رفضوا ترقيتي في المصنع
المحتويات
وقال ومع ذلك المصنع بحاجة إليكِ الآن.
ابتسمت بمرارة وحين كنتُ بحاجة للاحترام هل احتاجني أحد؟
لم يجرؤ أحد على الرد.
حتى العمال الذين ضحكوا قبل قليل خفضوا رؤوسهم خجلًا.
وفجأة خرج صوت ابني من الخلف لأول مرة
أمي كفاية.
التفتُّ نحوه.
كانت عيناه ممتلئتين بالقهر.
وقال بصوت مبحوح عمرك كله ضاع هنا وهم لا يستحقونك.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
اثنان وعشرون عامًا من السهر، والإصلاح، والعمل أيام الأعياد، والعودة للبيت برائحة الزيوت والمعادن
وفي النهاية؟ صار وجهي مشكلة.
اقترب مدير الشركة الإقليمي بنفسه وقال كم تريدين للعودة؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت الجملة التي جعلت سامر يشحب تمامًا
أنا لا أريد مالًا أريد حقي ساد الصمت لثوانٍ طويلة
حتى صوت الإنذارات بدا أضعف.
نظر مدير الشركة الإقليمي إلى سامر ببرود وقال ما الذي حدث هنا بالضبط؟
فتح سامر فمه مرتبكًا هي هي فقط بالغت في رد فعلها.
لكن أحد العمال قاطعه فجأة لا يا فندم.
التفت الجميع نحوه بدهشة.
كان عم حسين، أقدم عامل في المصنع بعدي. الرجل الذي نادرًا ما يتكلم.
قال بثبات الأستاذة أمينة هي اللي بنت النظام ده بإيديها ولولاها المصنع وقف أكتر من مرة.
ثم خرج صوت آخر من الخلف وهي اللي كانت بتصلح الأعطال بالليل لوحدها.
ثم ثالث وإحنا كلنا اتعلمنا منها.
بدأت الهمهمات تنتشر.
أما ريم فكانت واقفة كأن الأرض انسحبت من تحتها.
قال
حاول سامر التماسك هي موظفة قديمة نعم لكن الشركة تحتاج تطوير وصورة حديثة
قاطعه الرجل بغضب صورة حديثة؟! هل أوقفتَ خط إنتاج كامل قبل شحنة دولية لأنك أردتَ موظفة أصغر سنًا؟!
تلعثم سامر أنا فقط
لكن المدير لم يتركه يكمل.
التفت إليّ وقال أستاذة أمينة باسم الإدارة الإقليمية أعتذر لكِ رسميًا.
شعرت بأنفاسي تثقل.
اثنان وعشرون عامًا ولأول مرة أسمع كلمة نعتذر.
ثم أخرج بطاقة صغيرة من جيبه وقال من هذه اللحظة أوقفُ قرار تخفيض راتبك، وأجمّد تعيين أي شخص مكانك حتى انتهاء التحقيق.
شهقت ريم تحقيق؟!
نظر إليها بحدة وأنتِ من أين حصلتِ على ملفات التشغيل الخاصة بها؟
ارتبكت هي أعطتني الملفات للمراجعة
قلت بهدوء كذبت.
ثم أخرجت من حقيبتي فلاشة صغيرة.
رفعتها أمام الجميع وقلت كل تعديل، وكل دخول للنظام، وكل نسخ للملفات محفوظ هنا بالتاريخ والوقت.
تغيّر لون ريم بالكامل.
أما سامر فبدأ يتراجع للخلف ببطء.
اقترب مدير الشركة منه وقال هل تعلم ما معنى تعطيل شحنة طبية دولية بسبب قرارات شخصية؟
لم يرد.
فقال ببرود هذا قد يكلّف الشركة ملايين.
ثم التفت إليّ مجددًا هل يمكنك إعادة تشغيل النظام؟
نظرت إلى الشاشات المعطلة
ثم إلى العمال الذين كانوا يراقبونني وكأنهم يرونني لأول مرة.
اقترب ابني مني هامسًا لو رجعتي هيرجعوا يعملوا فيكي نفس اللي عملوه.
وضعت يدي على خده
ثم نظرت للمدير وقلت سأعيد تشغيل الشحنة فقط أما أنا، فلن أعود.
ارتبك لكن المصنع
قاطعته بهدوء المصنع يحتاج من يحترم الناس قبل أن يحتاج التكنولوجيا.
ثم عدت إلى الحاسوب القديم.
جلست أمام الشاشة السوداء.
وضعت أصابعي على لوحة المفاتيح
وبدأت أكتب بسرعة.
أوامر طويلة لم يفهم منها أحد شيئًا.
ثوانٍ فقط
وفجأة عادت الأضواء الخضراء للعمل.
دارت الماكينات من جديد. واشتغلت أجهزة المسح. وعاد خط الإنتاج الثالث للحياة كأن شيئًا لم يحدث.
انطلقت شهقة جماعية في المكان.
أما أنا فأغلقت الشاشة بهدوء.
نزعت بطاقة العمل من حول رقبتي
ووضعتها فوق الطاولة أمام سامر مباشرة.
ثم قلت آخر جملة قبل أن أغادر
الوجه الذي رأيتم فيه شيخوخة كان هو العقل الذي أبقى هذا المكان حيًا لم يتحرك أحد.
حتى سامر بقي واقفًا ينظر إلى بطاقة العمل فوق الطاولة وكأنها قنبلة ستنفجر.
أما أنا فالتفتُّ نحو الباب.
كنت أشعر لأول مرة منذ سنوات أن ظهري خفيف كأن المصنع الذي حملته فوق كتفي طوال عمري، سقط أخيرًا.
لكن قبل أن أصل إلى المخرج
خرج صوت مدير الشركة الإقليمي انتظري يا أستاذة أمينة.
توقفت دون أن ألتفت.
قال بهدوء مختلف تمامًا عن نبرته السابقة هل تعلمين لماذا حضر الوفد الخليجي اليوم أصلًا؟
لم أجب.
فأكمل هم لا يريدون شراء آلات هم يريدون شراء النظام الذي يدير المصنع.
التفتُّ ببطء.
وأشار إلى
اتسعت عيون العمال.
حتى ابني نظر إليّ بدهشة.
أما سامر فهتف بسرعة الشركة تملك النظام طبعًا
لكن الرجل قاطعه ببرود راجعنا العقود قبل قليل.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال البرمجيات التي طورتها الأستاذة أمينة لم تُسجَّل باسم الشركة بل باسمها الشخصي.
ساد صمت مرعب.
شعرت ريم وكأنها ستسقط.
أما سامر فصرخ هذا مستحيل!
أخرج المدير ملفًا إلكترونيًا من جهازه اللوحي وقال بل حقيقي هي من كتبته أثناء أزمة التوقف قبل سنوات، ولم توقّع الشركة وقتها أي عقد ملكية.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة باختصار المصنع يعمل حاليًا على عقل الأستاذة أمينة.
شعرت لأول مرة أن سامر فهم حجم الكارثة.
اقترب مني بسرعة اسمعي يا أمينة يمكننا التفاهم.
ضحكتُ.
لأول مرة ضحكت من قلبي.
قلت الآن فقط تذكرت اسمي؟
اقترب أكثر وهو يهمس سنرفع راتبك ونعطيك منصبك القديم.
هززت رأسي بهدوء أنت لا تفهم حتى الآن.
ثم نظرت حولي للمكان كله.
إلى الجدران التي حفظت تعبي. إلى الماكينات التي أصلحتها بيدي. إلى العمال الذين شاركوني سنوات العمر.
وقلت أنا لم أكن أبحث عن منصب كنت أبحث عن كرامة.
انخفضت عينا سامر.
أما مدير الشركة الإقليمي فقال فجأة إذًا دعيني أقدم لكِ عرضًا آخر.
رفع الجميع رؤوسهم بترقب.
قال الوفد الخليجي يريد افتتاح مصنع جديد بالكامل في المنطقة الصناعية هناك.
ثم ابتسم لي باحترام
شهقت ريم بصوت مسموع.
أما ابني فنظر إليّ وكأنه يرى أمه لأول مرة.
سألته بهدوء ولماذا
متابعة القراءة