انا في مطلقه من خمس سنين

لمحة نيوز

بسرعة بين الكلمات.
سألته في إيه؟
رفع رأسه ببطء وقال هالة كانت كاتبة كلام عنك.
شعرت بأن قلبي سيتوقف.
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل
أختي عمرها ما قصرت معايا. كانت سندي في أصعب أيامي، ولو جه يوم واحتاج ولادي حد يحتويهم بعدها، فأنا عارفة إن قلبها عليهم أكتر من أي حد.
انهمرت الدموع من عيني دون إرادة.
أما أمي فخفضت رأسها وهي تمسح دموعها بصمت.
لكن الرسالة لم تنتهِ بعد.
كانت هناك صفحة ثانية مطوية خلف الأولى.
فتحها طارق ببطء.
وفجأة اختفت ملامح الهدوء من وجهه.
وقف من مكانه دفعة واحدة.
قلت بفزع في إيه؟!
نظر إليّ وإلى أمي ثم قال
الرسالة دي مش مكتوبة قبل وفاتها بأيام...
دي مكتوبة قبل وفاتها بست شهور.
لم نفهم سبب دهشته.
فأكمل بصوت متوتر
وهالة كاتبة إنها كانت بتحضر لمفاجأة كبيرة للعيلة كلها.
سألت أمي بسرعة مفاجأة إيه؟
لكن طارق ظل يحدق في الورقة وكأنه لا يصدق ما يقرأ.
ثم قال
هي كاتبة إنها اشترت قطعة أرض وسجلتها باسم أولادها...
سكت لحظة.
...لكن الأرض مش هي المفاجأة.
اقتربت منه وأنا أشعر أن أنفاسي تتسارع.
فقال
هالة كاتبة إن مع أوراق الأرض صندوق أمانات في البنك.
والصندوق فيه شيء لازم أولادها يعرفوه لما يكبروا.
تبادلنا النظرات جميعًا.
قلت إيه اللي جوه الصندوق؟
هز رأسه ببطء.
الرسالة ما قالتش.
ثم أشار إلى آخر سطر مكتوب.
أخذت الورقة من يده وقرأته بنفسي
مفتاح الحقيقة كلها موجود جوه الصندوق... ولو وصلتوا للرسالة دي، يبقى وقته جه.
وفي تلك اللحظة بالضبط...
رن هاتف طارق.
نظر إلى الشاشة.
وتغير لون وجهه فجأة.
قلت بقلق مين؟
رفع الهاتف نحونا.
وكان المتصل موظفًا من البنك.
وأول ما رد طارق سمعناه يقول بصوت مرتبك
أستاذ طارق... لازم تيجي حالًا... فيه حد سبقكم وسأل النهارده عن صندوق الأمانات الخاص بالمرحومة هالة تجمدنا جميعًا في أماكننا.
خطف طارق الهاتف من أذنه وقال بحدة
إزاي؟! مين اللي سأل عنه؟
لكن الموظف رد معنديش صلاحية أقول
تفاصيل في التليفون يا فندم، بس لازم تحضر بنفسك.
وانتهت المكالمة.
ساد الصمت في الغرفة.
كنت أسمع دقات قلبي بوضوح.
أمي قالت بقلق يعني إيه حد سأل عن الصندوق؟ هو فيه حد يعرف بوجوده أصلًا؟
هز طارق رأسه ببطء أنا نفسي أول مرة أعرف عنه من الرسالة.
في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى البنك.
جلس الموظف أمامنا وأخرج ملفًا صغيرًا.
ثم قال من يومين حضر شخص ومعاه بعض الأوراق القديمة، وكان بيسأل إذا كان فيه صندوق أمانات باسم المرحومة.
سأله طارق بسرعة وعرفتوه أي معلومات؟
لا طبعًا... لكن الغريب إنه كان عارف رقم الصندوق تقريبًا.
تبادلنا النظرات في صدمة.
ثم أخرج الموظف صورة من كاميرا الاستقبال.
وضعها أمامنا.
اقترب طارق أولًا.
وفجأة شحب وجهه.
قلت مين ده؟
رد بصوت خافت
أنا أعرفه...
ده المحاسب اللي كان شغال مع هالة في مشروع الأرض.
ازداد التوتر.
فتح الموظف ملفًا آخر وقال وبالمناسبة، فيه حاجة أغرب.
إيه؟
الصندوق عليه تعليمات خاصة من المرحومة.
مد إلينا ورقة رسمية.
كانت تحتوي على شرط مكتوب بخط يد هالة
لا يتم فتح الصندوق إلا بحضور زوجي وأختي معًا.
نظرت إلى طارق بدهشة.
ونظر هو إليّ بنفس الدهشة.
كأن هالة كانت تتوقع أننا سنقف هنا معًا يومًا ما.
بعد إنهاء الإجراءات، اصطحبنا الموظف إلى غرفة خاصة.
وضع أمامنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
أخرج طارق المفتاح الذي وجدناه بين أوراق هالة.
وأدخله في القفل.
لحظة صمت طويلة مرت وكأنها ساعة كاملة.
ثم فتح الصندوق.
في الداخل لم نجد ذهبًا.
ولا أموالًا.
ولا عقودًا.
وجدنا ظرفًا كبيرًا فقط.
عليه عبارة واحدة بخط هالة
يُفتح فورًا.
مزق طارق الظرف بسرعة.
وأخرج منه ملفًا سميكًا.
وفي الصفحة الأولى كانت صورة قديمة جدًا.
صورة تجمع هالة وأمي...
ورجلًا لا أعرفه.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الصورة.
بل الجملة المكتوبة خلفها
هذه الصورة التُقطت في اليوم الذي تغيرت فيه حياة العائلة كلها.
قلب طارق الصفحة الثانية.

ثم الثالثة.
وفجأة سقطت من الملف شهادة ميلاد قديمة.
التقطتها بسرعة.
وعندما قرأت الاسم المكتوب فيها شعرت بأن الدنيا تدور حولي.
لأن اسم الأم كان واضحًا...
اسم أمي.
أما اسم الطفل في الشهادة...
فلم يكن اسمي.
ولم يكن اسم أي من إخوتي.
رفعت رأسي ببطء نحو أمي.
فوجدتها تبكي لأول مرة منذ سنوات.
ثم قالت بصوت مكسور
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي...
بس مكنتش متخيلة إنه هييجي بالطريقة دي سقطت الشهادة من يدي فوق الطاولة.
نظرت إلى أمي وأنا لا أستوعب شيئًا.
قلت بصوت مرتعش
مين الطفل ده يا أمي؟
أغمضت عينيها للحظة طويلة، وكأنها تجمع شجاعة ضاعت منها منذ سنوات.
أما طارق فظل واقفًا في مكانه، ممسكًا بالملف، وعيناه تنتقلان بين أمي والشهادة.
قال بهدوء
لازم نسمعها للآخر.
تنهدت أمي بعمق ثم قالت
من أكتر من ثلاثين سنة... قبل ما أتجوز أبوكم بفترة قصيرة... حصلت ظروف صعبة جدًا لعيلتنا.
ساد الصمت.
وأكملت
كان فيه طفل صغير اتولد في ظروف قاسية، وأهله ماقدروش يربوه.
نظرت إلى الشهادة مرة أخرى.
ثم قالت
وأنا توليت مسؤوليته لفترة.
قلت بسرعة
يعني الطفل ده مين؟
لكن أمي لم تجب مباشرة.
فتحت الملف المرتب أمامها.
وأخرجت خطابًا آخر مكتوبًا بخط هالة.
كانت الرسالة موجهة لأمي.
قرأتها بصوت مرتجف
يا أمي... لو الرسالة دي اتفتحت يبقى السر اللي شيلتيه طول عمرك لازم يطلع للنور. لأن الشخص المعني بيه بقى من حقه يعرف الحقيقة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت
أي حقيقة؟
وقبل أن ترد أمي...
رن هاتف طارق مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
ثم قطب حاجبيه.
المحاسب.
رد على المكالمة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
جاء صوت الرجل متوترًا
أستاذ طارق... لو فتحتوا الصندوق، لازم تعرفوا إن فيه جزء ناقص.
انتفضنا جميعًا.
قال طارق
جزء ناقص إزاي؟
رد الرجل
كان فيه ظرف تاني.
ظرف هالة سلمته لشخص قبل وفاتها بأيام.
شعرت بأن الموقف يزداد غموضًا.
سأل طارق
مين الشخص ده؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
المحاسب
أنا.
نظرنا إليه جميعًا بدهشة.
وأكمل
وهالة طلبت مني ما أسلموش إلا في حالة واحدة.
إيه هي؟
قال
لما تتجمعوا كلكم وتوصلوا للحقيقة الأولى.
ثم أغلق الخط.
وقف طارق فجأة.
وقال
يبقى لازم نعرف الحقيقة الأولى دلوقتي.
التفت الجميع نحو أمي.
كانت الدموع تنزل على خديها بلا توقف.
ثم قالت بصوت خافت
الطفل الموجود في شهادة الميلاد...
وتوقفت.
كأن الكلمات ثقيلة جدًا.
عاش وسطنا سنين طويلة...
اتسعت عيناي.
واقترب طارق خطوة.
أما أمي فأكملت
ومن غير ما يعرف... كان واحد من أفراد العيلة.
وفي اللحظة نفسها...
أخرجت من الملف صورة قديمة أخرى.
وضعتها أمامنا على الطاولة.
كانت الصورة لطفل صغير يقف بين أمي وهالة.
لكن وجه الطفل كان ممزقًا من منتصف الصورة.
وكأن أحدًا تعمد إخفاء هويته منذ سنوات طويلة.
وعلى ظهر الصورة جملة قصيرة كتبتها هالة بخط يدها
لو عرف اسمه الحقيقي... حياته كلها هتتغير لو عايزين نحافظ على القصة من غير خيانة عاطفية ونكملها بتشويق، ممكن يكون فيه فصل جديد بعد النهاية
بعد مرور شهرين على اكتشاف سر طارق، بدأت الحياة تهدأ تدريجيًا.
رجعت الزيارات العائلية بشكل طبيعي، وأصبح أولاد هالة أكثر تعلقًا بياسين، وكأنهم إخوة بالفعل.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كنت أرتب بعض الأوراق التي أخذناها من صندوق الأمانات، سقط ظرف صغير من بين صفحات الملف الكبير.
تجمدت في مكاني.
أنا متأكدة أننا فتشنا الملف أكثر من مرة.
فمن أين جاء هذا الظرف؟
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه بخط هالة
لا يُفتح إلا بعد ستين يومًا من قراءة رسالتي الأولى.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
اتصلت بطارق فورًا.
وبعد ساعة كان الجميع مجتمعين في المنزل.
نظر طارق إلى التاريخ المكتوب على الظرف.
ثم قال بدهشة
النهارده بالضبط اليوم الستين.
فتحت أمي الظرف ببطء.
وفي داخله ورقة واحدة ومفتاح صغير.
أما الورقة فكان مكتوبًا فيها
إذا وصلتم إلى هنا، فمعناه أنكم عرفتم الماضي...
وحان وقت معرفة شيء يخص المستقبل.
تبادلنا النظرات في صمت.
وأكملت القراءة
المفتاح ده يفتح الخزانة رقم 17 الموجودة في البيت القديم بتاع جدي.
شهقت أمي.
وقالت
البيت القديم؟!
كان البيت مهجورًا منذ أكثر من عشرين سنة.
ولم
تم نسخ الرابط