بنت بعد كل التعب
بنت ..بعد كل التعب ده مخلفالنا بنت...ده اللي حماتي قالته بهمس وهي بتبص لبنتي بقرف.. كنت لسه شايلاها بين إيدي، وجسمي كله منمل من أثر البنج والمخاض.. بس اللي جوزي عمله بعد كده كسرني بجد، وللأبد.
أنا استحملت تلات سنين خنقة وتكبر من عيلة "عز الدين"؛ العيلة الأرستقراطية اللي مهووسة بمنظرها قدام الناس والبيزنس.. بس عمري ما كنت أتخيل القسوة اللي شوفتها في أوضة المستشفى "الفور سيزون" دي، وبعد ساعات قليلة من ولادة بنتي.
التعب كان واكل عضامي، 14 ساعة ولادة صعبة، وجسمي كله بيترعش، ووجع جرح القيصرية كان زي السكاكين في بطني مع كل نفس باخده. بس كل ده اختفى أول ما عيني جت على الحتة اللي نايمة على صدري.. بنتي "ليلى". كانت قمر، وشعرها ناعم، وصوابعها الصغيرة اللي لفت على صباعي خلتني أحس بطاقة حب غريبة.. كنت مستعدة أهد الدنيا عشانها.
في اللحظة دي، الباب الخشبي التقيل بتاع الجناح الخاص اتفتح بحدة خلت جهاز ضربات القلب يصفر.. اتخضيت وضميت ليلى
بس اللي دخلت مكنتش ياسين.. دي كانت "إلهام هانم"، حماتي، ومعاها بنتها "صافي".
إلهام كانت داخلة ببدلتها الكلاسيك وعقد اللؤلؤ، ملامحها مكنش فيها ذرة فرحة.. مفيش ورد، مفيش بلالين، مفيش حتى كلمة "حمد لله على السلامة".
وقفت عند رجل السرير وقالت بصوت زي التلج: "يعني طلع الكلام صح!"
بلعت ريقي بصعوبة وقلت بتعب: "يا طنط.. صافي.. هو فين ياسين؟"
صافي ردت وهي مربعة إيديها وبتبصلي من فوق لتحت: "ياسين تحت في الريسبشن، مكسوف يطلع يوري وشه للناس هنا.. وبصراحة إحنا كمان مكسوفين."
الدم هرب من وشي: "مكسوف؟ مكسوف من إيه مش فاهمة؟"
إلهام قربت خطوة وعينها جت على "ليلى" وقالت بقرف: "بنت! بعد كل المصاريف والدكاترة والأنظمة الغذائية اللي مشيناكي عليها عشان
قلبي كان بيدق بعنف، سحبت بنتي لحضني أكتر: "دي حفيدتك يا طنط! دي زي القمر وصحتها كويسة.. إزاي تقولي كده؟"
إلهام زعقت وصوتها رن في الأوضة: "عيلة عز الدين محتاجة راجل يشيل الاسم، يمسك الشركات.. إنتي كنتِ عارفة شروطنا لما دخلتي البيت ده، كان ليكي وظيفة واحدة وفشلتي فيها!"
مبقتش مصدقة اللي بسمعه! كنت عارفة إنهم عيلة رجعية وعاوزين الولد، بس مش للدرجة دي!
قلت والدموع في عيني: "ده علم غيب.. أنا ماليش دخل، ولا ياسين ليه دخل.. وبعدين دي طفلة ذنبها ايه !"
صافي دخلت في الكلام وهي بترمى دبدوب كان محطوط جنب السرير على الأرض: " (ياسين) مدمر، وبابا شايط.. إنتي عارفة شكلك بقى إيه قدام أصحابنا؟ عيلة عز الدين الكبيرة أول خلفة ليها تبقى بنت؟"
كنت لسه طالعة من أوضة العمليات، بنزف وتعبانة، وهما بيعاملوني كأني مكنة باظت وطلعت منتج غلط!
قلت بصوت واطي بس كله غضب: "اطلعي بره.. إنتي وهي..
إلهام ضحكت ضحكة صفرا: "أوضتك؟ إنتي ناسية مين اللي دافع تمن الجناح ده؟ ابني.. فلوسنا.. إنتي جيتي من الشارع ومعاكيش مليم، ودخلتي عيلتنا بوعود فارغة.. مالكيش حق تطردي حد."
فتحت شنطتها الماركة وطلعت ظرف كبير ورمته على رجلي: "دي أوراق الطلاق، ياسين وقع خلاص. إحنا هنصرفلك قرشين يمشوا حالك عشان تسكتي، والطفلة طبعاً هتفضل معانا، مش هنربي وريثة لعز الدين في الفقر."
في اللحظة دي، الرعب اتحول لنار جوايا.. عاوزين يرموني في الشارع وياخدوا بنتي؟ اللي لسه مكملتش يوم في الدنيا؟
فاكريني ضعيفة.. فاكرين إني البنت الغلبانة اللي ياسين جابها من تلات سنين.. فاكرين إن هما اللي معاهم الفلوس والسلطة.
بس هما ميعرفوش الحقيقة.. ميعرفوش أنا مين أصلاً.
بصيت لإلهام بثبات ودوست على زرار الاستدعاء اللي جنبي وقلت: " إنتي متعرفيش إنتي عملتي في نفسك إيه دلوقتي.."
إلهام ضحكت باستهزاء وقالت....اطلبي اللي تطلبيه يا شاطرة، مفيش حد في المستشفى