بحلول الوقت

لمحة نيوز

بحلول الوقت اللي اتقطع فيه الروست واتوزع، كانت حفلة العشا وصلت للمرحلة الخطيرة من الأناقة… المرحلة اللي كل واحد فيها بيبقى متأنق لدرجة تخليك تحس إن مستحيل يحصل أي منظر قبيح في المكان.
قصر عيلة هارتويل كان معمول أساسًا علشان الوهم ده.
القصر واقف على تلة فوق المدينة، شبابيكه كلها منورة، والحجر المنحوت حوالينه، والتراسات الطويلة مضاءة بفوانيس الشتاء اللي مديّة لون دهبي هادي.
جوه، أوضة السفرة كانت شبه مكان التاريخ نفسه متوظف فيه علشان يتصرف بأدب. مرايات طويلة بتعكس النجف في طبقات، والفضة بتلمع تحت ضوء الشموع. الترابيزة المصنوعة من الماهوجني كانت طويلة جدًا لدرجة إنها تقريبًا مالية الأوضة، ومتجهزة بأطباق مرسومة بإيد، وكاسات كريستال، وورد أبيض صغير ريحته فخمة.
الضيوف لابسين مخمل وحرير وبدل سموكنج، وبيتكلموا ويتنقلوا بين الأطباق بثقة ناس متعودة إن الخدمة توصلهم قبل حتى ما يطلبوا.
على رأس الترابيزة كان قاعد أدريان هارتويل، ملياردير ومستثمر كبير وصاحب شركات شحن.
النوع اللي المجلات بتوصفه بـ"الرجل الصارم"، وهي في الحقيقة بتقصد إنه بيخوف مجالس الإدارة والمنافسين… وأحيانًا عيلته كمان.
عنده 49 سنة، عريض الكتفين، وشعره بدأ يشيب من الجنبين، وعنده نوع من الصمت يخلي اللي حواليه يتكلموا أكتر من اللازم.
جنبه كانت مراته

سيليست هارتويل، لسه جميلة… بس جمال حاد، لامع، زي جمال الستات اللي قضوا سنين بيحولوا القلق اللي جواهم لهيبة وأناقة.
فستانها الأخضر الزمردي كان بيلمع مع ضوء الشموع كل ما تتحرك.
ألماسها يوحي إن في احتفال.
لكن ابتسامتها توحي إنها بتراقب كل حاجة.
العشا كان معمول علشان الاحتفال بقطعة فنية جديدة للمتحف، رغم إن محدش في القعدة دي ساذج لدرجة يصدق إن العمل الخيري هو السبب الوحيد للّيلة دي.
كان موجود أمناء المتحف، وزوجة سيناتور، ووريثة دار نشر، وأخو أدريان الصغير فيكتور ومراته ماريان، وثلاثة شركاء استثمار… الناس اللي بتتفرج على المشاكل العائلية زي ما الناس بتتفرج على العواصف من على يخت — مهتمين، مستمتعين شوية، ومتأكدين إنها غالبًا هتصيب حد غيرهم.
وفجأة… دخلت الخادمة وهي لابسة معطف فرو.
اسمها نورا بيل.
عندها 24 سنة. هادية، وجميلة بطريقة مش ملفتة بشكل متعمد. ولسه صغيرة جدًا علشان تفهم قد إيه بيوت الأغنيا ممكن تنقلب فجأة على أضعف شخص فيها لو حصل إحراج.
كانت شغالة في بيت هارتويل بقالها خمس شهور بس.
مدة كفاية إنها تعرف فين السيد هارتويل بيحب ملفات الشغل تتحط، وإزاي الست هارتويل بتحب الشاي، وإزاي الخدم القدامى بينبهوا بعض للخطر من غير كلام.
أول درس في البيوت دي:
خليك مفيد.
خليك ساكت.
وعمر ما تبان إنك تستاهل حاجة جميلة.

علشان كده… المعطف خلّى الأوضة كلها تسكت.
كان فرو ثعلب أبيض، طويل لحد الأرض، بيلمع تحت ضوء الشموع.
نوع الفرو اللي مش بس يدل على الفلوس… ده يدل على فلوس بتحب تتشاف.
كان شكله غريب جدًا فوق فستان خدمة أسود.
المفروض يبقى في دولاب خاص، أو على كتف ست بتنزل من عربية بسواق… مش على جسم خادمة شايلة صينية كونياك.
أول واحدة لاحظته كانت ماريان.
نزلت كاس النبيذ من إيدها وبصت بذهول.
وقالت:
"يا إلهي…"
وده كان كفاية.
الرؤوس اتلفتت.
الكلام خف.
كل العيون اتجمعت على نورا.
نورا وقفت مكانها تلقائيًا.
في نفس اللحظة… سيليست رفعت عينيها.
ثانية واحدة بس كانت بتبص.
وبعدين… وشها اتغير.
مش بانفجار.
بالعكس… اتشد، وبقى أبرد وأحدّ. كأن كل الإهانات الصغيرة اللي ابتلعتها سنين لقت فجأة لبس تلبسه.
حطت الشوكة على الترابيزة بهدوء شديد.
وقالت:
"نورا."
الأوضة سكتت أكتر.
نورا بلعت ريقها:
"نعم يا مدام؟"
سيليست قالت بهدوء:
"اقلعي المعطف ده."
ولا حد اتحرك.
نورا اتفاجئت:
"مدام؟"
صوت سيليست فضل ناعم… وده خلاه أسوأ:
"قلت اقلعيه."
فيكتور اتحرك في كرسيه.
أحد الأمناء بص في طبقه.
ماريان فتحت بقها، حاسة إن فضيحة جاية ومش عارفة تخاف ولا تستمتع.
أدريان لسه ما اتكلمش.
كان قاعد ساكت جدًا، باصص لنورا.
والصمت اللي حواليه كان تقيل.
نورا حطت الصينية على الكومود
بإيدين بتترعش.
وقالت:
"أنا آسفة يا مدام… أنا اتقالي—"
سيليست ضحكت ضحكة قصيرة بدون أي مرح:
"اتقالي؟ مين قالك؟ خدامة تانية عندها أوهام؟ ولا إحنا دخلنا مسرح تنكري؟"
وش نورا احمر:
"ما قصدتش قلة احترام."
سيليست قالت:
"قلة احترام؟ إنتي دخلتي أوضة سفرتي، في بيتي، في نص حفلة العشا، لابسة معطف تمنه أكتر من مرتبك في سنة… وبتقولي المشكلة احترام؟"
الضيوف ساكتين.
مش بدافع الأدب… لكن لأن الأغنيا لما يبدأوا يفضحوا بعض، السكوت بيبقى أفضل مكان للجلوس.
نورا قبضت إيديها:
"مدام هارتويل… لبسته بس علشان—"
سيليست قاطعتها:
"اقلعيه."
وبصوت أعلى:
"هنا. قدام الكل. إلا لو نسيتي إنك خدامة."
الكلمة وقعت قاسية… علشان الجمهور موجود.
الإهانة العلنية مش دايمًا عن اللبس.
هي عن إعادة ترتيب الطبقات الاجتماعية قدام الناس.
نورا بصت فجأة… ناحية أدريان.
وده كان أسوأ شيء ممكن يحصل.
سيليست شافت النظرة… وقامت من كرسيها فورًا.
وقالت بهدوء خطير:
"آه… كده فهمت."
الأوضة كلها تقريبًا وقفت تتنفس.
علشان اللي حصل دلوقتي بقى أخطر بكتير.
سيليست فهمت النظرة كأنها معرفة… مش مجرد استنجاد.
قربت من نورا.
وقالت:
"اقلعي المعطف… أو هخلّيه يتشال منك."
نورا وشها بقى أبيض.
البَتلر العجوز عند الباب اتحرك خطوة… وبعدين وقف.
الخدم عارفين الخط ده.
تعديه = تخسر شغلك.

ما تعديهوش = تتفرج على حد تاني بيتذل.
سيليست مدت إيدها تمسك ياقة المعطف.
وفي اللحظة دي…

تم نسخ الرابط