رفضوا ترقيتي في المصنع
رفضوا ترقيتي في المصنع لأنهم قالوا إن وجهي لم يعد مناسبًا لاستقبال العملاء
وقبل أن أغادر
أغلقتُ النظام الوحيد الذي لم يكن أحد يعرف كيف يعيده للعمل غيري.
ساد الصمت في الكافتيريا.
ضحك المدير بخفة وهو يعدّل أزرار بدلته، بينما وقفت المشرفة الجديدة تبتسم بثقة زائفة، تحمل ملفات الإنتاج بين ذراعيها وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا.
أما أنا
فوقفت قرب ماكينة القهوة بزيّ العمل الأزرق الملطخ بالزيوت، ويداي ترتجفان من شدة القهر.
قال المهندس سامر أمام الجميع
لا تأخذي الموضوع بحساسية يا أمينة صحيح أنكِ خبيرة، لكن الشركة اليوم تحتاج وجهًا أصغر وأكثر جمال وليس وجه يخيف العملاء.
تجنّب بعض العمال النظر نحوي.
بينما خفض آخرون رؤوسهم بصمت.
لكن سامر أكمل بثقة مستفزة
غدًا سيزورنا وفد من الخليج ولا يمكن أن نستقبلهم بوجهٍ متعب يذكرهم بالشيخوخة.. وبصراحة يا أمينة، شكلِكِ لم يعد مناسبًا للواجهة.. نحن نحتاج امرأة أصغر سنًا وملامحها أفضل.. فتاة شابة حين يرى وجهها العميل يأخذ عن الشركة انطباعًا جيدًا.
شعرت بحرقة في صدري
لكنني لم أبكِ.
قبل اثنين وعشرين عامًا، دخلت هذا المصنع حين كان تسجيل الطلبات يتم يدويًا في دفاتر كبيرة.
أنا من أصلح خط الإنتاج الثالث يوم احترقت لوحة التحكم.
وأنا من درّبت نصف الموظفين الموجودين هنا.
حين كان النظام يتوقف
كان الجميع يركض إليّ.
لكنهم اليوم، أمام قسم الجودة والمشغلين والموارد البشرية،
عجوزًا.
مرهقة.
وصورة غير مناسبة للشركة.
ثم أعلن سامر
اعتبارًا من اليوم ريم هي مديرة الإنتاج الجديدة.
ابتسمت ريم بثقة، بأظافرها الطويلة وكعبها الأبيض، بينما كانت تحمل ملف التشغيل الخاص بي ملفي أنا، الذي استعارته قبل أسابيع بحجة المراجعة ولم تعيده أبدًا.
ثم قالت بابتسامة ساخرة
يمكن للأستاذة أمينة أن تبقى للدعم فقط الأعمال البسيطة، الملصقات، تجهيز الملفات، وربما تحضير القهوة للضيوف.
وانفجرت الضحكات في المكان.
كان ابني يعمل في قسم المستودعات.
رأيته يضغط قبضته بغضب، فوقفت أنظر إليه بسرعة وأشرت له أن يصمت.
لم أكن مستعدة لأن يخسر عمله بسببي.
وضع سامر ورقة أمامي وقال
وقّعي هنا هذا تعديل المسمى الوظيفي والراتب.
نظرت إلى الرقم
كان راتبي قد انخفض إلى النصف تقريبًا.
سألته بهدوء
وإن رفضت؟
اقترب مني وقال بثقة
ستغادرين ببساطة هناك عشرات النساء ينتظرن مكانك.
ابتسمت لأول مرة.
لا
لم يكن هناك أحد مثلي.
كان هناك من يعرف تشغيل الآلات
لكن لا أحد يعرف لماذا تتوقف.
أمسكت القلم.
ظن الجميع أنني سأوقّع.
لكنني كتبت كلمة واحدة فقط
استقالة.
تغير وجه ريم فورًا.
أما سامر فقال بغضب
ماذا تفعلين؟
أجبته بهدوء
ما طلبتموه تمامًا أنا أغادر.
ضحكت ريم وقالت
لا تبالغي يا أستاذة أمينة المصنع لن ينهار بدونك.
نظرت إليها مباشرة وقلت
أتمنى ذلك فعلًا.
ثم غادرت الكافتيريا ببطء.
كانت خطوط الإنتاج لا تزال تعمل.
أجهزة
والشحنة الطبية المفترض أن تغادر نحو المطار بعد أقل من ساعة ما زالت قيد التجهيز.
جلست أمام الحاسوب القديم الذي كان الجميع يكرهه لأنه لا يعمل إلا بالأوامر النصية السوداء والخضراء.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال
خير يا خالة أمينة؟
ابتسمت له بهدوء
فقط أنهي آخر مناوبة لي.
أدخلت كلمة المرور الخاصة بي.
فتح النظام فورًا.
لم يكن أحد يعلم أن المصنع كله ما زال يعمل بالمفاتيح البرمجية التي كتبتها بيدي قبل سنوات، عندما أرسلت الشركة نظامًا معطوبًا من الخارج وكاد المصنع يخسر عقده الأكبر.
وقتها
أصلحت كل شيء وحدي.
ولم يشكرني أحد.
تنقلت بين الأقسام بهدوء.
أوقفت صلاحيات الجودة.
ثم الشحن.
ثم المخزون.
لم أحذف ملفًا واحدًا.
ولم أخرّب أي شيء.
فقط
ألغيت حسابي الشخصي الذي كانوا يقولون دائمًا إن أي موظف يستطيع تعويضه.
وبعد أقل من دقيقة
انطلق أول إنذار داخل المصنع.
ثم الثاني.
ثم توقف خط الإنتاج الثالث بالكامل.
وفي المستودع
توقفت أجهزة المسح عن قراءة البضائع.
وفجأة دوّى صوت المشرف عبر المصنع كله وهو يصرخ بفزع
من الذي عطّل النظام؟!
الجزء الثاني...
أقسى ما قد يفعله بك مكانٌ تعمل فيه سنوات طويلة أن يهينك لا لأنك فشلت، بل لأنك أفنيت عمرك فيه حتى صار التعب ظاهرًا على وجهك.
القصة كاملة اول التعليقلكن الشاشة السوداء لم تكن تعرض سوى جملة واحدة باللون الأخضر
صلاحيات التشغيل الرئيسية غير متوفرة.
ساد صمت
ثم التفت الجميع نحوي في اللحظة نفسها.
كنت قد وصلت إلى باب الخروج تقريبًا، أحمل حقيبتي القديمة، وأرتدي ذلك الزي الأزرق الذي سخروا منه منذ دقائق.
صرخ سامر أمينة! ماذا فعلتِ؟!
استدرت إليه بهدوء.
قلت ولا شيء.
اقترب أكثر بعصبية المصنع كله متوقف!
أجبته بنفس الهدوء غريب ألم تقل قبل قليل إن أي شخص يستطيع تعويضي؟
تجمّد وجهه.
أما ريم، فبدأ لونها يتغير وهي تقلب الملفات بعشوائية أين كلمات المرور؟ أين ملفات التشغيل؟!
ضحكتُ بخفة لأول مرة منذ سنوات.
ثم قلت في الملف الذي أخذتيه مني الملف الذي لم تفهمي منه سطرًا واحدًا.
بدأ العرق يظهر على جبين سامر.
وفي تلك اللحظة دخل رجلان ببدلات رسمية من الباب الرئيسي، وخلفهما مدير الشركة الإقليمي القادم مع الوفد الخليجي.
ابتسم سامر بسرعة وهو يحاول التظاهر بالسيطرة أهلًا أستاذ فهد مجرد عطل بسيط.
لكن أحد العمال صرخ من آخر القاعة الشحنة الطبية توقفت بالكامل!
التفت الرجل القادم بحدة كيف توقفت؟ الطائرة ستغادر خلال أقل من ساعة!
ارتبك الجميع.
أما أنا فوقفت بصمت.
نظر مدير الشركة إلى الشاشات المعطلة ثم قال بغضب من المسؤول عن النظام هنا؟
ساد صمت قاتل.
ثم أشار فني الأنظمة نحوي دون تردد الأستاذة أمينة.
التفت الجميع إليّ.
حتى الوفد نفسه نظر باستغراب إلى المرأة المتعبة التي كانت قبل دقائق تُهان أمام الجميع.
سألني الرجل بهدوء هل تستطيعين إعادة التشغيل؟
نظرت إلى سامر أولًا
ورأيت في عيونهما لأول مرة ذلك الشيء الذي لم أره منذ سنوات
الخوف.
قلت بهدوء أنا مستقيلة.
اقترب مدير الشركة خطوة