حماتي كانت فاكرة
حماتي كانت فاكرة إن ليها الحق في كل حاجة أول ما مدّت إيدها على بنت جوزها… وبعدها على مرات ابنها…
وابنها قال: " سوء تفاهم " .....
إيناس كانت واقفة بتظبط برواز لوحة في الجاليري بتاعها.. لوحة لمنظر طبيعي رسمها فنان عبقري ومغمور من القرن 19 ؛ ضباب تقيل فوق مستنقع، مرسوم بدقة تخليك تحس ببرودة الندى على جلدك...
المحل بتاعها كان زي علبة قطيفة مليانة أسرار، ريحته ورق قديم ولافندر.. ده كان عالمها الخاص، جزيرة هادية وسط محيط من طمع البشر....
جرس الباب رن، بس مكنتش رنة مبهجة، كانت رنة مكتومة وتعبانة. دخل "تامر"، كتافه تحت قميصه الرمادي كانت منحنية أكتر من العادي، كأن الجاذبية بتسحبه لتحت لوحده. تامر كان بيدرس تمويل وتجارة، مش برغبته، دي كانت رغبة والدته اللي شايفة إن الفلوس لازم "تتلزق" في الإيد، مش تتدلق زي الألوان......
حصـري على صفحة روايات و اقتباسات
قال بصوت مطفي وهو باصص لجزمه:
"عايزينا هناك.. عازمينا على العشا. بابا قال مفيش أعذار مقبولة."
إيناس حست برعشة في ضهرها. زيارات بيت عيلة جوزها في "الفيلا" كانت دايما أشبه بجلسات تعذيب متنكرة في صورة عزومة غدا.
سألته وهي بتقلع مريلة الشغل:
"هيبدأوا تاني يقولوا إن شغلي ده مجرد لعب عيال؟"
"أوضاع أصعب يا إيناس.. الحج 'إسماعيل' قرر
"مستحيل.. ده مش هيحصل أبدًا."
"عارف يا إيناس ، بس أنتي عارفة الحج إسماعيل.. مبيسمعش كلمة 'لأ'.. بالنسبة له 'لأ' دي مجرد بداية للمساومة."
تامر كان باين عليه الإرهاق. كان إنسان طيب، مثقف، ومحترم.. بس قدام أبوه شخصيته ضعيف . أهله، إسماعيل وهانم، كانوا من نوعية تانية خالص.. ناس مبيعرفوش غير الأبيض والأسود. التعليم عندهم مجرد آلة لعد الفلوس، والثقافة ديكور ملوش لازمة.
إيناس قالت بحزم وهي بتقفل الخزنة:
"هنروح.. بس عشان أحط النقط على الحروف. مش هسمح لحد يمشيلنا حياتنا."
مكتنش تعرف إن الليلة دي هتكون الفصل الأخير في تاريخ العيلة اللي كانت فاكرة إنها عارفاها.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
الطريق لفيلا الحج إسماعيل خد ساعة. بيت ضخم، مبالغ فيه، كأنه حصن متغطي بكرانيش جص بدأت تتقشر.. بيت بيصرخ "أنا غالي" بس ملوش روح. في الجنينة كانت في "تكعيبة" خشب كبيرة كأنها قاعة عرش....
العيلة كلها كانت هناك. الحاج إسماعيل قاعد في صدر التربيزة الطويلة رغم برودة الجو. راجل ضخم، وشه أحمر، شبه تاجر شايف إن العالم كله سوقه الخاص. وجنبه "هانم"، زي كلب حراسة وفيّ.. وشها المتداري تحت طبقات مكياج تقيلة كان بينطق بالهجوم.
والباقي كمان حضروا:
"ليلى" أخت تامر، نسخة طبق الأصل من أمها بس على أصغر وأشر؛ جوزها اللي كان خايف يفتح بقه؛ و"سلوى" - بنت الحج إسماعيل من جوازته الأولى....
سلوى كانت عايشة في البيت كأنها "خدامة" بلقمة هنية. باهتة، لابسة فستان قديم، بتتحرك حوالين التربيزة ترص الأطباق وهي بتحاول تكون غير مرئية.
وعلى جنب، جنب شجر الياسمين، كان قاعد "عمي منير" - أخو الحج إسماعيل. راجل هادي، دايمًا ببالطوه القديم، وكان يعتبر "فشل العيلة". إسماعيل كان سايبه حواليه كديكور عشان يبان هو أعظم منه.....
بقلم منــي الـسـيد
بصوت عالي ومن غير ما يقوم، زعق إسماعيل: "أهلاً باللي شرفوا! كنت فاكركم تهتوا في الطريق. اقعدوا.. ورانا كلام."
إيناس قعدت، وهي حاسة بخوف لزج بيتحول للاحتقار بارد. التربيزة كانت غرقانة أكـل:
لحـوم دسـمة، و سلطـات، أصـناف غاليـة.. كل حاجـة كـانت بتصـرخ "فـلوس" وبتهمـس "فـراغ".
إسماعيل شاور بالشوكه لتامر وقال: "هتفضل قاعد طول الوقت تذاكر وتضيع وقتك في الكتب؟ أنا محتاجك حد يمسك الحسابات والشحن...كفاية تمثيل دور المثقف ده."
تامر رد بصوت واطي: "هاخد الشهادة الأول يا بابا."
ضحكت هانم بحدة:
"شهادة! الورقة دي بليها واشرب ميتها . ما إيناس معاها شهادة برضه، عملت لها
ليلى ضحكت من ورا إيديها المتقلمة ببرود.
إيناس قالت بهدوء: "إحنا مش هنا عشان نناقش تعليمي."
إسماعيل بطل أكل وبص لمرات ابنه بنظرة تقيلة زي الرصاص: "في البيت ده، كل حاجة بتتناقش لو أنا قررت. أنتي تحت سقفي.. كلي اللي بيتحط قدامك واسمعي لما نكلمك."
وتر مشدود على آخره
الكلام اتحول بسرعة للبزنس. إسماعيل أعلن إنه بيوسع أسطول العربيات ومحتاج سيولة.
قال ببرود: "إحنا قيمنا المحل بتاعك يا إيناس.. موقعه في وسط البلد يسوى مبلغ حلو. بيعيه وحطي الفلوس في الشغل بتاعي. هرجعهم لك بعد سنة، بفوائدهم.. يمكن."
إيناس قالت وكل كلمة طالعة منها محددة:
"مش هبيع المحل. ده شغلي، وحياتي. والفلوس اللي اتبنى بيها كانت من أهلي، مش منك."
أول ما جابت سيرة أهلها، وش إسماعيل اتلوى كأنه داق لمونة مخللة: "أهلك؟ المهندسين الشحاتين؟" وتف في الأرض. "سابوا لك إيه غير المنظرة؟ ماتوا وسابوا لك ديون وكوام ورق. أنا كبير العيلة دي، وأنا اللي بقرر مواردها تروح فين."
إيناس ردت وهي بتضغط على إيديها تحت التربيزة:
"أنت مش عيلتي لو فاكر إن السرقة نوع من أنواع التربية."
هانم صرخت: "اسمعوا البرنسيسة! لميناها وأكلناها وكمان بتطول لسانها!"
في اللحظة دي، سلوى وهي بتبدل طبق السلطة، كوعها