ابني اتصل بيا
المحتويات
الباب.
المرة دي ما كانش بيخبط بسرعة.
ولا بيستعجل.
خد نفس طويل.
وخبط خبطتين بس.
هدوء.
الباب اتفتح.
كانت واقفة.
نفس الهدوء نفس العينين اللي ما بتستعجلش حد.
بصت له.
قالت اتغيرت؟
رد بتعلم.
سكتت لحظة.
وبعدين فتحت الباب أكتر اتفضل.
دخل.
بس أول خطوة جوه الشقة
حس إن المكان مختلف.
مش لأنه اتغير
لكن لأنه هو اللي اتغير.
قعد قدامها.
وهو بيبص للأرض.
قال بصوت واطي أنا كنت فاكر إنك لما تقفلي كل حاجة هتقف.
ردت الحياة ما بتقفش على حد.
سكت.
وبعدين قال أنا عايز أرجع أبدأ من الأول.
رفعت عينيها ليه.
وقالت الجملة اللي قلبت كل اللي فات
مفيش رجوع للأول فيه بس إنك تكمل صح.
وفي اللحظة دي
حازم فهم إن القصة ما كانتش عن شقة ولا قرض ولا فلوس.
كانت عن إن حد اتشال من تحت رجله سند وهمي
واتساب لوحده قدام نفسه لأول مرة.
والأم
ما كانتش بتعاقب.
كانت بتسيب الحياة تعلّمه بنفسها.
والتعلم لما بييجي متأخر
بيوجع.
بس بيغيّر حازم سكت بعد جملة أمه الأخيرة.
مفيش رجوع للأول فيه بس إنك تكمل صح.
الجملة كانت بسيطة لكن تقيلة كأنها بتقفل بابين مع بعض باب الندم، وباب الاعتماد القديم.
بص حواليه في الشقة.
المكان نفسه، لكن إحساسه مختلف.
كأن كل حاجة فيه بقت بتسأله هتعيش هنا إزاي من غير ما تتكل؟
الست قامت بهدوء وراحت للمطبخ.
صوت مية الكباية وهي بتتملّى كان واضح بشكل غريب.
رجعت وحطت كباية قدامه.
اشرب.
حازم مسكها، لكن إيده كانت لسه فيها توتر قديم.
قال أنا كنت فاكر إنك هتكوني زعلانة مني طول عمرك.
ردت من غير ما تبص له الزعل بيستهلك اللي زعلان مش اللي غلطان بس.
سكت.
الجملة دي خلت عينه تهرب للأرض تاني.
في اللحظة دي الموبايل رن.
رقم نهى.
وقف فجأة.
بص لأمه كأنه مستني إذن.
هي ما اتكلمتش.
بس رفعت عينيها له.
نظرة واحدة بس مش أمر، مش منع مجرد ترك مساحة.
رد.
ألو
صوت نهى كان متوتر حازم أنا محتاجة أتكلم معاك.
سكت لحظة.
وبعدين قولي.
نهى أنا رجعت بيت أهلي. بس الموضوع
حازم ابتسم ابتسامة مرهقة أنا اتكسرت وبعدين بدأت أفهم.
سكتت على الناحية التانية.
وبعدين قالت أنا مش عايزة أعيش مع حد مش ثابت.
هنا قلبه وقع.
لكن الغريب ما صرخش.
ما دافعش عن نفسه.
قال بهدوء وأنا مش هطلب منك تعيشي مع حد مش عارف نفسه.
سكتوا الاتنين.
وبعدين نهى قالت خلينا على تواصل بس بهدوء.
وقفلت.
حازم حط الموبايل.
قعد على الكرسي.
مش منهار لكن متغير.
قال بصوت واطي أنا خسرت كل حاجة مرة واحدة.
أمه ردت وهي بتقعد قدامه لأ أنت خسرت الأوهام واحدة واحدة لحد ما الحقيقة فضلت.
سكت لحظة.
وبعدين كملت والحقيقة مش خسارة دي بداية تقيلة.
في الأيام اللي بعدها
حازم ما رجعش زي الأول.
لا راح يجري ورا نهى، ولا حاول يرجّع الشكل القديم للحياة.
كان بيركّز في شغله أكتر.
بدأ يتعلم إدارة، مش بس شيل كراتين.
وبقى بيساعد ناس أصغر منه في الشغل من غير ما يتعالى.
كأنه بيعيد بناء نفسه من تحت.
في يوم جمعة
رجع شقة أمه من الشغل.
كان تعبان.
فتح الباب.
لقى ريحة أكل بسيطة في البيت.
قعد.
قال أنا لأول مرة بحس إن التعب ليه معنى.
أمه بصت له من المطبخ لما التعب يبقى ليه نتيجة يبقى اسمه حياة.
سكت.
وبعدين ضحك ضحكة خفيفة أنا كنت فاكر الحياة أسهل من كده.
ردت الحياة سهلة بس إحنا اللي بنعقدها لما نفتكر إن حد هيشيلها عنا.
الليل نزل.
حازم واقف عند الشباك.
بيبص للشارع.
مش مستني مكالمة.
ولا حل سحري.
ولا حد ينقذه.
بس لأول مرة
واقف من غير خوف إنه يقع.
لأنه فهم أخيرًا
إن اللي بيتسند على أمه طول عمره لما تقع السند مش بينتهي.
بينتقل.
جواه حازم فضل واقف عند الشباك شوية أطول من المعتاد.
الشارع تحت كان زي ما هو عربيات ماشية، ناس رايحة جاية، حياة شغالة من غير ما تستأذن حد.
بس هو كان شايفها بشكل مختلف.
مش جزء منها لكنه بيتعلم يدخلها من جديد.
خلفه، أمه كانت بتقفل المطبخ.
قالت من غير ما تبص له
حازم ابتسم أيوه.
سكت لحظة.
وبعدين قال هو أنا ممكن أبدأ أساعد في حاجة أكبر في الشغل؟ يعني أتعلم مسؤولية أكتر؟
الست وقفت.
وبصت له.
نظرة طويلة.
وبعدين قالت أخيرًا بتسأل السؤال الصح.
في اليوم التالي
حازم راح الشغل بدري جدًا.
لكن المرة دي ما كانش مجرد موظف.
كان مركز.
بيسأل، بيفهم، بيسجل.
المدير لاحظ التغيير.
إنت متغير يا حازم.
حازم رد بهدوء كنت متأخر عن نفسي بس.
الجملة عدت بسلاسة لكنها كانت جديدة عليه هو قبل أي حد.
بعد أسبوعين
اتعرض عليه يترقى لمشرف قسم صغير.
زميله قال له إنت محظوظ.
حازم هز راسه لأ أنا اتعلمت.
في نفس الفترة
نهى اتصلت مرة تانية.
لكن المرة دي كان صوتها أهدى.
حازم أنا عرفت إنك بقت حالتك أحسن في الشغل.
سكت.
مبروك.
هو رد شكراً.
سكتوا لحظة.
وبعدين قالت أنا مش جاية أرجع أفتح اللي فات بس كنت عايزة أقول إني فهمت جزء من اللي حصل.
حازم وأنا كمان.
نهى يمكن إحنا كنا مستعجلين نعيش شكل حياة مش الحياة نفسها.
حازم ابتسم أيوه.
وقفوا عند نقطة صمت مش تقيلة لكنها واضحة.
وبعدين نهى قالت خلي بالك من نفسك.
وإنتي كمان.
وقفلوا.
من غير وجع.
من غير شد.
بس كإن كل واحد فيهم أخد مكانه الحقيقي في القصة.
في مساء نفس اليوم
حازم رجع شقة أمه.
دخل.
لقى الهدوء زي ما هو.
لكن المرة دي ما كانش خانق.
كان مريح.
أمه كانت قعدة بتكمل شغل الكروشيه.
قال أنا النهاردة اتعرض عليا مسؤولية أكبر.
ردت من غير ما تبص له وهتعمل إيه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال هقبل.
ابتسمت.
بس ابتسامة صغيرة.
وقالت يبقى بدأت تبقى أنت.
بعد شهور
حازم بقى ماسك قسم كامل في الشغل.
مش غني لكن مستقر.
مش متكل لكن قادر.
كل أسبوع كان بيعدّي على أمه.
بس مش كضيف.
كابن واقف على رجليه.
وفي يوم
قعد جنبها وقال أنا فاكر اليوم اللي قولتِ لي فيه مفيش رجوع للأول كنت فاكرها قسوة.
ردت وده كان غلطة تفكيرك.
سكت.
هي كملت أنا ما قفلتش بابك أنا قفلت الباب اللي كنت
حازم هز راسه دلوقتي شايف.
الست بصت له لأول مرة بعمق هادي.
وقالت يبقى كده القصة ابتدت صح.
وفي الشباك
كان النور داخل بهدوء.
مش نور تغيير كبير فجأة
لكن نور حياة ماشية لقدام.
من غير سند وهمي
ومن غير خوف من الوقوع.
لأن اللي اتكسر قبل كده
ما كانش العلاقة.
كان الاعتماد الأعمى.
واللي اتبنى بعده
كان أقوى بكتير من أي شقة أو فلوس
كان إنسان بيعتمد على نفسه وهو لسه بيحب أمه حازم كان قاعد جنب أمه، لكن المرة دي فيه حاجة في الجو مختلفة.
مش هدوء عادي.
كأن في حاجة جاية في الطريق، ولسه ما قالتش اسمها.
فجأة الباب خبط.
خبطتين بس.
أمه بصت له مين ده في الوقت ده؟
حازم قام يفتح.
لما فتح الباب
اتجمد في مكانه.
قدامه كان واقف موظف من البنك.
بس مش لوحده.
ومعه ورق رسمي.
ووشه مش مطمّن.
مساء الخير حضرتك حازم؟
حازم أيوه.
الموظف في أمر عاجل بخصوص العقار في مستندات جديدة ظهرت في ملف التمويل.
أمه قامت من مكانها ببطء.
عينها ضيقت مستندات إيه؟
الموظف فتح الملف في ادعاء إن جزء من السداد اللي تم خلال الثلاث سنين الماضية تم من مصدر غير موثق قانونيًا، وده ممكن يعيد فتح ملف القرض بالكامل.
الصمت وقع في المكان.
حازم حس إن الأرض اللي بدأ يقف عليها رجعت تهتز.
يعني إيه غير موثق؟
الموظف في تحقيق داخلي وده ممكن يترتب عليه إعادة تقييم للشقة بالكامل، وقد يصل الأمر لإجراءات حجز احتياطي مؤقت.
أمه بصت لحازم.
نظرة واحدة.
لكن المرة دي مش زعل.
دي كانت نظرة فهم سريع في حد فتح الملف تاني مش صدفة.
حازم خرج مع الموظف على السلم.
بص له وقال مين اللي فتح البلاغ؟
الموظف هز كتفه مفيش اسم واضح بس البلاغ جاي من طرف داخلي مرتبط بالحساب القديم.
وقف حازم مكانه.
حساب قديم؟
وفي اللحظة دي
افتكر جملة أمه اللي اتشال عليك زمان ممكن يرجع يتشال عليك بشكل أسوأ لو حد لعب فيه.
رجع البيت بسرعة.
أمه كانت قاعده مستنياه.
قالت بهدوء مخيف في حد بيلف حوالينا
مين؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت مراتك.
حازم اتجمد نهى؟!
أمه هزت راسها مش أكيد بس في حد قريب منك فتح القديم تاني. واللي يعرف القديم يعرف يوجعك بيه.
في نفس الوقت
نهى كانت قاعدة في شقتها الجديدة.
قدامها ظرف كبير.
وفيه أوراق.
وفيه نسخة من
متابعة القراءة