انا عروسة جديده بقلم روماني

لمحة نيوز


قرار متسرع، قد تهدم سنوات من المحبة والثقة.
أما البيت الذي كاد ينهار في ذلك اليوم، فقد نجا في النهاية... ليس لأن أحدًا كان كاملًا، بل لأن بعضهم امتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ، وبعضهم امتلك القوة ليسامح وبينما كان الجميع يعتقد أن هذه هي نهاية الحكاية، جاءت مفاجأة لم يتوقعها أحد.
في صباح أحد الأيام، كانت حماتي ترتب بعض الأغراض القديمة داخل مخزن البيت. وبين الصناديق المتراكمة وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا لم يفتحه أحد منذ سنوات.
نادت على الجميع
تعالوا شوفوا ده!
اجتمعنا حولها، وفتحت الصندوق بحذر.
في الداخل كانت هناك صور قديمة جدًا، وخطابات، وأوراق تخص والد زوجي رحمه الله.
وبين الأوراق وجدنا خطابًا مغلقًا مكتوبًا عليه
يُفتح بعد رحيلي.
ساد الصمت.
فتحت حماتي الخطاب وبدأت تقرأ.
كان والدهم قد كتب كلمات طويلة لأبنائه قبل وفاته بسنوات. تحدث فيها عن أهمية الأخوة، وعن أن أكبر خطر يهدد أي بيت ليس الفقر ولا المرض، بل سوء الظن والكبرياء.
ثم جاء سطر جعل الجميع يتبادل النظرات
إذا قرأتم هذه الرسالة يومًا، فأرجو ألا تسمحوا لخلاف صغير أن يفرق بينكم، لأنني رأيت عائلات ضاعت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب.
بدأت دموع حماتي تنزل وهي تقرأ.
أما طارق فخفض رأسه.
وحازم ظل صامتًا لوقت طويل.
شعرت أن الرسالة جاءت في وقتها تمامًا، وكأن الرجل الراحل كان يرى ما سيحدث بعد سنوات.
بعد قراءة الرسالة، اقترح طارق شيئًا غريبًا
إيه رأيكم نعمل عزومة كبيرة ونجمع كل العيلة؟
وافق الجميع.
وفي يوم العزومة امتلأ البيت بالأقارب والضحكات والأطفال.
حتى سمر بدت مختلفة؛ أكثر هدوءًا ونضجًا من قبل.
وفي وسط السهرة، وقفت فجأة وقالت أمام الجميع
أنا

عايزة أقول حاجة.
التفتت إليها الأنظار.
قالت
في يوم من الأيام أنا كنت سبب مشكلة كبيرة في البيت ده. ويمكن ناس كتير اتأذت بسبب كلامي. لكن الحمد لله إن ربنا إداني فرصة أصلح غلطي قبل ما أخسر كل حاجة.
ثم التفتت نحوي وأضافت
وأنتِ بالذات... عمري ما هنسى إنك سامحتيني.
شعرت بالخجل من نظرات الجميع، فابتسمت فقط وقلت
كلنا بنغلط.
صفق الحاضرون، وعادت الأحاديث والضحكات.
وفي تلك الليلة، وبينما كنت أراقب العائلة مجتمعة حول مائدة واحدة، تذكرت اليوم الذي تلقيت فيه ذلك القلم على وجهي.
وقتها ظننت أن كل شيء انتهى.
لكن الحياة أثبتت لي أن بعض الأزمات لا تأتي فقط لتؤلمنا، بل لتكشف لنا معادن الناس، وتعلمنا متى نتمسك بحقنا، ومتى نسامح، ومتى نبدأ من جديد.
وهكذا انتهت الحكاية حقًا هذه المرة...
حكاية بدأت بفنجان قهوة، وكادت تهدم بيتين، ثم تحولت إلى درس لن ينساه أحد عن الثقة، والكرامة، والتسرع في الحكم على الآخرين. 
تمت لو بنتعامل مع القصة كرواية، فممكن نكملها بفصل جديد بدل ما تكون النهاية الأخيرة
مرت سنة كاملة.
كبرت ابنتي، وبدأت تمشي خطواتها الأولى وسط فرحة البيت كله.
وفي يوم عيد ميلادها الأول، كان الجميع مجتمعًا كالعادة. لكن أثناء الحفل، لاحظت شيئًا غريبًا.
سمر كانت شاردة طوال الوقت.
تبتسم أحيانًا، ثم تعود للصمت فجأة.
وبعد انتهاء السهرة، طلبت مني أن نتحدث على انفراد.
جلسنا في الشرفة.
نظرت إليّ طويلًا ثم قالت
أنا محتاجة أقولك سر.
شعرت بالقلق.
قالت بصوت منخفض
أنا حامل.
ابتسمت فورًا وهنأتها، لكنها لم تبتسم.
سألتها
طب إيه اللي مزعلك؟
هنا امتلأت عيناها بالدموع.
وقالت
الدكتور قال إن عندي مشكلة كبيرة في الحمل،
وممكن تكون آخر فرصة ليا إني أجيب طفل.
شعرت بمدى خوفها.
كانت تتذكر كل السنوات التي انتظرت فيها هذا الخبر.
وكل ليلة بكت فيها وهي تتمنى أن تصبح أمًا.
في الأشهر التالية، وقفت العائلة كلها بجانبها.
حتى حماتي التي كانت كثيرة الانتقاد تغيرت تمامًا.
كانت ترافقها للمراجعات الطبية وتعتني بها كأنها ابنتها.
أما طارق، فكان لا يفارقها تقريبًا.
وفي ليلة شتوية ممطرة، استيقظ البيت كله على صوت طرقات سريعة على الأبواب.
كانت سمر قد دخلت في حالة ولادة مبكرة.
انطلقت الأسرة كلها إلى المستشفى.
مرت ساعات طويلة بدت وكأنها أيام.
ثم خرج الطبيب أخيرًا.
وقف الجميع في انتظار كلمته.
ابتسم وقال
مبروك... الأم والطفل بخير.
انفجر المكان بالفرحة.
بكى طارق لأول مرة أمام الجميع.
وبعد قليل سمحوا لنا بالدخول لرؤية المولود.
كانت سمر تحتضن طفلها الصغير وهي تبكي من السعادة.
وعندما رأتني، أمسكت يدي وقالت
فاكرة اليوم اللي اتخانقنا فيه بسبب فنجان القهوة؟
ضحكت رغم دموعي.
فقالت
لو حد كان قالي وقتها إننا هنقعد بعد سنين بالشكل ده، ماكنتش صدقته.
نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعيها.
ثم قالت
الحمد لله إننا ادينا نفسنا فرصة تانية.
وساد الصمت للحظة...
بينما كان الطفل الصغير يفتح عينيه لأول مرة، وكأن بداية حكاية جديدة كانت تُكتب من جديد داخل نفس العائلة. مرت السنوات بهدوء أكبر مما توقع الجميع.
كبر الأطفال معًا، وأصبحت ابنتي وابن سمر لا يفترقان. كانا يلعبان في البيت نفسه الذي شهد يومًا أكبر خلاف عرفته العائلة.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كنا نجلس نشرب الشاي، دخل طارق وهو يحمل ظرفًا رسميًا.
قال مبتسمًا
عندي خبر.
ضحك حازم وقال
كل ما تقول كده بنخاف.

ناول طارق الظرف لوالدته.
فتحت حماتي الخطاب، وما إن قرأت السطور الأولى حتى وضعت يدها على فمها من شدة المفاجأة.
سألناها جميعًا
في إيه؟
قالت وهي تحاول إخفاء دموعها
البيت القديم... رجع.
كان هناك منزل ورثته العائلة منذ زمن بعيد، لكن بسبب مشاكل قانونية وتعقيدات كثيرة ظن الجميع أنهم فقدوه للأبد.
وبعد سنوات من المتابعة، صدر الحكم النهائي لصالح العائلة.
تحول الخبر إلى احتفال كبير.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في البيت نفسه.
أثناء تنظيف المنزل القديم، صعد الأطفال إلى العلية المهجورة.
وبعد دقائق سمعنا صراخهم
تعالوا بسرعة!
صعدنا جميعًا.
وجدنا صندوقًا معدنيًا قديمًا مغطى بالغبار.
فتحناه بحذر.
وفي داخله كانت صور نادرة جدًا
للعائلة، وبعض المذكرات القديمة المكتوبة بخط اليد.
لكن أكثر ما لفت الانتباه كان دفترًا صغيرًا يعود لجد العائلة.
بدأنا نقرأ صفحاته.
كان يكتب يومياته قبل عشرات السنين.
وفي إحدى الصفحات كتب
أخاف على أولادي من سوء الفهم أكثر من الفقر، لأن المال يمكن تعويضه، أما القلوب إذا انكسرت فإصلاحها صعب.
ساد الصمت.
نظر كل واحد منا إلى الآخر.
كانت الكلمات تشبه ما عشناه تمامًا.
ابتسمت سمر وقالت
واضح إن العيلة دي عندها تاريخ طويل مع المشاكل وسوء التفاهم.
فضحك الجميع.
ثم أغلقت الدفتر برفق.
في طريق العودة إلى البيت، كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الأطفال وهم يركضون أمامنا.
تذكرت كل ما حدث منذ أول يوم زواج.
القهوة.
الخلاف.
الضربة.
الشك.
الدموع.
الصلح.
ثم السنوات التي جاءت بعدها.
وأدركت شيئًا مهمًا
أن أقسى الأيام ليست بالضرورة نهاية الحكاية.
أحيانًا تكون مجرد الفصل الذي يسبق أجمل الفصول القادمة.
وبينما
كانت الشمس تغيب في الأفق، شعرت لأول مرة أن الماضي لم يعد يؤلمني.
لقد أصبح مجرد قصة نحكيها...
وقصة أخرى جديدة كانت تبدأ بهدوء.

 

تم نسخ الرابط