لما خرجت من السجن

لمحة نيوز

 وراح دافن الحقيقة بعيد. بس نسي إن كل حاجة ليها مفتاحين… مش مفتاح واحد."
بصيت على المفتاح اللي في إيدي.
حسيت إني كنت ماسك لعبة، مش حل.
قربت من الباب وقلت بصوت عالي: "إنتِ عايزة إيه مني؟ أبويا مات خلاص!"
ضحكت.
ضحكة قصيرة… باردة.
"مات؟ لأ يا كريم… حسن ما ماتش عادي. حسن اختار يختفي. بس المشكلة مش فيه… المشكلة فيك إنت."
الكلمة الأخيرة وقعت عليّا زي حجر.
أنا؟
إزاي يعني أنا المشكلة؟
قبل ما أتكلم، سمعت صوت حاجة بتتحرك فوق الصناديق ورايا.
لفيت بسرعة…
لقيت ظرف تاني صغير واقع على الأرض.
مكتوب عليه بخط أبويا:
"لو وصلت هنا… افتح ده قبل ما تواجهها."
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه صورة قديمة…
أنا صغير.
واقف جنب راجل مش غريب عليّا…
بس أول مرة أشوفه بالعين دي.
وتحت الصورة مكتوب جملة واحدة:
"الحقيقة اللي مخلياك دخلت السجن… بدأت من اليوم ده."
في اللحظة دي…
الباب اتحرك.
المخزن بدأ يتفتح من بره ببطء.
ومنال قالت بصوت أخير: "جاهز تعرف مين إنت بجد يا كريم؟"الباب كان بيتفتح ببطء… كأنه بيقطع آخر خيط ماسكني في الأمان.
أنا واقف في نص المخزن، الصورة في إيدي، وإيدي بتترعش بشكل مش طبيعي.
منال واقفة برا، وصوتها هادي بشكل يخوف أكتر من الصراخ: "خلصت اللعبة

يا كريم… مفيش هروب دلوقتي."
في اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره.
منال دخلت.
كانت لابسة عادي… هادية… بس عينيها فيها حاجة متلخبطة، زي حد واثق إنه كسب بس لسه مستني الضربة الأخيرة.
بصيتلها وقلت: "إنتِ عايزة مني إيه؟ أنا خرجت من السجن خلاص!"
ضحكت نفس الضحكة الباردة: "خرجت؟ لأ… إنت كنت لسه جوه القصة من الأول."
قربت مني خطوة.
"أبوك حسن ما كانش بس بيخبّي فلوس أو ورث… كان بيخبّي اعترافات."
سكتت لحظة وبصت على الصورة اللي في إيدي.
"وإنت… مش زي ما فاكر نفسك."
حسيت الأرض بتسحبني.
بصيت للصورة تاني…
الرجل اللي جنبّي وأنا صغير… ملامحه بدأت تبان أكتر.
مش غريب.
ده… "سامي".
ابن منال.
بصيتلها بصدمة: "إيه اللي بتقوليه ده؟!"
ردت بهدوء قاتل: "أبوك كان عارف إن حسن كان بيخبّي ملفات عن تهريب وفلوس وناس كبار. ولما قرب يوصل للحقيقة… قرر يبعدك عن كل ده."
وقفت لحظة.
"بس اللي محدش كان متوقعه… إنك تبقى إنت المفتاح."
قلبي وقع.
"إزاي يعني؟"
منال قربت مني أكتر وقالت: "القضية اللي دخلت بسببها السجن… مش أنت اللي عملتها بإيدك… بس بصمتك موجودة فيها."
سكت.
سكون تقيل.
رجعت ذكريات مش واضحة… ليل… إمضاء… ورقة… صوت عالي… ووشوش ناس بتجري.
كنت فاكرها كوابيس.
لكن دلوقتي…
بقت
حقيقة.
فجأة، صوت تكسير جه من ورا الصناديق.
التفت بسرعة.
لقيت درج خشب اتزحلق ووقع، وظهر تحته شنطة جلد قديمة.
منال بصت لها واتغيرت ملامحها لأول مرة: "لا… ده المفروض ما يتفتحش."
جريت ناحيتها بسرعة، بس أنا كنت أسرع.
مسكت الشنطة.
وفتحتها.
جواها…
ملفات باسم "كريم حسن عبد الرحيم".
ملف قضية… وتسجيلات صوت… وإقرار مكتوب بإيد أبوي.
وقبل ما أستوعب اللي بشوفه…
جملة واحدة في آخر ورقة خلت الدنيا تلف بيا:
"لو كريم عرف الحقيقة… كل اللي اتبني هينهار."
رفعت عيني بصعوبة…
ولقيت منال بتبصلي لأول مرة بخوف حقيقي.
وقالت بصوت منخفض: "مش قلتلك يا كريم… إنت مش مجرد ابن حسن… إنت سبب كل اللي حصل."وقفت مكاني… الشنطة في إيدي بتتقيل كأنها مليانة نار مش ورق.
كلام منال كان بيتكرر في دماغي: "إنت سبب كل اللي حصل…"
هزيت راسي: "إنتِ كدابة… أنا دخلت السجن ظلم!"
منال ردت بسرعة لأول مرة، صوتها اتكسر: "ظلم؟ حسن هو اللي قال يدخلوا ابنك اللعبة دي من غير ما يفهم حاجة!"
اتجمدت.
"ابني؟ أنا معنديش…"
وسكت فجأة.
كأن كلمة "ابني" نفسها خبطت في حاجة مقفولة جوايا.
منال قربت من الشنطة وقالت بهدوء أخطر من الصراخ: "افتح التسجيل… واسمع بنفسك."
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع جهاز تسجيل قديم
من جوه.
ضغطت زر التشغيل.
صوت أبي… حسن… جه وهد المكان:
"لو التسجيل ده اتفتح، يبقى كل حاجة خرجت عن السيطرة…"
سكت لحظة، وبعدين كمل: "كريم مش ابني الحقيقي… بس هو الوحيد اللي أقدر أثق فيه."
الدنيا سكتت.
أنا… مش ابنه الحقيقي؟
بصيت لمنال: "إيه الكلام ده؟!"
ردت وهي بتبعد خطوة: "اتبدلت وإنت صغير… عشان نحميك."
قلبى وقع.
التسجيل كمل:
"الناس اللي كنت شغال معاهم زمان كانوا هيمسحوا أي حد يقرب من الحقيقة. فقررت أخفيك وسطهم… لحد ما تكبر وتبقى بعيد عنهم."
فجأة كل الصور رجعت في دماغي… طفولة مش واضحة… ناس بتغير أماكني… أسماء مش فاكرها.
كل حاجة كانت بتتجمع بشكل مرعب.
التسجيل خلص بجملة أخيرة:
"لو وصل لك الكلام ده… يبقى الوقت جه تعرف مين اللي باعني… ومين اللي حاول يخلص عليك وإنت طفل."
سكون.
بصيت لمنال بصوت مكسور: "إنتِ… كنتِ عارفة؟"
منال سكتت.
سكون طويل.
وبعدين قالت: "كنت عارفة… بس مش كل الحقيقة."
قبل ما أتكلم…
نور المخزن قطع تاني.
بس المرة دي الباب ما اتقفلش…
لا.
الباب اتكسر من بره.
وصوت رجالة دخل بسرعة:
"إيدكوا فوق!"
التفت.
رجالة شرطة.
بس واحد فيهم بصلي نظرة مختلفة… نظرة عارفني كويس.
وقال: "كريم… أخيراً لقيناك."
وقبل ما أستوعب…
قال الجملة اللي كسرت
كل اللي قبلها:
"القضية اتفتحت من تاني… واسمك مش متهم… اسمك شاهد أساسي… وضحية في أكبر ملف فساد اتقفل من 15 سنة."

تم نسخ الرابط