جوزي قالي
وأنا ببص لها أصل من النهارده بقى لازم أشتغل أكتر عشان العيلة.
وشها ارتاح فاكرة إني انكسرت.
لو كانت تعرف أنا رايحة أعمل إيه كانت قفلت باب الشقة بالمفتاح عليّا.
وصلت الشركة الساعة ٧ الصبح. المبنى كان شبه فاضي، والهدوء مالي المكان. دخلت مكتبي، قفلت الباب، وطلبت من ال ملف الموظفة الجديدة رانيا فؤاد.
ولأول مرة إيدي ارتعشت وأنا بفتح الملف.
٢٤ سنة. غير متجوزة. خريجة جديدة. وساكنة في مدينة نصر.
لكن اللي خلاني جسمي يتجمد إن خانة جهة الاتصال في الطوارئ كان مكتوب فيها
وائل سمير عبد الحميد.
جوزي.
قعدت أبص للاسم ثواني طويلة يمكن مستنية عقلي يقول إن ده تشابه أسماء.
بس رقم الموبايل المكتوب تحته كان رقم جوزي فعلًا.
ضحكت. ضحكة صغيرة مرعبة حتى ليا أنا.
يعني العلاقة مش صدفة. ومش إعجاب عابر. دي مرحلة ضمانات.
قفلت الملف بهدوء وبعدين عملت حاجة محدش كان يتوقعها.
بعت لرانيا رسالة على الإيميل الداخلي
تعالي مكتبي الساعة ١١ ضروري.
الساعة ١٠٥٧ بالظبط خبطت على الباب.
اتفضلي.
دخلت وهي متوترة. بنت جميلة فعلًا ملامح هادية، ولبس شيك بسيط، وعينيها فيها خوف غريب.
أشرت لها تقعد. وقعدت أبصلها من غير كلام لحد ما ارتبكت.
في مشكلة يا فندم؟
فتحت الملف قدامي بهدوء تعرفي وائل منين؟
اللون اختفى من وشها فورًا.
إيديها بدأت تتلخبط مين مين وائل؟
لفيت الشاشة ناحيتها. اسم جوزي ورقمه واضحين قدامها.
البنت شهقت وعينيها اتمَلّوا دموع في ثانية.
وده ماكنش رد فعل واحدة بتخون بثقة.
ده كان رد فعل واحدة اتضحك عليها.
همست حضرتك تبقي مراته؟
أومأت ببطء.
وفجأة البنت انهارت.
فضلت تعيط وهي بتحاول تتكلم والله ما كنت أعرف أقسم بالله ما كنت أعرف.
كل غضبي وقف فجأة.
لأن الصدمة اللي في عينيها حقيقية.
قالت وسط شهقاتها هو قالّي إنه منفصل من شهور وإنكم عايشين مع بعض بس عشان الإجراءات وكان بيقول إن أمه
آه طبعًا. الراجل المظلوم الشريف.
كملت وهي بتمسح دموعها وكان بيقول إنه بيجمع فلوس عشان يطلق بهدوء وإنه محتاج يرتب أموره المالية الأول.
الفلوس.
رجعنا لنفس النقطة.
سألتها بهدوء مرعب وهو طلب منك فلوس؟
سكتت.
عرفت الإجابة قبل ما تنطق.
أخد مني ١٨٠ ألف جنيه.
قلبي دق جامد.
إزاي؟
قالي أمه تعبانة ومحتاجة عملية وباع عربيته وسحب تحويشة عمره، وكان ناقص المبلغ وأنا أنا صدقته.
غمضت عيني للحظة.
الحاجة صفاء. الست اللي بتتكلم عن البركة والحلال وابنها بياخد فلوس من بنت أصغر منه باسم مرضها.
رانيا بصتلي بانكسار أنا آسفة والله لو كنت أعرف إنه متجوز
رفعت إيدي أوقفها.
لأول مرة من امبارح ماحستش إني مكسورة.
حسيت إني شايفة الصورة كاملة.
وائل ماكانش ضعيف. ولا مسيّر من أمه.
وائل كان نصاب محترف وأمه شريكته.
وفي اللحظة دي تحديدًا موبايلي رن.
وائل.
رديت بهدوء أيوه؟
صوته كان متوتر إنتِ فين؟ ماما بتقول إن في البنك باعتين رسالة إن الحساب المشترك اتقفل!
بصيت قدامي على رانيا وبعدين ابتسمت لأول مرة بصدق.
وقلت أصل من النهارده يا وائل كل واحد هيصرف على نفسه قفلت المكالمة مع حماتي، وفضلت ماسكة الموبايل لحظة كأني بحاول أسمع صدى صوتها جوايا.
رانيا كانت واقفة قدامي، ملامحها لسه متلخبطة بين خوف وندم هترجعي البيت؟ لو ده خطر عليكي
رفعت إيدي أوقفها الخطر الحقيقي إني فضلت ساكتة سنتين.
سكتت.
قربت من المكتب وفتحت درج صغير، وطلعت منه كارت أسود. كارت شركة أمن إلكتروني كنا بنتعامل معاها في شغل التدقيق.
بعت رسالة سريعة محتاجين مراجعة عاجلة لكل التحويلات والاتصالات المرتبطة برقمين خلال 24 ساعة.
بصيت لرانيا من دلوقتي مفيش حاجة اسمها كلام بينهم وخلاص. كل حاجة هتبقى مستند.
بلعت ريقها هو هيحاول يأذيكي.
ابتسمت هو أصلاً مأذنيش لما كان فاكر إني مش شايفة.
وقفت،
فين؟
البيت.
وصلنا العمارة قبل المغرب. نفس العمارة نفس البوابة نفس الحارس اللي دايمًا بيقول يا مدام ميرا وهو بيبتسم.
بس النهارده، ابتسامته كانت متوترة.
طلعت السلم بهدوء. كل خطوة كانت تقيلة بس مش خوف. ده كان نوع تاني من الثبات.
فتحت الباب.
الصوت جوا البيت كان عالي ضحك وائل. وصوت حماتي وهي بتقول أهو رجعت أهو البت العاقلة.
دخلت.
سكون.
وائل كان قاعد على الكنبة، ممدد بإهمال، أول ما شافني قام بسرعة أخيرًا! إنتي كنتي فين؟
حماتي وقفت يا بنتي، قلقنا عليكي.
دخلت بهدوء وقعدت قدامهم على السفرة.
رانيا كانت ورايا.
وش وائل اتغير أول ما شافها دي مين؟
بصيت له دي الحقيقة.
سكت.
حماتي ضحكت ضحكة قصيرة إيه الكلام الكبير ده؟
حطيت اللاب قدامي وفتحته. وعرضت أول ملف.
تحويل 180 ألف. اسم المستفيدة رانيا فؤاد.
بص وائل بسرعة ده سوء تفاهم
فتحت ملف تاني رسائله. صوته وهو بيقول غبية. وتخطيطه للسفر. ورهن الشقة.
ساعتها وشه اتبدل.
حماتي وقفت فجأة إنتي بتراقبيه؟
ابتسمت لأ أنا بس كنت متجوزة راجل فاكر إني مش بفهم.
وائل حاول يقرب ميرا اسمعيني
رجعت خطوة لأ، إنت تسمعني.
سكت.
نظرت لحماتي إنتِ قلتي هتاخدي مرتبي عشان مصلحتنا صح؟
هزت راسها بثقة طبعًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة حلو.
طلعت ورقة من شنطتي. وحطيتها على الترابيزة.
ده طلب فصل شراكة مالية. وده طلب إلغاء الحساب المشترك. وده بلاغ أولي ضد محاولة رهن عقار بدون موافقة شريك.
سكون تام.
وائل بصلي إنتي بتدمري البيت.
قربت منه شوية البيت اتدمر أول ما قررتوا إني مش إنسانة كاملة بس مصدر فلوس.
حماتي صرخت إنتي فاكرة نفسك مين؟
وفي اللحظة دي رن تليفوني.
رقم دولي.
رديت.
صوت هادي مدام ميرا؟ معاكِ النيابة الاقتصادية تم فتح بلاغ رسمي بناءً على مستندات تم استلامها.
رفعت عيني ببطء.
وائل بقى ساكت.
أول مرة أشوفه ساكت
قفلت المكالمة.
وبصيت له
كنت فاكر إني مش هعرف ألعب غير لعبتك.
قربت من الباب. وقبل ما أخرج بس إنت نسيت حاجة مهمة
بصلي.
أنا اللي براجع الحسابات.
وفتحت الباب. وخرجت.
والبيت ورايا ماكانش بيت.
كان بداية سقوطهم بعد ما خرجت من الشقة، وقفت قدام الباب لحظة واحدة مش ندم، ولا خوف.
بس تأكيد.
نزلت السلم ببطء، ورانيا ورايا ساكتة تمامًا، لحد ما وصلنا للعربية.
أول ما قفلت الباب، موبايلي رن تاني.
رسالة من رقم وائل إنتي مش هتقدري تعملي كده. هترجعي تندمي.
بصيت للشاشة وابتسمت.
ورديت بجملة واحدة الندم الوحيد إني اتأخرت.
قفلت الموبايل، وشغّلت العربية.
تاني يوم الصبح
الخبر كان بدأ ينتشر في الشركة. تحقيق داخلي. إيقاف حسابات. تجميد تحويلات. وملف كبير بيتفتح باسم وائل سمير عبد الحميد وحماته صفاء.
رانيا جاتلي المكتب وعيونها مترددة هو اتقبض عليه؟
هزيت راسي بهدوء لأ لسه بس اتمنع يلمس أي حاجة.
سكتت شوية أنا ممكن أشتغل هنا تاني؟
بصيت لها إنتي أول واحدة قالت الحقيقة أكيد.
بعد أسبوعين
المحامي بلغني إن محاولة رهن الشقة اتلغت رسميًا. وإن كل المستندات اللي حاولوا يشتغلوا بيها كانت فيها تلاعب واضح.
وائل حاول يكلمني مرة. مرتين. بعدها الرقم اتقفل.
حماتي اختفت من الصورة تمامًا لا زيارة، لا صوت، ولا حتى محاولة دفاع.
كأن كل حاجة اتفكت في الهواء.
بعد شهر
كنت قاعدة في مكتبي آخر اليوم. الشركة هادية. والشمس داخلة من الشباك بشكل غريب هادي لأول مرة من فترة طويلة.
رن موبايلي.
رقم جديد.
رديت.
صوت وائل كان مختلف مكسور ميرا أنا خسرت كل حاجة.
سكت.
كمل أنا غلطت.
قفل.
ما رديتش.
مش قسوة بس لأن الدرس اتفهم متأخر.
قفلت اللاب، وخدت نفس طويل.
مش لأني انتصرت.
لكن لأن لأول مرة
مفيش حد بيحددلي أنا أعمل إيه بمرتبى، ولا بحياتي، ولا بصمتي.
خرجت من الشركة، والهواء كان أبرد من المعتاد
بس خفيف.
ومشيت.
مش راجعة لبيت بيتحكم فيه حد.
ولا راجعة لحكاية حد تاني يكتبها.
دي كانت النهاية اللي بدأت من أول لحظة قررت فيها أقول أنا ماشيّة لوحدي بس مش هتتسحب تاني.