ابني اتصل بيا
المحتويات
هدوء راحة
ده هدوء سقوط.
قعد على الكنبة.
بص حواليه.
كل حاجة فجأة بقت تقيلة.
حتى النفس.
وفجأة
رن الجرس.
قام بسرعة.
فتح الباب.
كانت هي.
واقفة.
شايلة شنطة صغيرة.
عينها ثابتة عليه.
مش زعلانة.
مش بتعيط.
ولا حتى متوترة.
حازم بصوت مكسور ماما
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أنا جيت أسلم عليك مش أكتر.
قلبه وقع.
يعني إيه؟
دخلت خطوة جوه.
وبصت للشقة.
وبعدين له.
وقالت بهدوء يخوف
أنا ما خدتش حاجة منك يا حازم أنا بس بطلت أدي.
سكتت تاني.
وبعدين كملت
وأول مرة في حياتك هتعرف تعيش من غيري يا تشيل نفسك يا تقع.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
مش شفقة.
ولا غضب.
لا
كانت نهاية مرحلة.
لفّت عشان تمشي.
حازم فجأة قال بصوت عالي ماما استني!
وقفت.
بس ما بصتش وراها.
هو كمل، صوته بيتكسر أنا أنا كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة
سكت.
ما عرفش يكمل الجملة.
هي ردت من غير ما تلف
كلنا بنفتكر حاجات غلط يا حازم
وباب الشقة اتقفل.
مش بقوة.
لكن بهدوء شديد
أخطر أنواع الإغلاق.
وفي اللحظة دي
حازم فهم حاجة واحدة بس
إن اللي اتكسر النهاردة
مش الفلوس.
ولا الشقة.
اللي اتكسر هو الضمان الوحيد اللي كان ضامن حياته كلها
أمه حازم فضل واقف مكانه بعد ما الباب اتقفل، كأنه لسه مستنيها ترجع تاني وتقول بهزر يا ابني.
لكن الصمت ما بيرجعش في الكلام.
الصمت بيقفل الصفحة.
ببطء، رجع قفل الباب من جوه، واتسند عليه.
عينه راحت على الشقة نفس الشقة اللي كان شايفها ملكه.
دلوقتي باينة كأنها مستأجرة.
التليفون رن.
رقم البنك.
مرة تانية.
رد بسرعة
ألو؟!
الصوت جه جاف حضرتك مطلوب سداد فوري أو تقديم ضمان بديل خلال 48 ساعة، وإلا سيتم بدء إجراءات قانونية على العقار.
حازم طب أمي كانت بتدفع أمي لسه موجودة!
الصوت سكت لحظة. وبعدين قال الضامن الأساسي قدم إخطار رسمي بعدم الاستمرار.
الخط قطع.
كأن الباب اتقفل تاني بس المرة دي جوه دماغه.
في نفس الوقت
الست كانت ماشية في الشارع.
مش رايحة مكان محدد.
لكن خطواتها ثابتة لأول مرة من سنين.
موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت.
صوت راجل حضرتك الست أم حازم؟
أيوه.
حضرتك عندك وديعة قديمة باسم المرحوم زوجك وتم تحويلها تلقائيًا بعد مراجعة ملفات البنك، وده ممكن يساعد في تسوية جزء كبير من المديونية لو حابة
سكتت.
وبعدين قالت بهدوء سيبها مكانها.
الموظف حضرتك ممكن تستردي حقك
قاطعتُه أنا استرديته خلاص.
وقفلت.
وبصت قدامها.
الشارع طويل بس أول مرة تحس إنه مفتوح.
في اليوم التالي
نهى رجعت فجأة على الشقة.
خبطت بعنف.
حازم فتح.
وشه مرهق، عينه حمرا.
هي دخلت من غير سلام أنا مش جاية أعاتب أنا جاية أعرف إحنا فين بالظبط.
حازم بص لها مش عارف.
نهى يعني إيه مش عارف؟!
صرخ لأول مرة يعني أمي سابتنا!
سكت.
الصدمة وقفت في نص الكلام.
هو نفسه ما كانش مصدق إنه قالها بصوت عالي.
نهى بصت له ببرود لا إحنا اللي سبناها.
الجملة دي وقعت عليه أقوى من أي بنك أو دين.
في شقة المنيل
الست فتحت درج قديم تاني.
طلعت ظرف كبير.
مكتوب عليه للي ييجي بعدي.
فتحت الظرف.
كان فيه ورق كتير عقود، تحويلات، إيصالات.
وفوقهم ورقة واحدة مكتوب فيها بخط إيدها
أنا دفعت كتير عشان ما أكونش عبء لحد ما اكتشفت إن اللي بيتعامل معاك كعبء مش هيتعلم غير لما يشيل نفسه.
سكتت.
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة جدًا.
وقالت لنفسها اتأخرنا في الدرس ده يا عبد الحميد بس شكلنا أخيرًا فهمناه.
في نفس الليلة
حازم قاعد لوحده.
الموبايل قدامه.
بيفتح حسابه البنكي كل 5 دقايق.
كل مرة نفس النتيجة رصيد قليل. ضغط كبير. وحقيقة واحدة ما بتتغيرش.
فجأة رسالة وصلت.
من أمه.
لو عايز ترجع حياتك ارجع تبنيها بنفسك. أنا خلصت دوري.
رفع عينه للسقف.
المرة دي ما صرخش.
ولا اتصل.
ولا حتى حاول يبرر.
قام بهدوء.
فتح الدولاب.
طلع جاكيت قديم.
وخرج.
بعد أسبوع
الناس في الحي بدأوا يحكوا
إن حازم نزل شغل تاني. إنه باع العربية. إنه بدأ يسدد جزء من القرض من مرتبه لأول مرة.
لكن أهم حاجة
إنه بقى بيعدي على شقة أمه.
ويقف قدام الباب.
من غير ما يخبط.
بس واقف.
كأنه لأول مرة
بيتعلم يعني إيه مش كل باب بيتفتح تاني.
وفي شقة تانية بعيدة
الست كانت قاعدة على الكرسي.
بتكمل كروشيه
بس المرة دي مش لحد.
لنفسها.
وخيط الصوف بيتلف بهدوء
زي حياة بتتصلح من أولها حازم فضل ماشي في الطريق بعد ما خرج من البيت، مش عارف رايح فين بالظبط.
كل اللي كان شايله زمان اتسحب منه في أيام قليلة.
مش بس فلوس ولا شقة ده إحساس إنه مضمون في الدنيا.
قف قدام محل صغير على أول الشارع.
اتفرج على الناس وهي داخلة خارجة.
كل واحد ماشي ورا حاجة رزقه، بيته، حياته.
وهو واقف كأنه اتشال من المعادلة.
طلع نفس عميق.
وبعدين دخل.
لو سمحت في أي شغل هنا؟
صاحب المحل بص له من فوق لتحت إنت بتعرف تعمل إيه؟
سكت حازم لحظة.
وبعدين قال أعرف أشتغل وخلاص.
في نفس الوقت
الست في شقة المنيل كانت قاعدة، لكن مش لوحدها.
قدامها واحدة من الجيران الكبيرة في السن.
يا أم حازم الناس بتتكلم إن ابنك اتزنق جامد.
الست من غير ما ترفع عينها من الشغل ربنا يفرجها عليه.
الجارة مش هتساعديه؟
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قالت أنا ساعدته سنين دلوقتي بقى دوري أدعي له بس.
الجارة بصتلها باستغراب، بس ما كملتش كلام.
مرت أيام
حازم اشتغل في مخزن صغير.
شغل تقيل، إيده اتجرحت أكتر من مرة.
بس كان ساكت.
مش نفس حازم اللي كان بيتكلم بثقة زيادة.
كل يوم يرجع البيت متأخر، يقعد لوحده.
نهى ما رجعتش.
ولا حتى اتصلت.
وهو ما حاولش يجري وراها.
كأنه لأول مرة بيجرب يعيش من غير ما حد يسنده.
في يوم من الأيام
كان شايل كراتين تقيلة، وفجأة سمع صوت حد بيناديه
حازم
لف بسرعة.
كانت أمه.
واقفة على أول الشارع.
مش جاية تزوره.
ولا جاية تفتح باب رجوع.
جاية تمر مرور.
وقف.
الكراتين في إيده اتقلوا أكتر.
هي قربت منه بهدوء.
بصت على إيده المجروحة.
وبعدين قالت اتعلمت؟
سكت.
عينه دمعت بس حاول يمنعها.
قال بصوت مبحوح اتعلمت متأخر.
هزت راسها بهدوء.
وقالت المهم إنك اتعلمت.
سكتت لحظة.
وبعدين كملت أنا مش جاية أرجعك لنقطتك القديمة أنا جاية أطمن إنك ما وقعتش خالص.
حازم أنا وقعت يا أمي
ردت بسرعة لا أنت كنت فاكر إن في حد شايلك ولما الشيل وقع، افتكرت إنك وقعت.
الجملة دخلت جواه زي مفك بيركب
بعدها سكتت.
لفت تمشي.
حازم قال بسرعة ماما
وقفت.
بس ما بصتش وراه.
قال أنا ممكن أصلح كل حاجة؟
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قالت تصلح نفسك الأول والباقي هييجي لوحده.
ومشيت.
في الليل
حازم قعد في أوضته الصغيرة.
فتح دفتر قديم.
بدأ يكتب.
مش حسابات.
ولا شكاوى.
جملة واحدة
أنا ما كنتش راجل كنت متكل.
وقف القلم.
وبعدين كمل
وابتديت أتعلم أعيش من غير ما حد يشيلني.
قفل الدفتر.
وفي نفس اللحظة
في شقة المنيل
الست وقفت عند الشباك.
وبصت للشارع.
ابتسامة صغيرة جدًا ظهرت على وشها.
مش فرح.
مش حزن.
بس رضا.
كأنها بتشوف ولدها لأول مرة
واقف على رجليه فعلاً.
من غير ما يسند على ظلها الأيام اللي بعدها ما كانتش سهلة على حازم.
الشغل في المخزن بقى روتين قاسي كراتين تتنقل، أوامر تتقال بسرعة، ومفيش وقت حتى تفكر في اللي فات.
بس الغريب إنه لأول مرة ما كانش بيهرب من التفكير.
كان بيفضل ساكت وهو بيرجع البيت، كأنه بيعيد ترتيب نفسه جوه دماغه.
في يوم
مدير المخزن نده عليه بعد الشغل تعالى يا حازم.
دخل عليه.
المدير رمى عليه ظرف صغير ده مرتبك وفيه زيادة بسيطة لأنك ملتزم.
بص حازم للظرف كأنه مش متعود يشوف حاجة تخصه.
قال بهدوء شكرًا.
وطلع.
بس وهو ماشي، وقف فجأة قدام ماكينة مياه في الشارع.
فتح الظرف.
وبص على الفلوس.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة من زمان.
مش فرح بس فهم.
أنا بدأت أقبض عشان أعيش مش عشان أستند.
في نفس الوقت
الست كانت قاعدة في بيتها.
بس المرة دي كان فيه صوت جرس الباب.
فتحت.
كان شاب صغير من البنك.
حضرتك أم حازم؟
أيوه.
في تسوية جديدة بخصوص القرض ابنك بدأ يسدد جزء، والبنك محتاج توقيعك على تنازل جزئي عن الضمان القديم.
سكتت.
وبعدين قالت هو اللي بيتصرف؟
الشاب أيوه وهو اللي طلب يبدأ من نفسه.
ابتسمت.
بس ما وقعتش فورًا.
قالت بهدوء خليه يكمل الأول.
قفلت الباب.
ورجعت قعدت مكانها.
وقالت لنفسها بدأ يفهم مش ناقصه حد يسرع له الطريق.
مر شهر
حازم اتنقل من المخزن لمحل أكبر لأنه بقى معروف بجدّيته.
الفلوس
بس الأهم إنه ما بقاش بيصرفها قبل ما يفكر.
ولا بقى بيستسهل حد.
وفي يوم
لقى رسالة على موبايله
لو عايز تيجي تزورني الباب مفتوح. بس مش هفتح لك حياتي القديمة تاني.
كان مرسلها أمه.
قف في مكانه.
قراها مرة واتنين وتلاتة.
وبعدين لبس وطلع.
لما وصل شقة المنيل
وقف قدام
متابعة القراءة