ابي انهي عشرين سنه
قبل ما حد يجاوب
سمعنا صوت جاي من بعيد من جوه البيت.
صوت بابا.
بس المرة دي مش بيتكلم.
كان بيعدّ.
واحد اتنين تلاتة
الرجل اللي واقف قال بسرعة ده اشتغلوا عليه بيبدأوا يفصلوه عن نفسه.
ثم بص لي وقال
لو العد وصل للآخر هتخسريه للأبد.
أمي شهقت يعني إيه نخسره؟ هو فين أصلًا؟!
لكن مفيش حد رد.
لأن العد كان كمل
سبعة
وكل رقم كان بيخلي النور في الشارع يضعف أكتر.
ثمانية
السماء نفسها بقت أثقل.
تسعة
وآخر حاجة سمعتها قبل ما كل حاجة تهتز كانت صوت الرجل بيقول
لو عايزة تنقذيه لازم تختاري دلوقتي بين فتح الملف أو إقفاله للأبد.
وإيدي كانت واقفة فوق زر واحد على الشاشة
تشغيل الاسترجاع الكامل
والبيت كله بدأ يقفل علينا تاني من جوه الشخص اللي خرج من باب البيت ما كانش بابا.
كان نفس الشكل تقريبًا نفس الطول نفس الملامح من بعيد.
لكن أول ما قرب خطوة للضوء، اتضح الفرق.
الهدوء في عينيه كان غريب بارد محسوب.
وقال بصوت ثابت أنا اللي المفروض كان يفضل جوه من البداية.
أمي تراجعت خطوة للخلف إنت مين؟!
الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة أنا الجزء اللي أبوكم كان بيحاول يخبيه ومش منكم بس.
قلبي وقع.
الرجل اللي في الشارع قال بحدة إنت خرجت إزاي؟!
الراجل اللي طالع من البيت رد بهدوء زي ما دايمًا بخرج لما الحقيقة تبدأ تصحى.
ثم بص على الفلاشة في إيدي.
وسكت.
ثانية.
ثانيتين.
وبعدين قال جملة خلت الهواء يتجمد
أخيرًا وصلت لهنا النسخة اللي معاكم هي النسخة الكاملة.
الرجلين اللي في الشارع اتغيرت ملامحهم فورًا.
واحد فيهم قال بسرعة في نسخ تانية؟
الراجل اللي خرج من البيت هز راسه أكتر مما تتخيلوا.
أمي همست لي هو بيقول إيه؟ أبوكي جوه ولا مين؟
لكن قبل ما أرد
سمعنا صوت جاي من الفلاشة نفسها.
صوت
صوت بابا.
لو حد سمع الرسالة دي يبقى أنا ماقدرتش أكمّل للنهاية.
كلنا تجمدنا.
الصوت كمل
اللي حصل مش مجرد ديون ولا فساد دي لعبة اتعملت عشان تمسح أسماء معينة من الوجود، وتسيب ناس تانية تاخد مكانها.
الرجل اللي خرج من البيت قال بهدوء وهو يبص لنا مش قلتلكم الحقيقة أكبر من شخص واحد.
وفجأة
الصفارات اقتربت أكتر.
لكن المرة دي مش بس من الشارع.
صوتها جه من اتجاهات مختلفة.
كأن المكان كله اتقفل علينا.
الرجلين اللي كانوا في العربية انسحبوا خطوة للخلف.
واحد فيهم قال ده مش توقيتنا في جهة تانية دخلت.
أمي مسكت إيدي بقوة يعني إيه؟ إحنا في حرب ولا إيه؟
قبل ما أرد
الأرض نفسها اهتزت بخفة.
والرجل اللي طالع من البيت قال جملة أخيرة وهو يبص للسماء دلوقتي بس بقى فيه شهود حقيقيين.
وبعدين لف ناحيتي مباشرة
لو الفلاشة دي اتفتحت بالكامل مش بس أبوكي اللي هيرجع ده اللي اتشال من السجلات كلها هيرجع يتشاف.
صمت.
ثقيل.
مرعب.
ثم أضاف
بس السؤال الحقيقي مش مين هيظهر.
سكت لحظة.
السؤال مين هيختفي بعده؟
وفي نفس اللحظة
نور الفلاشة بدأ يومض بسرعة.
كأنها بتعد تنازلي.
10
9
8
وأمي بصت لي وقالت بصوت مرتجف إنتي شغّالها ليه؟!
لكن الحقيقة
إني ماكنتش أنا اللي شغّلها.
كانت بتشتغل لوحدها إيدي كانت واقفة فوق الزر، مش قادرة تتحرك كأن القرار مش قراري لوحدي.
تشغيل الاسترجاع الكامل.
تحتها مباشرة كان زر أصغر مكتوب عليه إلغاء وحذف الذاكرة.
العد من جوه البيت كان بيكمل بصوت بابا، لكن صوته بقى أضعف
عشرة
أمي بصتلي بعينين مليانة خوف متضغطش إحنا مش فاهمين حاجة!
لكن الرجل اللي واقف جنبنا هز راسه بسرعة لو ما اتضغطش دلوقتي هيمسحوه بالكامل. مش هيتسجل إنه كان موجود أصلاً.
سكت
كلمة مش موجود كانت أبشع من أي تهديد.
أحداشر
الصوت من البيت بقى متقطع.
كأن حد بيحاول يسحب الكلام من جوه حلقه.
أختي الصغيرة بدأت تبكي أنا مش فاهمة بابا فين!
وأمي كانت لأول مرة منهارة فعليًا، مش قادرة تقف ثابتة.
اتناشر
وفي نفس اللحظة
ظهر على شاشة الفلاشة وجه بابا.
لكن مش هو.
كان نسخة منه لكن ملامحه هادية زيادة عن الطبيعي، كأنه مش متحكم في نفسه.
وقال بصوت مسجل لو شفتوا الرسالة دي، يبقى أنا نجحت إني أوصلكم لآخر نقطة.
ثم سكت ثانية.
بس لازم تعرفوا في مرحلة اسمها إعادة البناء ودي معناها إن الحقيقة ممكن ترجع بس مش كل الناس هتفضل زي ما هي.
الرجل اللي جنبنا همس بدأوا يبنوا نسخة جديدة من الواقع.
أمي بصت له بغضب إنتوا مجانين؟ إيه الكلام ده؟!
لكن قبل ما يرد
صوت العد وقف فجأة.
البيت كله سكت.
حتى الهواء.
وفجأة
كليك.
الفلاشة اشتغلت وضع جديد.
والشاشة كتبت
تم اختيار المستخدم.
ثم ظهرت رسالة واحدة
المشغّل الابنة الكبرى.
قلبي اتجمد.
وأنا ما عملتش أي حاجة.
الزر اشتغل لوحده.
والشاشة بدأت تنفذ الأمر.
لكن قبل ما أي حاجة تحصل
سمعنا صوت بابا الحقيقي مش من تسجيل.
من جوه البيت.
يصرخ لأول مرة
اقفليها! ما تكمليش!
لكن الصوت كان بيبتعد كأنه بيتسحب لبعيد جدًا.
والرجل اللي واقف قال بهدوء مرعب دلوقتي مفيش رجوع.
وفجأة
كل الأضواء انطفأت.
لكن شاشة الفلاشة فضلت منوّرة.
وكتبت جملة واحدة قبل ما كل حاجة تهدأ
بدء استرجاع النسخة الأصلية من الذاكرة العائلية.
وفي اللحظة دي
حسيت إن اللي جاي مش بس هيكشف سر أبويا
لكن هيغيّر كل حاجة فاكرينها عن نفسنا من الأساس الظلام ما كانش مجرد انقطاع نور كان إحساس إن العالم نفسه اتقفل علينا من جوه.
شاشة
بدء استرجاع النسخة الأصلية من الذاكرة العائلية.
ثم فجأة
صوت بابا رجع تاني، لكن المرة دي كان واضح جدًا، قريب جدًا، كأنه واقف وراي
اسمعيني كويس ما فيش حاجة اسمها نسخة واحدة من الحقيقة.
سكت لحظة.
في حاجات لو ظهرت مش هتعرفوا تكمّلوا حياتكم زي ما هي.
أمي كانت بتبكي بصمت، وأختي ماسكة في هدومي، وأنا واقفة مش قادرة أقرر إذا كنت هكمل ولا أوقف كل حاجة.
الرجل اللي كان واقف جنبنا قال بهدوء أخير الاختيار مش هيبقى عندك دلوقتي هو اتاخد خلاص.
وفجأة
الشاشة نورت بقوة عالية.
وصورة البيت ظهرت لكن مش بيتنا الحالي.
بيت قديم.
ناس كتير فيه مش بس إحنا.
وأبويا واقف في المنتصف بيوقع ورق.
لكن المرة دي، في الحقيقة ظهر اسم تاني تحت توقيعه.
اسم أمي.
أمي شهقت أنا؟!
الصورة كملت
مشهد تاني اجتماع كبير كلام عن مشروع، عن حماية ناس، عن قرارات اتاخدت باسم العيلة كلها عشان تنقذ ناس تانية من انهيار أكبر.
والصوت جه مرة أخيرة من بابا، واضح ومكسور
أنا ما كنتش بخونكم كنت بكتبكم جوه حاجة أكبر من قدرتكم تتحملوها.
ثم سكت.
والشاشة بدأت تهدأ.
البيت رجع نور ببطء.
الرجل اللي واقف اختفى.
والفلاشة فصلت لوحدها وبقت قطعة معدن عادية في إيدي.
صمت طويل.
أمي مسحت دموعها وقالت بصوت ضعيف يعني كل ده كان عشان يحمينا؟
ما كانش في رد سهل.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى في نفس الوقت.
أيوه، هو خاف وقرر يختفي.
لكن في نفس الوقت حطنا في قلب حاجة أكبر من عمرنا كله.
مرّ يوم.
اتنين.
والبيت رجع هادي لكن مش زي الأول.
لحد ما وصل ظرف أخير على الباب.
من غير اسم مرسل.
جواه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها
اللي شفتوه جزء من الحقيقة مش كلها. ولو وصلتوا
وفي آخر السطر
لو عايزين تعرفوا ما ترموش الفلاشة.
نظرت لأمي.
ونظرت للفلاشة.
وفهمت حاجة واحدة بس
إن القصة ما خلصتش.
هي بس بدأت من الأول بجد.