وهي قاعده بقلم مني سيد
وهي قـاعدة جـنب أبـوها في المستشفـى، متعلـق بالأكسجـين وبيـصارع عشان يتنفـس… حـماتها كانت بتتصـل بيـها 22 مـرة، بـس عشان ترجـع البيـت تطبـخ..!!
22 مكالمـة… ولا واحدة فيهم فيها سؤال: "أنـتِ كويسـة؟" ولا حتى: "أبـوك عامـل إيـه؟".... وهي في اللحـظة دي، كـانت ماسكة إيد أبـوها… راجل ممكـن ما يفوقـش تاني...والـكلام اللي قالته بعدها… سكـت الـكل....
ـــــــــ
الليلة اللي فاتت بدأت عادي جدًا. سفرة بسيطة: طبق فول من الحلة، عيش بلدي سخن، وحتة جبنة قريش كان أبوها جايبها من السوق بعد العشاء ....
والدي مكنش من النوع اللي يشتكي أبدًا، طول عمره صابر وشايل. عشان كده لما شفته ساب اللقمة من إيده وفجأة كتم نفسه وحط إيده على صدره، قلبي انقبض. ملقطش أنفاسه، مقالش "أنا تعبان"، مخرجش منه غير نظرة تايهة.. نظرة خوفتني أكتر من الصراخ....
بقلم منـي السـيد
"يا بابا؟".. سألته وأنا حاسة إن معدتي بتتعصر من الخوف.
بص لي بعيون كان دايما فيهم لمعة قوة، بس اللمعة دي كانت بتطفي قدامي. الهواء في البيت فجأة بقى تقيل، وكأن الأوكسجين هرب من الأوضة..
في ممرات القصر العيني
كل حاجة حصلت بسرعة البرق. طلبت تاكسي، لبسته جاكت الصوف بتاعه، وسندته وهو بيجر رجليه بالعافية. القاهرة كانت صاحية بضوضائها، ناس بتضحك وعربيات بتزمر، وأنا مش سامعة في الدنيا دي كلها غير صوت تزييق صدره وهو بيحاول ياخد نَفَس....
وصلنا الاستقبال في المستشفى.. زحمة، ووجوه تعبانة، ودكاترة بيجروا. "استني بره يا مدام"، جملة اتقالت ببرود وكأن "الانتظار" ده شيء سهل، وهما ميعرفوش إن كل دقيقة بتعدي بتنهش في عمري.
بعد ساعات طويلة، خرج دكتور شاب، ملامحه كانت جد زيادة عن اللزوم:
"والدك عنده انسداد في الشرايين التاجية، والحالة حرجة.. إحنا بنعمل اللي علينا، بس هو محتاج عناية مركزة ومتابعة لحظة بلحظة."
#بقـلم_منـي_السيـد
الأرض لفت بيا. أنا أمي اتوفت وأنا عندي عشر سنين، ومن يومها "عم إبراهيم" كان هو السند والضهر، هو اللي شقي وطفح الكوت عشان يربيني ويعلمني أحسن علام. ودلوقتي؟ الضهر ده نايم ورا باب أبيض، متوصل بخراطيم وأجهزة بتصفر طول الوقت.
دخلت أشوفه لدقايق.. كان نايم والماسك مغطي نصه وشه. مش ده الراجل اللي كان بيشيلني
"أنا جنبك يا بابا".. همست في ودنه وأنا مش عارفة هو سامعني ولا الروح بتتسحب منه.
الـ 22 مكالمة
حصري علي صفحة روايـات و اقتباسـات
منمتش، مكلتش، ومفكرتش في أي حاجة غيره.. لحد ما الموبايل بدأ يزن.
الساعة كانت 9 الصبح لما خرجت الطرقة أرد. الاسم على الشاشة خلاني أغمض عيني بضيق.. "حماتي.. الحاجة كريمة".
فتحت الخط، ومسلّمتش حتى:
— "إنتي فين يا لوسيا؟ ليه منزلتش المطبخ لحد دلوقتي؟ أنا مش قولت لك إني عايزة سمك ورز صيادية النهاردة؟ نسيتي ولا بتستهبلي؟"
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
حسيت بغصة في حلقي، بصيت من ورا القزاز على والدي وقولت بحشرجة:
— "يا حاجة كريمة، بابا في الطوارئ.. حالته صعبة جدًا، مش هقدر أسيبه."
سكتت لحظة، افتكرت إن قلبها حن.. بس الصدمة كانت في ردها:
— "وبعدين؟ أبوكي مش مقطوع من شجرة، أكيد فيه حد غيرك يشوفه. إنتي ليكي بيت وواجبات هنا. هشام محتاج يتغدى، وأنا صحتي مقتدرش أقف قدام البوتاجاز
#بقـلم_منـي_السيـد
ضغطت على الموبايل وصابعي بيترعش:
— "بقول لحضرتك والدي بيموت، مش هقدر."
ردت ببرود:
— "هتقدري.. تعالي خلصي اللي وراكي وارجعي له تاني، مش طالبة منك المستحيل يعني!"
قفلت السكة وهي بتبرطم، وافتكرت إن الموضوع خلص.. لكنها بدأت "الحرب".
عشر دقايق.. رنة.
ربع ساعة.. رنة.
الموبايل مبيسكتش، وكأنها بتقولي "ممنوع ترتاحي حتى وإنتي بتموتي من القهر".
على الساعة 12 الضهر، الموبايل كان فيه 22 مكالمة فائتة.
خرجت لآخر الطرقة عند الشباك، بعيد عن دوشة العنابر. رديت المرة دي بصوت هادي.. هدوء مرعب.
— "ها؟ جاية ولا لأ؟" صوتها كان أحدّ وأقوى، "يعني أسيب نفسي من غير أكل؟ بقولك تعالي اعملي لقمة وامشي، غاوية نكد ليه؟"
غمضت عيني، وشفت صورة والدي وهو بيصارع عشان يفضل معانا. شفت شقاه وتعبة السنين. وفي اللحظة دي، الخوف اللي كان جوايا من "زعلهُم" اتبخر...
قولت لها بالحرف، بكل ثبات:
"يا حاجة كريمة.. لو النهاردة مطلوب مني أختار بين إني أجي أطبخ وأغرف لك أكل.. وبين إني أفضل ماسكة إيد أبويا وهو بيحاول يتنفس آخِر أنفاسه.. فـ صدقيني،