اسمي عاصم

لمحة نيوز

منه من شوية. وقتها بس فهمت إنهم ممكن يكونوا راجعين.
اتجمدت مكاني لحظة وبصيت ناحية الطريق، نور العربية كان بيقرب، ومفيش وقت أفكر، مسكت الراجل من كتفه وحاولت أرفعه، كان تقيل ومش قادر يقف على رجله، بس مكنتش أقدر أسيبه، سندته بالعافية وجرجرته بعيد عن الحفرة ناحية الزرع اللي جنب الترعة، دخلناه جوه الغيط واستخبينا ورا زرع القصب، نور العربية وقف قريب جدًا من المكان، وسمعنا صوت باب العربية وهو بيتفتح، واحد منهم قال بحدة أنا قولتلكوا كان في حد هنا، في حاجة مش مظبوطة، والمصيبة انهم شافوا الحفرة، اتحركوا بسرعة ناحيتها، وأنا واقف حابس نفسي بإيدي عشان مايتسمعش، الراجل اللي معايا كان بيحاول يتنفس بالعافية، قربت من ودنه وقلت له اسكت خالص مهما حصل، خطواتهم قربت من الحفرة، وفجأة واحد فيهم شتم وقال الحفرة مفتوحة! في حد كان هنا، ساعتها قلبي وقع، راجل منهم قال دوروا حواليكم، اللي عمل كده لسه مبعدش عن هنا، سمعت صوت خطوات داخلة ناحية الغيط، القصب حوالينا بدأ يتحرك، وأنا عارف إنهم لو دخلوا أكتر هيلاقونا، بصيت للراجل لقيته بيبصلي بخوف، ساعتها خدت قرار من غير تفكير، سيبته بهدوء على الأرض وقولت له ماتتحركش وغطيتة بعشب
القصب، وخرجت من مكاني وجريت الناحية التانية من الغيط، واحد فيهم شافني وقال بصوت عالى استنى عندك! وجري ورايا، والباقي جري وراه، وأنا بجري بكل قوتي ومش شايف قدامي من الضلمة، كنت عارف إنهم لو مسكوني يبقى انتهيت، بس في نفس الوقت كنت متأكد إنهم سابوا الراجل ورايا، وبعد دقايق جري دخلت في سكة ضيقة بين البيوت وفضلت مستخبي لحد ما صوتهم بدا يختفى، فضلت قاعد على الأرض بانهج ومش مصدق إني نجيت، لكن الحقيقة إن اللي حصل بعدها هو اللي خلاني أسيب قرية الزمهرير كلها لأن الراجل اللي أنقذته في الليلة دي ماكانش شخص عادي خالص.
رجعت البيت ساعتها وأنا جسمي كله بيرتعش، قفلت الباب ورايا كويس وسندت ضهري عليه، كأني بحاول أتأكد إن اللي حصل كله خلص. لكن الحقيقة كان لسه بيبدأ.
قعدت طول الليل مش عارف أنام. كل شوية أفتكر وش الراجل وهو بيقولّي اهرب وصوته وهو مدفون تحت التراب. ومع أول ضوء للفجر، قررت أرجع للغيط. كنت عايز أتأكد هل هو لسه عايش؟ ولا اللي حصل ده كله انتهى؟
خرجت بدري جدًا قبل ما حد يصحى، ومشيت ناحية الترعة وقلبي بيدق زي الطبول. لما قربت من الغيط، الدنيا كانت هادية بشكل غريب هدوء يخوف.
دخلت وسط القصب بنفس المكان اللي
سيبته فيه.
بس ماكنش فيه حد.
وقفت مكاني، وبصيت حواليّا بسرعة مفيش أي أثر. لا دم، لا أثر سحب، ولا حتى علامة إنه كان موجود. كأن الأرض بلعته.
أنا كنت متأكد إني سيبته هنا متأكد.
لفيت عشان أمشي لكن ساعتها سمعت صوت ورايا
استني
الصوت كان واطي لكنه واضح.
لفيت ببطء وقلبي كان هيقف.
كان هو.
واقف ورايا.
لكن مش بنفس الشكل.
الراجل اللي شلته بإيدي امبارح، اللي كان مش قادر يتحرك كان واقف دلوقتي على رجله عادي جدًا. هدومه لسه مليانة تراب، لكن جسمه مستقيم وعينيه كانت غريبة.
غامقة بشكل مش طبيعي.
بصلي وقال بهدوء أنا قولتلك اهرب ليه رجعت؟
لساني اتربط، ومقدرتش أرد.
قرب مني خطوة وأنا غصب عني رجعت لورا.
قال إنت مش فاهم إيه اللي دخلت نفسك فيه.
بلعت ريقي بالعافية وقلت أنا أنقذتك.
ابتسم بس كانت ابتسامة غريبة، مفيهاش راحة.
وقال أنقذتني؟ ولا خرجت حاجة كان لازم تفضل مدفونة؟
الكلمة دي خبطت في دماغي زي الصاعقة.
تقصد إيه؟
بص حواليه كأنه بيتأكد إن مفيش حد، وبعدين قرب مني أكتر وقال بصوت أوطى الستة اللي شفتهم ماكانوش بيدفنوا راجل كانوا بيدفنوا مصيبة.
ساعتها حسيت برجلي بتتهز.
إيه مصيبة؟
سكت شوية وبعدين قال أنا مش من هنا.
قلتله يعني
إيه؟ منين يعني؟
رفع عينه وبصلي نظرة عمري ما هنساها وقال مش من أي مكان تعرفه.
الهواء حواليّا بقى تقيل.
كنت حاسس إن في حاجة غلط حاجة مش طبيعية خالص.
وفجأة سمعنا صوت ناس جاية من بعيد.
هو بص ناحية الصوت، وبعدين رجع بصلي بسرعة وقال اسمعني كويس الليلة دي ماخلصتش ودي مش آخر مرة تشوفني.
وقبل ما ألحق أرد
اختفى.
أيوه اختفى.
قدامي كده في ثانية.
كأنه ماكانش موجود أصلاً.
وقفت مكاني مش قادر أتحرك، وببص حواليّا زي المجنون. مفيش حد.
لكن الصوت اللي كان جاي قرب.
صوت نفس الرجالة.
اختبيت بسرعة، وشفتهم بيعدوا من جنب الغيط، بيدوروا، ووشوشهم متعصبة.
واحد فيهم قال مش هيسيب القرية لازم نلاقيه.
التاني رد ولو اللي خرج رجع تاني؟
الأول سكت لحظة وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
ساعتها ولا واحد فينا هيعيش.
بعد اليوم ده ماستحملتش أقعد.
سيبت قرية الزمهرير في نفس الأسبوع، ونزلت القاهرة وقررت أبدأ حياة جديدة.
لكن المشكلة
إن الحاجة دي ما سابتنيش.
بعد سنين وأنا قاعد في شقتي لوحدي هنا في القاهرة في ليلة عادية جدًا
سمعت نفس الصوت.
ورايا.
فاكرني؟
ولما لفيت
كان واقف هناك.
بنفس العيون.
ونفس الابتسامة.
وقال الدور جاي عليك يا عاصم
ولو
فاكر إن القصة خلصت هنا
يبقى لسه ما سمعتش الحقيقة كلها.

تم نسخ الرابط