعة المحكمة نفسها التي دخلتها يومًا مكبلة بالأصفاد.
توقفت للحظة
ثم ابتسمت بهدوء
لأن الفتاة التي سخروا منها يومًا أصبحت المرأة التي غيرت النظام كله.