رهـن كـرامه.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

 مانمش ولا دقيقة، وشه مخطوف، وقميصه مبهدل، وعينيه منفوخة زي الرجالة لما بيحبسوا دموعهم بالعافية عشان ميبانوش ضعاف. وقف قدامي ثانية واحدة، باصص لي وكأنه خايف يسأل نفسه: "هل لسه ليا حق أقولك يا أمي؟".
أول كلمة نطقها كانت: "أنا حقك عليا.. أنا آسف يا أمي".
وسعت له الطريق ودخلته.
"محسن" جوزي كان في المطبخ، ماسك الجرنان وعمال يقرأ في نفس الصفحة للمرة التالتة من غير ما يقلبها. شريف قعد قدامنا وحكى كل حاجة. ريهام كانت مخلصة ليميت فيزتين مشتريات، وشريف مكنش يعرف عنهم حاجة أصلاً. سحبت منهم كاش، وتأخرت في السداد، لحد ما بتوع التحصيل بدأوا يطاردوها بالتليفونات في الشغل. راحت رهنت الخاتم عشان تجيب قرشين تسكتهم، وكانت فاكرة إنها هتعرف تفكه وترجعه قبل ما شريف ياخد باله. بس لما لقت شريف هيبدأ يفتح عينه

ويسأل، احتاجت حركة "شوشرة" تلهيه.. فعملت الفيلم ده.
شريف قال وهو باصص في التربيزة ومكسوف يرفع عينه: "بتقول إن اتهامك كان منطقي عشان إنتي كنتِ فوق.. كأن ده مبرر للي عملته!".
محسن جز على سنانه وقال له: "وطيب وإذلال أمك قدام العيلة كلها؟ ده مبرر لإيه؟".
شريف بلع ريقه بصعوبة وقال: "بتقول إنها كانت "مرتبكة"".
الكلمة دي نزلت علينا زي الشتيمة.
الناس دايماً بتهرب لكلمة "ارتباك" لما بيبقوا محتاجين وصف أرق شوية من كلمة "جبروت". بس الارتباك ده مخلهاش تتهز وهي باصة في عيني وأنا بفتش شنطتي حتة حتة، ولا خلاها تعتذر لما ملقيتش حاجة، ولا منعها إنها تسيب الشك ياكل فيا وتخليني أروح بيتي مكسورة.
سألته: "وناوي تعمل إيه يا شريف؟".
شريف رفع عينه، ولأول مرة من الصبح شفت في نظراته حسم مش متعودة عليه، وقال: "قلت لها
تلم هدمها وتروح عند أهلها.. وكلمت المحامي".
محسن رجع بضهره لورا على الكرسي وطلع نهد طويل، مكنش نهد راحة على قد ما كان نهد "خلاص مفيش راجع". فيه حقايق بتبقى قبيحة لدرجة إنها مابتسيبش قدامك أي حل تاني غير البتر.
ريهام حاولت تصلح اللي هببته طبعاً. اتصلت بيا مرتين تلاتة، مديتش فرصة لنفسي أرد. سابت لي رسالة صوتية واحدة وهي بتعيط ومنهارة، بتقول إنها كانت مضغوطة وخايفة تخسر كل حاجة. ويمكن يكون ده حقيقي، بس اللي بيخاف بجد بيفكر مية مرة قبل ما يجر شخص بريء معاه للنار. ريهام مفكرتش.. شاورت عليا بصباعها وسابتني أتحرق لوحدي.
الطلاق تم بسرعة وبدون شوشرة كتير. شريف بنفسه حكى للعيلة الحقيقة كلها، من غير تجميل ولا محاولة لستر صورتها. وفي أول لمة عيلة بعدها، محدش جاب سيرتها بكلمة، بس الفراغ اللي سابته كان كفيل
يقول كل حاجة. الثقة لما بتكسر قدام الناس، عمرها ما بترجع لشكلها القديم أبداً.
لحد النهاردة شريف لسه شايل ذنب إنه موقفش المهزلة دي من أولها. وأنا كل مرة بقوله نفس الكلمة: "يا ابني الحب ممكن يعمي القلوب الطيبة، بس العَمى مش موافقة على الغلط. المهم إنت عملت إيه لما شفت الحقيقة أخيراً بعينك".
لسه فاكرة تقُل الشنطة في إيدي، والسكوت اللي كان مالي الصالة، وإزاي الشك ممكن يلطخ البراءة ولو للحظة. بس دلوقتي فاكرة حاجة تانية كمان: "الحق ممكن يتأخر، بس لما بيظهر بيقلع كل الوشوش المزيقة".
لو الحكاية دي لمست قلبك، فكري بصدق: لو حد من أهلك اتهموه قدام الناس، هتدافعي الأول وبعدين تشوفي الحقيقة، ولا هتتجمدي زي ما شريف عمل؟ قوليلي رأيك، لأن أصعب الخيانات مش بس في الكدب اللي بنقوله، لكن في "السكوت" اللي بنسيب الكدب
بسببه يعيش.

تمت

تم نسخ الرابط