البنت المحترمه
منين جبتي دي؟
قصت عليه كل ما حدث.
الرسالة.
الخاتم.
الصورة.
ظل صامتًا لوقت طويل.
ثم قال شيئًا أربكها
في حاجة عمرك ما عرفتيها.
إيه هي؟
نظر إلى الباب المغلق أولًا، ثم خفض صوته.
بعد اختفاء شيماء بشهور... سامي اختفى هو كمان.
اتسعت عينا شهد.
اختفى؟!
فجأة. ساب شغله وسكنه وكل حاجة.
شهقت شهد.
يعني كان متورط؟
هز حسن رأسه بسرعة.
محدش عرف. الشرطة وقتها سألت عنه، لكن ماكانش فيه دليل على أي حاجة.
ثم أخرج شيئًا من جيبه.
مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
مغطى بالخدوش.
لقيت ده بين حاجات شيماء زمان.
وإيه ده؟
معرفش.
ثم أضاف
لكن فيه عنوان مكتوب على الورقة اللي كانت معاه.
ناولها قصاصة صغيرة صفراء.
وعندما قرأت العنوان، شعرت بقشعريرة قوية.
لأن المكان كان موجودًا في الإسكندرية.
بل على بعد دقائق قليلة من الجامعة.
في اليوم التالي ذهبت شهد إلى العنوان.
كان مبنى قديمًا مهجورًا يبدو وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
تقدمت ببطء.
والقلب يدق بعنف.
أدخلت المفتاح في الباب الحديدي الصدئ.
للحظة ظنت أنه لن يعمل.
لكن...
طَق.
دار المفتاح.
وانفتح الباب.
دخلت إلى الداخل.
الغبار يغطي كل شيء.
وأشعة الشمس تتسلل من شقوق النوافذ.
ثم رأت غرفة صغيرة في آخر الممر.
دفعت الباب.
فتحت.
وتجمدت في مكانها.
الجدران كانت مليئة بالصور.
عشرات الصور.
كلها لشخص واحد.
شيماء.
في مراحل مختلفة من حياتها.
لكن بين الصور صورة أحدث من الباقي.
أحدث بكثير.
صورة التُقطت منذ سنوات قليلة فقط.
وليست منذ عشرين عامًا.
معنى ذلك كان مرعبًا وواضحًا في الوقت نفسه.
إذا كانت الصورة حقيقية...
فشيماء لم تختفِ في ذلك الوقت.
ولم تمت.
كانت على قيد الحياة لسنوات طويلة بعد اليوم الذي اعتقد الجميع أنها اختفت فيه.
لكن الصدمة الأكبر كانت تنتظر شهد.
لأنها عندما اقتربت من الصورة الحديثة أكثر...
لاحظت شيئًا مكتوبًا أسفلها بخط واضح
إذا وصلتِ إلى هنا يا شهد... فهذا يعني أن الوقت قد حان لتعرفي من أنا حقًا اقتربت شهد من الصورة وهي غير مصدقة ما تراه.
تحت العبارة كان هناك ظرف مغلق.
فتحته بيدين مرتعشتين.
وفي الداخل وجدت رسالة طويلة مكتوبة بخط شيماء.
بدأت تقرأ
شهد...
إذا كنتِ
أنا لم أختفِ.
أنا هربت.
في ذلك الوقت كنت أعيش تحت سيطرة وخوف دائمين داخل العائلة. كنت أشعر أن حياتي تُسحب مني يومًا بعد يوم، وأنني لن أستطيع أن أكون نفسي أبدًا.
عندما سنحت لي فرصة السفر والعمل في مكان بعيد، رحلت دون أن أخبر أحدًا.
كنت أظن أنني أحمي نفسي.
لكنني لم أتخيل أن اختفائي سيترك هذا الجرح كله وراءه.
توقفت شهد للحظة، والدموع تملأ عينيها.
ثم أكملت القراءة.
أختي أمينة لم تتجاوز صدمة رحيلي أبدًا.
كانت تخاف من فقدان من تحبهم.
ومع مرور السنين تحول خوفها إلى سيطرة.
كلما رأتك تشبهينني أكثر، كانت تخاف أكثر.
كانت تظن أنها تحميك، بينما كانت تؤذيك دون أن تشعر.
وفي آخر الرسالة
لا تحملي الكراهية في قلبك.
ولا تسمحي للخوف أن يدير حياتك كما فعل بنا.
كوني الشخص الذي فشلنا نحن في أن نكونه.
حرة...
وقوية...
ونفسك.
وجدت شهد عنوانًا آخر أسفل الرسالة.
عنوان دار رعاية في مدينة بعيدة.
وعندما ذهبت إليه
شيماء كانت موجودة هناك بالفعل.
امرأة في الخمسينات من عمرها، بشعر رمادي خفيف وابتسامة دافئة.
وما إن رأت شهد حتى بكت.
أما شهد فألقت نفسها في حضنها.
وبكتا معًا سنوات طويلة من الفقد والأسئلة.
بعد ذلك عادت شهد إلى أمها.
لم تكن المواجهة سهلة.
اعترفت أمينة بكل أخطائها.
واعترفت أنها تركت خوفها يتحكم فيها حتى فقدت القدرة على رؤية ابنتها كإنسانة مستقلة.
واحتاج الأمر وقتًا طويلًا حتى تُبنى الثقة من جديد.
لكن هذه المرة كانت الحدود واضحة.
وشهد هي من تضعها.
مرت الشهور.
وبدأ شعر شهد ينمو من جديد.
سنتيمترًا بعد سنتيمتر.
وكانت كل خصلة جديدة تذكرها بأنها لم تعد تلك الطفلة الخائفة.
وفي يوم تخرجها من الجامعة، وقفت على المنصة تستلم شهادتها.
في الصف الأول جلست أمينة وأبوها حسن وخالتها شيماء.
وعندما انتهى الحفل، التقطوا صورة جماعية.
ابتسمت شهد للكاميرا.
وشعرها الطويل يتحرك مع الهواء.
ولأول مرة في حياتها، لم تكن تشعر بالخجل من شكلها.
ولا بالخوف من رأي أحد.
لأنها أخيرًا عرفت
الجمال لم يكن في الشعر الذي حُرمت منه سنوات.
الجمال كان في اللحظة التي امتلكت فيها حياتها بنفسها.