رجعت من السفر
رجعت من السفر لقيت جوزي وحماتي راميلي ورقة: "خليكي مع الكركوبة الخرفانة دي".. والجدة همست لي: "ساعديني أنتقم.. هما ميعرفوش أنا مين بجد!"
لما رجعت من مأمورية شغل في "إسكندرية"، وريحة السفر لسه في لبسي ودماغي فيها ألف خطة عشان أحضن جوزي "خالد" وأرتاح من المشوار.. لقيت الشقة هادية هدوء يقبض القلب. جريت شنطتي في الطرقة، ولمحت ورقة ملزوقة بلزق سوليتب على نيش الصالة.
كان خط جوزي "خالد" بس الكلام كان طالع من لسان أمه "الحاجة فوزية":
"خليكي مع الكركوبة الخرفانة دي واهتمي بيها.. إحنا خلعنا ومسافرين المصيف."
من غير إمضاء، ومن غير أي كلمة تانية. جملة مكتوبة بقلم جاف وتحتها مية خط، كأن كل خط فيهم طعنة في صدر الست الغلبانة اللي جوه. حسيت بنار ولعت في قلبي، ومعاها كسوف من قسوة جوزي وأمه.
— "يا تيتة دولت؟" ناديت بأعلى صوتي.
محدش رد. التلفزيون مطفي، والمطبخ مبهدل، وكوباية فيها بواقي لبن مركونة والذباب ملموم عليها. ريحة كمكمة طالعة من آخر الطرقة،
فتحت الباب.. الست دولت كانت مرمية على السرير، ساندة بظهرها على مخدات هبطانة وريحتها وحشة. الملاية كان عليها بقع، وشكلها كان شاحب قوي، شفايفها بيضاء وناشفة، بس عينيها.. عينيها كانت صاحية ومركزة لدرجة تخوف، مش عين واحدة "خرفانة" زي ما هما بيأكدوا لي ليل نهار. صوت تزييق ونهجة طالع من صدرها بالعافية.
— "يا ساتر يا رب!" همست برعب.. "تيتة دولت؟ أنا نور.. أنا رجعت خلاص، متخافيش يا حبيبتي."
بربشت بعينيها ببطء، ومدت إيدها اللي بتترعش تمسك إيدي. قعدت على طرف السرير وأخدت إيدها في حضني. ريحة الإهمال والأدوية كانت صعبة قوي.. سألت نفسي: هما سابوها كدة بقالهم قد إيه؟
— "ساعديني.." همست بصوت يدوب طالع من بين سنانها. قربت ودني من بوقها.
— "ساعديني آخد حقي.. ساعديني أنتقم منهم."
اتخضيت. "بتقولي إيه يا تيتة؟ حق إيه وانتقام إيه بس؟"
عينيها لزقت في عيني بنظرة حادة وذكية لدرجة
جسمي قشعر. من يوم ما اتجوزت خالد والحكاية اللي بيحكوها عنها إنها ست غلبانة معاشها يادوب بيكفيها، وإنها حمل تقيل عليهم ومصاريفها كتير.. بس النظرة اللي في عينيها دلوقتي مكنتش نظرة واحدة ضايعة أبداً.
— "في التسريحة.. الدرج اللي تحت خالص.." كل كلمة كانت بتطلع بنهجة تقطع القلب.. "الظرف الأخضر.. خبيه.. ده ليكي إنتي وبس."
بصت للتسريحة الخشب القديمة اللي دهانها مقشر. كنت مترددة.
— "هطلب الإسعاف الأول يا تيتة، إنتي شكلك تعبان قوي."
صوابعها غرزت في معصم إيدي بقوة مكنتش أتخيل إنها لسه عندها:
— "الظرف الأول.. وبعدين اعملي اللي إنتي عايزاه."
بلعت ريقي، وفتحت الدرج الأخير. كان مليان ملايات قديمة، وفي الآخر خالص، لقيت ظرف أخضر غامق، مكتوب عليه اسمي بخط قوي وناشف:
"إلى: نــور"
شيلته وحسيت إنه تقيل. قلبي كان بيدق في وداني زي الطبل.
— "افتحيه،
فتحت طرف الظرف.. وجوه لقيت صدمة! كومة صور قديمة، وعقود بيع وشراء أصلية عليها أختام نسر وأختام شهر عقاري، ومعاهم "فلاشة" سوداء صغيرة.
في أول صفحة، كان مكتوب بخط عريض:
"عشان اليوم اللي هقرر فيه ألمّ ديوني اللي في رقبتهم كلهم."
وفي اللحظة دي بالظبط.. سمعت صوت مفتاح الشقة بيلف من بره، وصوت الحاجة فوزية وهي بتضحك بصوت عالي!
تفتكروا نور هتلحق تخبي الظرف؟ وإيه السر اللي في العقود والفلاشة وممكن يخلي خالد وأمه يروحوا في داهية؟
لو عايزين تعرفوا إيه اللي مكتوب في عقود الست دولت.. نور اتجمدت مكانها لحظة ما سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. قلبها كان بيدق بعنف لدرجة حسّت إن الصوت ممكن يتسمع في الشقة كلها. بصّت بسرعة للظرف الأخضر في إيديها… وبمنتهى السرعة زقّته جوه شنطتها قبل ما الباب يتفتح بثانية.
الباب اتفتح بعنف، ودخلت الحاجة فوزية وهي بتضحك بصوت عالي، ووراها خالد شايل شنطة سفر.
أول ما شافوا نور واقفة في الصالة،