انا في مطلقه من خمس سنين
أنا مطلقة من سنين وعندي طفل. ولما حصل الطلاق تمسكت بحضانة ابنى واتنازلت عن حقوق مادية كتير علشان ميخدش ابنى مني
ومن سنة أختي الكبيرة توفت وسابت طفلين ولد وبنت وجوزها رافض فكرة الجواز نهائي وعايش لأولاده
لم بنروح انا وماما علشان نطمن على ولاد اختى
بقعد الفت نظره ليا وانا معجبه بيه من زمان اوى
وهو ابتدا يلاحظ ده وبقا يكلمنى فى التلفون بالساعات
لغاية
لم يكن التنازل عن مؤخر صداقي، ونفقتي، وكل ما أملك قبل خمس سنوات مجرد تضحية، بل كان ثمن حريتي وحضانة طفلي ياسين. في ذلك الوقت، ظننت أنني أغلق باب قلبي إلى الأبد، وأن أمومتي هي حصني الوحيد في وجه الدنيا. عشت خمس سنوات كاملة أتنفس لابني فقط، حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا جميعاً منذ عام واحد... يوم رحيل أختي الكبيرة هالة.
رحلت هالة وتركت خلفها طفلين في عمر الزهور، وزوجاً انكسر ظهره أمام الجميع. طارق.
طارق لم يكن مجرد زوج أخت عابر في حياتي؛ بل كان سراً قديماً دفنته في أعماق قلبي منذ مراهقتي، إعجاباً صامتاً لم يلمحه أحد، وانطفأ تماماً يوم أن اختار أختي. احترمت خياره، ودفنت مشاعري، وتمنيت لهما السعادة. لكن الموت غيّر كل القواعد.
بعد انقضاء شهور العدة الحزينة، أعلن طارق أمام العائلة كلها جملة واحدة قطعت الشك باليقين أنا مش هتجوز تاني أبدًا.. أنا عايش لولاد هالة وبس.
لكن قلبي القديم استيقظ من سباته. كنت أنظر إليه وهو يتعثر في تفاصيل التربية، أرى الحزن في عينيه، وأرى فيه الرجل الذي تمنيته يوماً. بدأت الزيارات المنزلية التي أقوم بها برفقة أمي تأخذ منحى آخر في عقلي. لم أعد أذهب فقط كخالة حزينة على أولاد أختها، بل كمرأة تعيد اكتشاف أنوثتها المنسية.
كنت أتعمد اختيار ملابس بسيطة لكنها تبرز ملامحي بذكاء. في المطبخ،
وفي أحد الأيام، بينما كنا نجلس في صالة منزلهم، التقت نظراتنا طويلاً وهو يشكرني على اهتمامي بالصغار. رأيت في عينيه للحظة خاطفة اهتزاز ذلك القرار الحديدي الذي اتخذه. لقد لاحظ. لاحظ أنني لم أعد أتعامل معه كصهر سابق، بل كرجل.
بعد تلك الزيارة بأيام، رن هاتفي في ساعة متأخرة من الليل. كان هو.
بدأ الاتصال بحجة الاطمئنان على ياسين، وشكري مجدداً على ما أفعله مع أولاده. لكن المكالمة التي كان يُفترض أن تدوم دقائق، امتدت لساعة.. ثم ساعتين.. حتى الفجر. تكلمنا في كل شيء؛ عن تعبه، عن وحدته، وعن ذكريات قديمة لم نكن نجرؤ على نبشها.
تحولت هذه المكالمات الليلية إلى طقس يومي سري. أصبحنا نتحدث بالساعات، نتبادل الضحكات المكتومة، والاعترافات المبطنة. كان طارق يتنفس من خلالي، وأنا كنت أغرق في حبه أكثر فأكثر، معتقدة أنني أخيرًا سأحصل على السعادة التي حُرمت منها.
حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة منذ يومين...
كنا نتحدث في الهاتف، ونبرة صوته كانت دافئة للغاية وهو يقول لي أنا مش عارف من غيرك الأيام دي كانت هتعدي إزاي.. أنتِ بقيتي حاجة أساسية في يومي.
وفي قمة تلك اللحظة الرومانسية الحالمة، شعرت بظِل يتحرك عند باب غرفتي. التفت بحذر، لتسقط دقات قلبي في قدمي.
لم يكن ابني ياسين.
كانت أمي.. تقف عند عتبة الباب، وعيناها تتسع الصدمة والذهول، وقد سمعت بوضوح نبرة صوتي، والاسم الذي دللت به طارق في نهاية الجملة.
الكاتب_رومانى_مكرم
تجمدت الدماء في عروقي، وضغطت على زر إنهاء المكالمة وأنا أنظر لأمي، التي
أنتِ بتكلمي جوز أختك المرحومة في وقت زي ده وبتتسايري معاه؟! عايزة تاخدي مكان أختك اللي ملحقتش تنشف في تربتها؟!.
ينتهي الجزء الأول..
المواجهة مع الأم بدأت، والهاتف الذي أغلقته في وجه طارق قد يفتح أبواباً من الصراعات العائلية التي لم تكن في الحسبان.
يا ترى إيه اللي هيحصل بعد المواجهة دي؟ وهل مكالمات نص الليل هتدمر العيلة، ولا هتكون بداية لقصة تانية خالص؟
بعد كلمات أمّي، ساد صمت ثقيل كأنه خنق الهواء في الغرفة. كنت واقفة قدامها عاجزة عن الكلام، بينما الدموع بدأت تتجمع في عيني.
قلت بصوت مكسور يا ماما... والله ما في حاجة غلط. إحنا بنتكلم عادي.
لكن أمي هزت رأسها بقوة وقالت الكلام اللي بيبدأ عادي ساعات بينتهي بكوارث. فكري في ولاد أختك قبل ما تفكري في نفسك.
الكلمات وجعتني، لكنها ما كانتش ظالمة. طول الليل فضلت صاحيه أفكر في كل حاجة. هل فعلاً كنت بدور على سعادة لنفسي؟ ولا كنت بحاول أملأ فراغ كبير سابه غياب أختي؟
في اليوم التالي قررت ما أردش على اتصالات طارق.
اتصل مرة... واتنين... وعشرة.
لكنني لم أرد.
وفي المساء، سمعت جرس الباب.
فتحت أمي الباب، وبعد دقائق نادتني بصوت متوتر
تعالي... طارق هنا.
اتجمدت في مكاني.
خرجت للصالة فوجدته واقفًا، وعلامات القلق واضحة على وجهه.
قال مباشرة ليه بتتجنبيني؟ حصل حاجة؟
نظرت إلى أمي الجالسة في الطرف الآخر من الغرفة، ثم قلت بهدوء
لازم نوقف الكلام الكتير اللي بينا.
ظهر الذهول على وجهه.
وسأل ليه؟
أجبت علشان الناس ممكن تفهم غلط... وعلشان أولاد هالة أهم من أي حاجة.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثم قال جملة لم أتوقعها أبدًا
أنا جيت النهارده علشان الموضوع ده بالذات.
تبادلنا أنا وأمي نظرة
وأكمل
من شهرين تقريبًا بدأت أحس إني معتمد عليكم زيادة. وإني لو استمريت بالشكل ده هظلمكم وظلم نفسي.
سكت قليلًا ثم قال
علشان كده قدمت طلب نقل شغل لمحافظة تانية.
شهقت أمي.
أما أنا فشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
هتمشي؟
هز رأسه وقال أنا وأولادي.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعدها بلحظات.
خرجت ابنة أختي الصغيرة من خلف الباب، وكانت تمسك بورقة رسم.
جرت نحوي وقالت
بصي يا خالتي.
أخذت الورقة بيد مرتجفة.
وكانت الرسمة عبارة عن بيت كبير.
فيه أنا... وياسين... وهي وأخوها... وطارق...
كلنا واقفين مع بعض.
وفي أعلى الرسمة كتبت الطفلة بخط طفولي
العيلة اللي ماما كانت بتحلم تفضل مع بعض.
اختنق صوتي وأنا أنظر للرسمة.
أما طارق فجلس مكانه وكأنه تلقى صدمة.
ثم أخرج الطفل الآخر من جيبه ورقة مطوية قديمة.
وقال بصوت خافت
دي رسالة لقيناها وسط حاجات ماما قبل كام يوم.
نظرنا جميعًا إليه بدهشة.
فتح الورقة المرتعشة...
وبدأ يقرأ أول سطر فيها.
فشحب وجه أمي فجأة...
وسقطت الرسالة من يد الطفل قبل أن يكمل القراءة.
لأن السطر الأول كان يقول
لو حصل لي أي حاجة، فيه سر لازم تعرفوه....
وتوقفت الكلمات عند هذا الحد، بينما كانت عيون الجميع معلقة بباقي الرسالة التي لم يقرأها أحد بعد...!انحنت أمي بسرعة والتقطت الرسالة من الأرض، لكن يدها كانت ترتجف بشكل غريب.
قلت بقلق يا ماما... مالك؟
رفعت رأسها نحوي، ثم نحو طارق، وكأنها تحاول أن تتخذ قرارًا صعبًا.
قال طارق بحزم كملي الرسالة.
تنهدت أمي بعمق وسلمته الورقة.
فتحها من جديد وبدأ يقرأ
لو حصل لي أي حاجة، فأرجوكم متختلفوش بعدي. أولادي محتاجين كل الناس اللي بتحبهم. ومحدش يحرمهم من أي حد من أهلهم مهما كانت الظروف.
ساد الصمت للحظات.
ثم أكمل القراءة
وفي
توقف طارق فجأة.
كانت عيناه تتحركان