عمرى65 سنه، مطلقه من 5سنين

لمحة نيوز

عمري 65 سنة، ومطلقة من 5 سنين. طليقي سابلي فيزا بنك وفيها 3 آلاف دولار، وعمري ما مديت إيدي عليها ولا لمستها. بعد خمس سنين، لما رحت أسحب الفلوس دي... اتسمرت في مكاني من الصدمة.
بعد 37 سنة جواز، رضا رماني في طرقة محكمة الأسرة في الزنانيري وكأني كنبة قديمة كسرها واستغنى عنها ورماها على الرصيف. الطرقة كانت ريحتها بن محروق، وورق تصوير، وبالطو صوف مبلول من المطر. لمبات الفلورسنت كانت بتزن فوق دماغنا، ومخلية وشوش الناس كلها تبان تعبانة ومخطوفة. ضغط بالفيزا في كف إيدي وقاللي بمنتهى البرود، كأنه بيدفع غرامة ركنة صف تاني خدي، دول يمشوكي كام شهر.
وكأني كنت مصلحة وخلصها من وراه.
مبكتش قدامه ولا خليته يشوف دموعي. قفلت صوابعي على الفيزا لدرجة إن الأرقام البارزة علمت في جلدي، ووقفت أتفرج عليه وهو ماشي ناحية الأسانسير ومن غير ما يبص وراه حتى. قسيمة الطلاق كانت لسه دافية من مكنة التصوير بتاعة الموظف. شنطتي كان فيها لفة ورق من المحكمة، وجدول مواعيد أتوبيس النقل العام، والإهانة البلاستيك الصغيرة دي اللي وراها 3 آلاف دولار.
نقلت في أوضة فوق جراج قديم ورا بيت في بولاق. السقف كان بينش مية فوق الدفاية، والشباك كان بيترج كل ما قطر يمر، وفي طوبة كان الجو ساقعة ورطوبة تخش العضم.

اشتغلت في تنظيف المطابخ، ومسح الحمامات، وقعدت مع ست كبيرة في الإجازات، وكنت بجمع علب التونة والفول لما مصاريف البيت تخلص قبل آخر الشهر. في أيام، كان عشاي شوية شوربة بمية سخنة، لأن باكو المرقة كان بيكلفني أكتر ملي أقدر أعترف بيه لنفسي.
بس عمري ما مديت إيدي على الفيزا دي.
ولا عشان لقمة آكلها، ولا تذكرة أتوبيس، ولا حتى لما جزمتي اتقطعت من قدام واضطريت ألزقها ببلاستر من جوه.
الناس تسمي ده كبرياء، ويمكن كان فيه جزء من كده. بس في الحقيقة، مكنتش قادرة أتحمل فكرة إن رضا يقرر يشتري بقية عمري كله بكام شهر يدوب أعيش فيهم على الوش. سبعة وتلاتين سنة وأنا بغسل قمصانه، وبربي عيالنا، وبداري على عيوبه وغلطاته في عزومات العيلة، وحافظة كل أكلة بيحبها، وكل عيد ميلاد، ومواعيد وصلات النور والمية... وفي الآخر يديني حتة جلده كأنها مكافأة نهاية الخدمة لشغالة مش لزوجته.
عيالي كانوا بيساعدوا على قد ما يقدروا. أمل كانت بتبعتلي طلبات للبيت، وطارق دفعلي فاتورة التليفون مرتين. بس كان وراهم إيجار، وعيال، ومصاريف مدارس، وحسبة تقطم الظهر بيقعدوا يعيدوا ويزيدوا فيها بالليل على طرابيزة المطبخ. فكنت ببتسم في التليفون وأقولهم أنا زي الفل يا حبيبي، مش ناقصني حاجة. ربنا كرمني وعرفت أداري الجوع
كأنه رجيم.
لحد الأسبوع اللي فات، لما أغمى عليا قدام باب الأوضة.
كل اللي فاكراه غواش في عيني وأنا شايفة صندوق البوسطة، ومفاتيح رنت على الخرسانة، وكلب الجيران عمال يهوهو كأن الدنيا اتهدت. في استقبال المستشفى الحكومي، الممرضة ربطت غويشة ورق حوالين معصمي وطلبت بطاقة التأمين الصحي. الدكتور بص في تذكرتي، وبعدين بصلي، ومتكلمش براحة.
قاللي لو مأخدتيش بالك من نفسك دلوقتي، الموضوع هيقلب بجد والوضع هيسوء بسرعة.
أداني ورقة الخروج، وروشتة، وبصلي البصة اللي الناس بتبصها للستات الكبار لما يحسوا إننا بنستحمل الوجع وندوس على نفسنا بقالنا سنين. بالليل، تحت لمبة المطبخ الصفرا، فتحت كرتونة الجزم اللي شايلة فيها أوراقي المهمة شهادة ميلادي، قسيمة الطلاق، صور العيال بتاعة المدارس زمان، وفيزا رضا في ظرف قديم ومصفر.
كانت باينة في عيني أكبر من حجمها.
قلت لنفسي ال 3 آلاف دولار دول مش كرامة، دول تمن دوا. دول كشف دكتور. دول تمن ليلتين في مكان نظيف حد يقيسلي فيهم الضغط ويقولي أعمل إيه بعد كده. الكبرياء مش هيقيس الحرارة، والكبرياء مش هيدفع تمن الروشتة للصيدلي.
تاني يوم الصبح، لبست أنظف عباية عندي، وحطيت الفيزا في شنطتي اللي مخيطاها بإيدي، وركبت الأتوبيس ورحت البنك.
الفرع كان منور أوي،
وريحته ديتول وتكييف ساقع، مع ريحة بن محروق جاية من ورا المكاتب. جزمتي كانت بتزيق على البلاط. ساعة الحيطة كانت 1042 الصبح لما وقفت في الطابور، وفاكرة الوقت ده بالذات لأني فضلت مبلمة في الساعة عشان مبصش على الناس الشيك اللي حواليا.
لما جه دوري، سملت الفيزا للموظف، كان شاب صغير وعينيه طيبة، وقلتله عايزة أسحب كل اللي فيها لو سمحت.
ابتسم الابتسامة الميكانيكية بتاعة موظفين البنوك، وبدأ يكتب على الكمبيوتر.
وفجأة ابتسامته اختفت.
كتب تاني، بالراحة المرة دي. قلب الفيزا في إيده وبص في بطاقتي وطلب مني أقول اسمي بالكامل. صوابعه كانت بتتحرك فوق الكيبورد كأن الزراير بقت خطيرة فجأة.
بصلي وقال بحذر يا حجة... مفيش 3 آلاف دولار هنا.
الدنيا لفت بيا والحيطة صغرت في عيني.
سألته وصوتي بيرعش أمال فيهم كام؟
بلع ريقه وبص وراه ناحية المكتب الزجاجي اللي ورا المكاتب وقال أنا لازم أنده للمدير.
كنت عايزة أثور، كنت عايزة أضحك، كنت عايزة أقول إن رضا عرف يكسرني ويذلني للمرة الأخيرة حتى بعد 5 سنين. بس بدل كل ده، ساندت بإيدي على الرخامة وركزت عيني على علم مصر الصغير المحطوط في مقلمة المكاتب، لأنه كان الحاجه الوحيدة الثابتة في الأوضة ومش بتهتز.
خرج المدير وهو ماسك في إيده ظرف مقفول ومختوم.

اسمي بالكامل كان مكتوب بخط الإيد
تم نسخ الرابط