لما خرجت من السجن
لما خرجت من السجن… ما كنتش حاسس إني خارج للحياة، كنت حاسس إني داخل على حاجة أصعب.
أول حاجة عملتها إني ركبت أول مواصلة رايحة على الحي اللي فيه بيت أبويا "حسن". طول السنين اللي فاتت جوه السجن، البيت ده كان هو الحاجة الوحيدة اللي ماسكاني وماخلّينيش أنهار.
كل خطوة وأنا ماشي ناحية البيت كانت بتسحب مني نفس.
لما قربت… شفت السور زي ما هو، بس فيه حاجة غلط.
الباب لونه متغير… والعربية اللي في الحوش مش عربية أبويا.
وقفت ثواني… وبعدين خبطت.
إيدي كانت بتترعش.
الباب اتفتح…
ووقفت قدامي "منال" مرات أبويا.
بصتلي من فوق لتحت، كأني غريب، وقالت ببرود: "حسن اتدفن من سنة… والبيت ده بقى بتاعنا دلوقتي."
الكلمة نزلت عليّا كأنها طعنة.
ما قالتش حتى كلمة تعزية… ولا حتى سابتلي فرصة أتكلم.
قفلت الباب في وشي.
وقفت مكاني مش مستوعب… كأن السجن لسه مكمل بس شكله اتغير.
بعد وقت، رجلي خدتني من غير ما أحس لحد المقابر.
كنت لازم أشوف قبره… لازم أتأكد إنه فعلاً راح.
دخلت المقابر وقلبى بيدق بسرعة، لكن قبل ما أكمل، وقف قدامي الحارس "عم رجب".
بصلي وقال بهدوء: "بلاش تدور على القبر يا ابني."
اتخضيت وقلت: "يعني إيه الكلام ده؟!"
قرب مني وقال: "هو مش هنا… ووالدك سابلك ده."
ومد إيده بظرف قديم باين عليه إنه متبهدل من كتر ما اتخفى واتفتح.
مسكته بإيدي المرتعشة…
ولما شفت التاريخ اللي عليه، حسيت الدنيا بتلف بيا.
قبل خروجي من السجن بـ 3 شهور…
فتحت الظرف بسرعة.
جوا رسالة ومفتاح صغير عليه رقم مخزن.
قلبي وقع وأنا بقرأ أول سطر…
حسن كان عارف إنه بيموت… بس كاتب كل حاجة كأنه بيعيش لسه.
وكتب إنه قرر يختفي ويدفن نفسه بعيد عن الكل، حتى منال وابنها "سامي"، عشان محدش يتحكم في اللي سابه.
وبعدين كتب جملة غريبة خلت دمي يتجمد:
"كل الحقيقة اللي إنت عايزها… في المخزن ده."
وقفت قدام بوابة المقابر، ماسك المفتاح والظرف…
وحاسس إن اللي جاي مش وداع… ده بداية حاجة أخطر بكتير من الموت نفسه.وقفت قدام بوابة المقابر، والمفتاح في إيدي تقيل كأنه بيشدني ناحية حاجة أنا مش عايز أشوفها.
عم رجب الحارس بصلي وقال بهدوء: "لو أبوك سابلك رسالة في المخزن… يبقى لازم تروح دلوقتي، قبل ما حد يعرف إنك رجعت."
بصيتله بصدمة: "حد يعرف؟ هو أنا مين ممكن يكون مهتم بيا؟"
هز راسه وقال: "اللي خد البيت…
الكلام دخل دماغي زي السكينة.
ما سألتش أكتر… ومشيت.
المخزن كان في آخر الشارع، باب حديد قديم، عليه رقم مطابق للمفتاح.
كل خطوة ناحية هناك كانت بتخلي قلبي يدق أسرع.
وقفت قدام الباب.
حطيت المفتاح في القفل…
تكة واحدة بس.
الباب اتفتح ببطء كأنه بيطلع نفس قديم محبوس جواه.
ريحة تراب ورطوبة ضربت وشي.
نورت كشاف الموبايل ودخلت.
جوا كان فيه صناديق خشب متكومة… وأوراق… وملف كبير عليه اسم:
"حسن عبد الرحيم"
اتجمدت.
ده اسم أبويا.
فتحت الملف بإيد مرتعشة…
جواه مستندات، صور، وعقود قديمة.
لكن اللي شدني أكتر… ورقة مكتوب فيها بخط إيده:
"لو وصلت هنا، يبقى منال بدأت تتحرك."
قفلت عيني لحظة.
منال… مرات أبويا.
ست عمري ما تخيلت إنها ممكن تبقى في الصورة بالشكل ده.
كملت قراءة…
"البيت مش كان بيت عادي… ده كان عليه ديون كبيرة باسمي، ولو ظهرت الحقيقة، كان هيتم حجزه. منال عرفت ده قبلي بوقت، وقررت تاخد كل حاجة بعد موتي."
رجلي بدأت تهتز.
يعني البيت ما اتسرقش… ده كان مخطط.
لكن اللي صعقني أكتر…
كنت لاقي ورقة تانية مكتوب فيها:
"سجنك ما كانش صدفة… في حد وراك
رفعت راسي بسرعة، كأني سامع صوت حد بره المخزن.
قلبى وقف.
مين ورايا؟
ومين اللي دخلني السجن… وأنا فاكر طول الوقت إني لوحدي؟
فجأة…
نور المخزن قطع.
الباب اتقفل من بره.
وصوت مفتاح بيتلف في القفل…
وقف كل حاجة جوايا.
حد كان بيراقبني.
وحد دلوقتي…
عرف إني وصلت للحقيقة.وقفت في الضلمة لحظة… مش قادر أتنفس.
صوت المفتاح وهو بيتلف في القفل كان كفيل يخلّي دمي يتجمد.
حاولت أفتح الباب بإيدي… مقفول من بره بإحكام.
خبطت: "افتح! مين هناك؟!"
مفيش رد.
بس سمعت خطوات بتمشي برا المخزن… ببطء… كأن اللي واقف مستني يسمعني وأنا بتخض أكتر.
رجعت لورا خطوتين، وقلبي بيدق بسرعة مش طبيعية.
نورت كشاف الموبايل تاني وبصيت حواليّ.
الصناديق… الملفات… وكل حاجة دلوقتي باين عليها إنها مش مجرد أوراق… دي حياة كاملة متخبّية.
عينى رجعت على الملف.
في ورقة كانت لسه ما قرأتهاش.
فتحتها بسرعة.
"لو المخزن اتقفل عليك… يبقى منال عرفت إنك رجعت. وهي مش هتسيبك تخرج بسهولة."
بلعت ريقي بصعوبة.
يعني هي فعلاً عارفة.
مش صدفة.
مش خوف.
ده فخ.
فجأة سمعت صوت خبط خفيف على الباب من بره.
"إنت فاكر نفسك كده
الصوت كان ست…
منال.
اتجمدت مكاني.
كملت وهي بتتكلم بهدوء غريب: "حسن كان فاكر إنه أذكى مننا…