بنت عمي
المحتويات
بسرعة.
رجعنا كلنا للعربية، وقفلت الأبواب علينا.
طلعت عبير لابتوب قديم من شنطتها وقالت يمكن دي الحاجة اللي كان جاي ياخدها.
ركبنا الفلاشة.
ظهرت ملفات كثيرة وصور ومستندات ممسوحة ضوئيًا.
لكن ملفًا واحدًا كان مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا عند الضرورة.
ساد الصمت.
ضغط أخوها على الملف.
ظهرت رسالة قصيرة
إذا كنت تقرأ هذا الآن، فمعنى ذلك أن الحقيقة بدأت تخرج.
ثم ظهر فيديو قديم مهزوز الصورة.
كان مصورًا داخل مخزن قديم.
وفجأة ظهر في الفيديو رجل نعرفه جميعًا...
شخصية كبيرة ومحترمة في البلد، الناس تعتبرها رمزًا للنزاهة.
لكن الفيديو أظهره وهو يتسلم حقيبة معدنية من شخص آخر في ظروف غامضة.
ارتبك الجميع.
مستحيل...
همست أمي.
لكن الصدمة الأكبر لم تكن في الفيديو.
بل في آخر ثوانيه.
عندما اقترب المصور من الرجلين، سقط شيء من جيبه على الأرض.
ورقة مطوية.
توقف الفيديو عند لحظة سقوطها.
وعلى الورقة كان ختم أحمر واضح.
نفس الختم الموجود على الأوراق التي وجدتها عبير في صندوق الجد.
هنا شهقت عبير وقالت
عرفت دلوقتي ليه كانوا بيطاردوني...
لكن قبل أن تكمل كلامها، دوى صوت ارتطام قوي بالعربية.
التفتنا جميعًا للخلف.
وجدنا زجاج السيارة الخلفي قد تحطم.
وعلى المقعد سقط حجر ملفوف حوله ظرف أبيض.
فتح أخوها الظرف بسرعة.
كانت بداخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب عليها بخط كبير
آخر فرصة... احرقوا كل الملفات قبل منتصف الليل.
وفي أسفل الورقة صورة حديثة التقطت لنا منذ دقائق فقط داخل محطة مصر.
ما يعني أن من يراقبهم...
لم يكن بعيدًا أبدًا نظرنا إلى الصورة في ذهول.
كانت ملتقطة من زاوية مرتفعة داخل المحطة، واضحة لدرجة إن ملامحنا كلها باينة. معنى كده إن اللي بيراقبنا كان قريب جدًا، ويمكن لسه قريب.
أخوها طوى الورقة بعصبية وقال كفاية خوف. هنروح الشرطة.
لكن عبير هزت رأسها بسرعة.
لا... لو كان الموضوع سهل كنت عملت كده من أول يوم.
ليه؟
سكتت لحظة، ثم أخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من سلسلة كانت
عشان لسه فيه حاجة محدش يعرفها.
كل الأنظار اتجهت نحو المفتاح.
إيه ده؟
قالت بصوت منخفض آخر حاجة سابها جدي قبل ما يموت.
شعرت بقشعريرة تسري في المكان.
من سنة كاملة وهي هاربة، وكل هذا الوقت كانت تخفي المفتاح؟
قالت الصندوق اللي لقيته تحت الأرض ماكانش فيه كل حاجة. كان فيه رسالة كمان.
رسالة إيه؟
أخرجت ورقة قديمة مطوية بعناية، وبدأت تقرأ
إذا وصلت هذه الرسالة لأحد من أحفادي، فاعلم أن الحقيقة الكاملة ليست في الأوراق. الحقيقة موجودة في الأمانة التي خبأتها، ولا تفتحها إلا إذا بدأت الأسرار تخرج للنور.
ساد صمت ثقيل.
وأين الأمانة؟ سأل أخوها.
رفعت عبير عينيها وقالت
في بيت جدي القديم.
تبادلنا النظرات.
بيت الجد كان مهجورًا منذ سنوات، ومغلقًا بالمفاتيح والسلاسل، ولا يدخله أحد.
لكن قبل أن نقرر أي شيء، رن هاتف أحد إخوتها.
رقم مجهول.
رد بحذر.
لم يتكلم أحد في البداية.
ثم جاء صوت رجل عجوز
إذا كنتم عايزين تعرفوا الحقيقة... متروحوش البيت الليلة.
قفزنا من أماكننا.
مين أنت؟
لكن الرجل أكمل
فيه ناس سبقوكم هناك من ساعة.
ثم أغلق الخط.
تسارعت الأنفاس.
نظرنا إلى بعضنا.
إذا كان هناك أشخاص في بيت الجد الآن، فهذا يعني أنهم أيضًا يبحثون عن الأمانة.
أدار أخوها المحرك فورًا.
وانطلقت السيارة تشق الطريق نحو البلد.
طوال الطريق لم ينطق أحد بكلمة.
وعندما وصلنا أخيرًا إلى البيت المهجور بعد منتصف الليل، وجدنا البوابة الحديدية مفتوحة.
مفتوحة على آخرها.
مع أنها كانت مغلقة منذ سنوات.
تقدمنا بحذر.
ودخلنا الفناء.
وفجأة لمحنا ضوء مصباح يتحرك داخل البيت.
لم نكن وحدنا.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما دخلنا الصالة القديمة.
على الحائط المغطى بالتراب، ظهرت عبارة مكتوبة حديثًا باللون الأحمر
تأخرتم...
وتحتها مباشرة...
كان هناك باب سري مفتوح في الأرض، لم يكن أحد من العائلة يعرف بوجوده أصلًا تردد صوت التصفيق داخل القبو الحجري، بطيئًا وثقيلاً، حتى بدا وكأن الجدران
تراجعنا خطوة للخلف.
أما الظل فاستمر في النزول درجة بعد درجة.
ثم توقف.
وساد صمت مخيف.
وفجأة اشتعل ضوء صغير في يد الرجل.
مصباح قديم.
ارتفع الضوء تدريجيًا حتى كشف ملامحه.
شهقت عبير.
أما أخوها فتجمد مكانه.
الرجل لم يكن غريبًا.
كان الحاج منصور...
أقدم أصدقاء الجد، والرجل الذي كانت العائلة كلها تعتبره أقرب الناس إليه.
الشخص الذي حضر عزاءات العائلة وأفراحها لعشرات السنين.
قال أخوها مذهولًا
إنت؟!
تنهد الرجل وجلس على إحدى الصناديق القديمة.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أشار إلى الصندوق الفارغ وقال
وجيتوا تدوروا على الأمانة.
صرخ أخوها
هي فين؟!
ابتسم ابتسامة غامضة.
السؤال الصح مش فين الأمانة... السؤال هو مين صاحبها.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا أصفر قديمًا.
كان مختومًا بالشمع الأحمر نفسه الموجود على الأوراق.
ارتعشت يد عبير.
ده ختم جدي.
هز الحاج منصور رأسه.
أيوه... لأن جدك سلمني الظرف ده بنفسه قبل وفاته بأسبوع.
شعرنا وكأن الأرض تميد بنا.
كل هذه السنوات وكان الرجل يخفي شيئًا؟
قال بهدوء
جدكم كان عارف إن الحقيقة لو خرجت في وقته هتدمر ناس كتير بريئة. عشان كده خبّاها.
فتح الظرف ببطء.
وأخرج منه ورقة واحدة.
ورقة قديمة جدًا.
لكن قبل أن يقرأها...
انطلق صوت محرك سيارة من خارج البيت.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
تبادلنا النظرات.
ركض أحد الإخوة إلى النافذة الصغيرة أعلى القبو.
نظر للخارج.
وعاد ووجهه شاحب.
في عربيات كتير جاية ناحية البيت.
وقف الحاج منصور بسرعة لأول مرة.
واختفت هدوؤه تمامًا.
وصلوا.
مين؟
نظر إلى عبير مباشرة.
وقال
الناس اللي كانت بتدور على الورقة دي من قبل ما إنتِ تتولدي.
ازدادت أصوات السيارات.
ثم سمعنا أبوابًا تُفتح في الخارج.
وأصوات خطوات تقترب من البيت.
كانت كثيرة.
أكثر مما توقعنا.
قبض الحاج منصور على الورقة بقوة وقال
اسمعوني كويس... اللي مكتوب هنا هيغير تاريخ عيلة كاملة.
ثم نظر نحو باب القبو.
في نفس اللحظة...
صدر من فوق صوت تحطم
وتلاه صوت رجل يهتف
فتشوا المكان كله!
تجمد الجميع.
أما الحاج منصور فأخفى الورقة داخل سترته وقال
واضح إن وقت الأسرار خلص...
ثم اتجه نحو الحائط الخلفي للقبو، وضغط على حجر بارز بين الطوب.
فاهتز جزء من الجدار ببطء...
وظهر خلفه ممر ضيق لم يكن أحد يعلم بوجوده.
لكن قبل أن نتحرك نحوه...
دوى صوت قوي من أعلى السلم.
ثم تبعه صراخ.
ثم صوت سقوط شخص على الدرج...
شخص كان يتدحرج نحونا في الظلام وقفنا جميعًا أمام الفتحة المظلمة.
الهواء البارد كان طالع منها كأنه نفس قديم محبوس تحت الأرض من عشرات السنين.
أخوها أمسك كشاف الهاتف وسلط الضوء إلى الداخل.
ظهرت درجات حجرية تنزل إلى أسفل.
درجة وراء درجة وراء درجة...
لكن النهاية لم تكن ظاهرة.
ابتلعنا ريقنا ونزلنا بحذر.
كل خطوة كانت تصدر صدى غريبًا في المكان.
ولما وصلنا إلى آخر السلم، لقينا غرفة واسعة تحت البيت، جدرانها من الطوب القديم، وفي منتصفها منضدة خشب مغطاة بالتراب.
لكن الغريب أن التراب كان متحركًا.
في آثار أقدام حديثة.
حد كان هنا قبلنا بدقائق.
تقدمت عبير بسرعة نحو المنضدة.
فوقها كان صندوق حديدي صغير.
مفتوح.
شهقت عبير.
لا...
جرينا ناحيته.
كان فارغًا.
أخوها ضرب المنضدة بقبضته وصلوا قبلنا!
لكن فجأة لاحظت شيئًا.
في قاع الصندوق الفارغ كانت توجد ورقة مطوية.
التقطتها عبير بسرعة.
فتحتها.
وظهر خط جدها القديم.
لكن الرسالة كانت قصيرة جدًا
إذا وجدت الصندوق فارغًا، فاعلم أن الأمانة انتقلت إلى صاحبها الحقيقي.
نظرنا لبعضنا في حيرة.
يعني إيه صاحبها الحقيقي؟
وفجأة سمعنا صوت ارتطام من فوق.
ثم صوت باب يُغلق بعنف.
رفعنا رؤوسنا.
فيه حد في البيت.
أطفأ أخوها الكشاف فورًا.
عمّ الظلام.
وبدأنا نسمع خطوات بطيئة فوق رؤوسنا.
خطوة...
ثم خطوة أخرى...
ثم ثالثة.
كأن شخصًا يتجول في الغرف القديمة باطمئنان.
والأغرب من ذلك...
أنه لم يكن يحاول الهرب.
بل كان يبحث عن شيء.
مرت ثوانٍ طويلة كأنها ساعات.
ثم سمعنا صوتًا
أنا عارف إنكم هنا.
تجمدنا.
كان صوت رجل.
هادئ بشكل مخيف.
ومتأكد إن عبير معاكم.
قبض أخوها على عصا قديمة كانت بجواره.
أما عبير فشحب وجهها فجأة.
همست بصوت مرتعش
مستحيل...
تعرفيه؟ سألتها.
هزت
متابعة القراءة