وقفت شابه عربيه مكبلةاليدين امام منصة القضاء
وقفت شابة عربية مكبلة اليدين أمام منصة القضاء وقالت بهدوء إنها تتحدث عشر لغات، فانفجر القاضي ضاحكًا أمام الحاضرين وقال ساخرًا إنه هو أيضًا متعدد اللغات، لكنه عندما سمع أول جملة خرجت من فمها تجمدت ابتسامته في مكانها.
لم تشهد قاعة المحكمة في دبي ذلك الازدحام منذ سنوات طويلة، المقاعد كلها ممتلئة، والصحفيون واقفون قرب الجدران، والناس يتهامسون كأنهم حضروا لمشاهدة سقوط فتاة فقيرة لا لمحاكمة عادلة.
كانت الفتاة اسمها ياسمين العبدلي، في السادسة والعشرين من عمرها، يداها مقيدتان بالأصفاد، ووجهها هادئ بطريقة أثارت فضول الجميع، لأنها لم تكن تشبه شخصًا ينتظر حكمًا قاسيًا.
دخل القاضي سالم المنصوري إلى القاعة بملفات كثيرة تحت ذراعه، رجل صارم اعتاد أن يقرأ الوجوه بسرعة ويحكم على الناس من هيئة ملابسهم قبل أن يقرأ كل ما في الأوراق.
وقف الجميع احترامًا للمحكمة، ثم جلسوا عندما أشار لهم القاضي، وبقيت ياسمين بين اثنين من الحراسة، وإلى جانبها محامية منتدبة تبدو مرهقة من كثرة القضايا وقلة النوم.
قرأ كاتب الجلسة التهم بصوت واضح القضية رقم سبعة وأربعين، المتهمة ياسمين العبدلي، تهم احتيال إلكتروني، وانتحال صفة مترجمة معتمدة، والحصول على أموال بطرق غير قانونية.
ارتفع الهمس في القاعة كالموج، وتحولت العيون نحو ياسمين، بعضها
نهض وكيل النيابة ناصر البلوشي، وعدل أزرار بدلته، ثم قال بصوت واثق إن المحكمة أمام واحدة من أغرب قضايا الاحتيال، فتاة تدعي أنها مترجمة محترفة بعشر لغات دون اعتماد رسمي.
بدأ يسير أمام المنصة وهو يقول إن ياسمين قدمت خدمات ترجمة لشركات دولية ومدارس ومكاتب قانونية، وتقاضت مبالغ كبيرة مقابل ملفات ترجمتها كما زعمت إلى لغات مختلفة.
ثم رفع صوته وقال عشر لغات يا سيدي القاضي، وهي لم تكمل تعليمها الجامعي، ولا تملك شهادة واحدة تثبت أنها تعرف حتى لغة ثانية بشكل رسمي.
ساد صمت ثقيل، وكأن الجملة الأخيرة جعلت الناس يبتسمون من داخلهم، فهذه القاعة كانت تحب الورق والأختام أكثر مما تحب الحقيقة أحيانًا.
نظر القاضي إلى ياسمين من فوق نظارته وقال بابتسامة ساخرة تتحدثين عشر لغات؟ بالطبع، وأنا أيضًا أتحدث لغات العالم كلها.
ضحك بعض الحاضرين، وابتسم وكيل النيابة، أما ياسمين فلم ترد الإساءة بإساءة، بل رفعت رأسها وقالت بهدوء أطلب دقيقة واحدة فقط يا سيدي القاضي.
قال القاضي وهو يحاول كتم ابتسامته دقيقة واحدة لتقولي ماذا؟.
ردت بثبات لأتحدث.
تبادل الناس النظرات، وظن بعضهم أنها ستبكي أو تتوسل، لكن ياسمين أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت
تغير وجه القاضي قليلًا، وقبل أن يعلق، انتقلت ياسمين إلى الإنجليزية القانونية، ثم إلى الإسبانية، ثم إلى الألمانية، وكل جملة كانت تشرح جزءًا من نفس الفكرة بدقة مدهشة.
بدأ الضحك يختفي من القاعة، وارتبكت المحامية المنتدبة نفسها وهي تسمع موكلتها تقف مكبلة وتدافع عن عقلها أمام الجميع بلغة بعد لغة دون ورقة واحدة.
ثم تحدثت بالإيطالية، وبعدها بالروسية، ثم بالتركية، ثم بالفارسية، ثم بالهندية، وأخيرًا بالعربية الفصحى، وقالت عدم امتلاكي شهادة لا يعني أنني لا أملك العلم.
كان الصمت في القاعة هذه المرة مختلفًا، ليس صمت احتقار، بل صمت صدمة، لأن الفتاة التي ظنوها نصابة جاهلة كانت تفعل أمامهم ما عجز عنه كثير ممن يملكون الشهادات.
حاول وكيل النيابة أن يستعيد السيطرة وقال إن القدرة على الحديث لا تثبت أنها لم تحتل على العملاء، لكن ياسمين التفتت إليه بهدوء وقالت إن كل ترجماتها صحيحة، وإن المشكلة بدأت عندما رفضت تزوير عقد لشركة كبيرة.
تجمد وجه وكيل النيابة للحظة، وسألها القاضي بجدية لأول مرة أي شركة؟.
قالت ياسمين شركة الخليج للاستثمارات الطبية، طلبوا مني ترجمة عقد شراكة بطريقة تغير معنى بند كامل لصالحهم، وعندما رفضت، اتهموني بأنني غير معتمدة ومحتالة.
بدأت القاعة تضج من جديد، لكن القاضي ضرب بمطرقته وطلب الهدوء، ثم أمر بعرض الملفات التي ترجمتها ياسمين على خبير مستقل داخل المحكمة.
بعد دقائق، وقف الخبير وقال إن الترجمات التي أمامه دقيقة جدًا، وإن بعض الملاحظات التي وضعتها المتهمة تكشف فهمًا قانونيًا ولغويًا أعلى من المعتاد.
لكن الكليف هانجر الصادم لم يكن في أنها تتحدث عشر لغات، ولا في أنها أحرجت القاضي بعد سخريته، ولا حتى في أن ترجماتها كانت صحيحة أمام الجميع.
الصاعقة الحقيقية جاءت عندما قالت ياسمين إنها لم تأتِ للمحكمة لتبرئ نفسها فقط، بل جاءت ومعها نسخة من العقد الأصلي والعقد المزور، ورسالة صوتية تهددها إن لم توقع على الترجمة الكاذبة.
رفع القاضي رأسه بحدة، وطلب تشغيل التسجيل فورًا، وعندها خرج صوت رجل معروف في القاعة يقول إما تترجمي العقد كما طلبنا، أو سنجعلك تقفين مكبلة أمام المحكمة كالنصابة.
تجمد وكيل النيابة، وشحب وجه أحد الحاضرين في الصف الأول، رجل أعمال كبير كان يجلس بثقة قبل دقائق، وفهم الجميع أن المتهمة ربما لم تكن مجرمة بل شاهدة أرادوا دفنها.
نظرت ياسمين إلى القاضي وقالت بهدوء أنا لا أملك شهادة يا سيدي، لكنني أملك الحقيقة، واليوم أريد أن أعرف هل تكفي الحقيقة أمام الأختام؟.
فهل ستتحول ياسمين من متهمة إلى شاهدة تكشف شبكة تزوير ضخمة؟ ومن