بنت عمي
بنت عمى هربت من البلد وسابت جوزها بعد شهر جواز ومحدش عارف عنها حاجة لينا سنة وانا واخواتها قالبين عليها الدنيا ومش عارفينلها طريق وجابتلنا العار في البلد وبقينا مسخرة للي يسوي واللي ميسواش
عرفت أن بنتى بتتواصل معاها ضربتها وسحبت منها الموبايل وبكلمها انا علي أساس اني بنتى عشان اعرف مكانها
البيت كان قايد نار، مش نار حقيقية، بس نار الغل والفضايح اللي بتاكل في الجدران من سنة كاملة. من يوم ما عبير بنت عمي هربت وسابت جوزها بعد شهر جواز واحد، والبلد ملهية في سيرتنا. اللي يسوى واللي ميسواش بقى يحط عينه في عينا ويغمز، وسيرتنا بقت لبانة في بق الكل. سنة كاملة وأنا وإخواتها قالبين الدنيا عليها، فص ملح وداب، كأن الأرض انشقت وبلعتها. كرامتنا اتهانت في البلد، والراس اللي كانت مرفوعة بقت في الطين.
لحد الليلة دي... الليلة اللي كل حاجة فيها اتقلبت.
دخلت الأوضة على بنتي هناء فجأة، لقيتها مخضوضة، وبتداري شاشة الموبايل بلهفة مريبة. وشها صِفر، وصوابعها كانت بترتعش. شكيت، والشك في بيتنا بقاله سنة زي البارود مستني عود كبريت. هجمت عليها وسحبت الموبايل من إيدها وعيني جت على الشاشة. صاعقة ونزلت عليا لما قريت الاسم اللي مبعوتله الرسالة على الواتساب.. طنط عبير.
الدنيا لفت بيا، الدم غلى في عروقي لدرجة إني مشفتش قدامي. من غير ما أحس، نزلت فوقها ضرب، ضرب الغل والقهر والوجع اللي عيشتهولنا بنت عمي سنة كاملة. بنت عمك اللي جابتلنا العار بتكلميها يا فاجرة؟! ومخبية عليا؟!.. بنتي كانت بتصرخ وتحلف إنها ميعرفوش مكانها، وإن عبير هي اللي دخلت كلمتها من حساب جديد ومستخبية ورا رقم غريب.
سحبت الموبايل منها وطردتها برة الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. قعدت
أصابع إيدي كانت بترتعش، بس الغل عواني. كان لازم أتصرف بذكاء، لو عرفت إني أنا اللي بكلمها هتقفل السكة وتختفي للأبد. أخدت نفس طويل، وحاولت أتقمص شخصية بنتي هناء. كتبت لها بجرأة وخوف مصطنع
متقلقيش يا طنط، سِرِك في بير.. أنا عمري ما أقول لبابا، أنتي وحشاني أوي.. طمنيني عليكي، أنتي فين بالظبط؟ كلنا قلقانين، والبلد مقلوبة، بس أنا خايفة عليكي أنتي.
دقيقة.. اتنين.. التلاتة مروا كأنهم سنين. وفجأة، ظهرت علامة يكتب الآن....
جسمي كله اتشنج، وعيني برقت وأنا مستني الرد اللي هيبرد ناري ونار إخواتها.
جالي الرد أنا مش هقدر أقولك أنا فين بالظبط يا هناء، بس أنا في مكان بعيد أوي عن الصعيد.. في شقة مدارية في القاهرة، ومتبهدلة.. أنا هربت عشان جوزي كان عاوز يموتني، ومحدش من أهلنا كان هيصدقني.. أنا محتاجة مساعدة، ومحتاجة فلوس ضروري لأن صاحبة الشقة طردتني ومبقاش معايا مليم.
حسيت بنبضات قلبي بتسمع في وداني. الحية بدأت تتكلم، وعاملة نفسها ضحية. كتبت لها بسرعة يا حبيبتي يا طنط! طب أنا معايا قرشين كنت محوشاهم، وأقدر أتصرفلك في مبلغ كمان.. بس قوليلي أجيلك فين بالظبط وأسلمهم ليكي إزاي؟ أنا مستعدة أجيلك ومحدش هيحس بيا.
ردت عبير عليا علطول، وكأن الفلوس عمتها بجد يا هناء؟ ربنا يخليكي ليا يا بنتي.. بصي، أنا مش هينفع أقابلك في الشقة، المكان خطر.. بكرا العصر، هكون مستنياكي في محطة مصر برمسيس، عند الرصيف رقم 4، هكون لابسة عباية
الكاتب_رومانى_مكرم
شفت الرسالة، وابتسامة غل ظهرت على وشي. قفلت الموبايل وحطيته في جيبي. النار اللي جوايا بدأت تبرد وبتحل محلها خطة الانتقام. قمت من على السرير، وفتحت باب الأوضة، ونزلت السلم جري وأنا بكلم إخواتها في الموبايل وصوتي كله فحيح اجمعوا الرجالة وجهزوا العربيات.. الحية ظهرت، وبكرا العصر غسيل عارنا هيبقى في محطة مصر.
ووصلت العربيات القاهرة قبل الموعد بساعتين. كان الغضب مالي قلوب الكل، وكل واحد متخيل ألف سيناريو وسيناريو عن سبب هروب عبير. لكن جوايا كان فيه إحساس غريب... إحساس إن الحكاية أكبر من مجرد هروب.
وقفنا بعيد نراقب الرصيف رقم 4 في محطة مصر. الناس رايحة جاية، والقطارات داخلة طالعة، لحد ما لمحنا ست لابسة عباية سودا وطرحة كحلي واقفة في ركن بعيد، كل شوية تبص حواليها بخوف.
هي دي! صاح أخوها الكبير.
كان لسه هيجري عليها، لكني مسكته من دراعه. استنى... في حاجة مش طبيعية.
وفعلاً، بعد دقائق، ظهر راجل غريب وسلمها ظرف ورق سميك، وأخده منها بسرعة ومشى. عبير فتحت الظرف بعصبية، وبمجرد ما شافت اللي جواه، وشها اتغير وبقت شبه اللي شاف شبح.
في اللحظة دي خرجنا قدامها.
لما رفعت عينها وشافتنا، اتجمدت مكانها.
أخيرًا لقيناكي! صرخ أخوها.
لكن بدل ما تهرب أو تصرخ، قالت بصوت مكسور لو كنتوا جيتوا بعد خمس دقايق بس، كان فات الأوان.
سكت الكل.
وأخرجت من الظرف مجموعة أوراق قديمة وصور باهتة.
أنا مهربتش عشان نفسي... أنا هربت عشان السر ده.
بصينا لبعض باستغراب.
مدت أول صورة لأخوها، وما إن وقعت عينه عليها حتى شحب وجهه.
مستحيل.
كانت الصورة لجدهم الراحل، لكن اللي واقف جنبه شخص تاني معروف في البلد كلها، شخص كان اسمه مرتبط بحادثة اختفاء غامضة من أكتر من ثلاثين سنة.
قالت عبير قبل فرحي بأيام، وأنا برتب حاجات قديمة في بيت جدي، لقيت صندوق مخفي تحت الأرض. الصندوق كان مليان أوراق ورسائل تثبت إن الحكاية اللي البلد كلها مصدقاها من سنين كانت كذبة.
بدأ التوتر يزيد.
وفي ناس عرفت إني لقيت الصندوق. من يومها وأنا بتراقب. واتهددت أكتر من مرة.
مين؟ سألتها.
هزت رأسها وقالت الناس اللي لحد النهارده مستفيدة من دفن الحقيقة.
وفجأة رن هاتفها.
نظرت للشاشة، وارتجفت يدها.
عرفوا إنكم وصلتوا.
مين؟
رفعت الهاتف قدامنا.
كانت رسالة قصيرة رجوعك للعيلة كان أكبر غلطة عملتيها. والملف لازم يرجع الليلة.
نظرنا لبعضنا في صمت.
لأول مرة منذ سنة كاملة، نسينا العار والكلام والفضايح.
لأننا أدركنا أن عبير لم تكن تهرب من أهلها...
بل كانت تهرب من سر قديم، وسر أكبر مما تخيلناه جميعًا، وما زال هناك من يفعل أي شيء حتى لا يخرج للنور تجمدت الدماء في عروقنا بعد الرسالة.
خطف أخوها الهاتف من إيدها وقرأها مرة واتنين، ثم رفع رأسه وقال مين اللي بعت الرسالة دي؟
عبير بصت حواليها بخوف، كأنها متوقعة حد يطلع من بين الزحام في أي لحظة.
مش عارفة اسمه الحقيقي... كل اللي أعرفه إنهم بيراقبوني من سنة.
وفجأة لمحنا راجل واقف بعيد عند آخر الرصيف، لابس كاب أسود ونظارة شمس رغم إن الدنيا كانت داخلة على المغرب. أول ما عينه جت في عين عبير، لف بسرعة ومشى.
هو ده! صاحت عبير.
جرى أخوها وراه، وجرينا كلنا خلفه بين الناس.
كان الراجل يعرف المحطة كويس، يدخل من ممر ويخرج من التاني، لحد ما اختفى فجأة كأنه تبخر.
وقفنا نلهث،
فلاشة صغيرة.
التقطها