جالى دور كرونا
نفسي.
في يوم، ابني رجع من السفر بعد غياب طويل. أول ما دخل البيت، حضنني وحضن مرام والعيال، وقعد يسمع مننا أخبار الفترة اللي فاتت.
أنا كنت مخبية عليه كل حاجة.
لكن مرام، كعادتها، ما قالتش كلمة تسيء ليا.
قالت له بس أمك تعبت شوية والحمد لله بقت كويسة.
بصيت لها وأنا عارفة إنها لو كانت حكت الحقيقة كاملة، كان من حقها تزعل وتعاتب.
بعد كام يوم، لقيت ظرف على الترابيزة.
فتحته لقيت فيه جزء من تحويشة كنت محتفظة بيها.
قلت لمرام إيه ده؟
قالت دي فلوسك يا ماما، كنتِ سيباها عندي.
دفعت الظرف ناحيتها وقلت خديهم للعيال.
رفضت.
رجعتهولها تاني.
رفضت برضه.
وفي الآخر قلت يبقى اعتبريهم هدية مني لأول مرة، مش من خير ابني.
وقتها ضحكت مرام من قلبها.
ولأول مرة من سنين، ضحكت أنا كمان من غير ما أحس إن بينا حسابات أو حقوق أو واجبات.
مرت شهور، وفي عيد الأم، كنت قاعدة في الصالة لما الولاد دخلوا جري.
ادوني علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا.
فتحتها.
لقيت جواها برواز فيه صورة ليا أنا ومرام والولاد.
وتحت الصورة مكتوب
لأجمل تيتة وأحلى أم تانية في حياتنا.
عيطت يومها.
مش بسبب الهدية.
لكن لأني افتكرت قد إيه كنت قريبة أخسر الناس دي كلها بسبب الأنانية والكِبر.
رفعت عيني لمرام.
كانت واقفة تبتسم.
فمشيت ناحيتها وحضنتها قدام الكل.
وقلت بصوت سمعه
ربنا يعوضني عن كل مرة ظلمتك فيها... ويخليكي لينا يا بنتي.
ومرام ردت بهدوء
وأنتِ كمان يا ماما... ربنا يخليكي لينا.
وانتهت الحكاية، لكن الدرس فضل موجود
أحيانًا أغلى شخص في حياتك مش اللي بينفق عليك أو بيشاركك الدم... أغلى شخص هو اللي يختارك كل يوم بالمحبة والرحمة رغم كل الأخطاء. مرت سنة كاملة بعد الحكاية دي.
وفي يوم، كنت قاعدة أنا ومرام في البلكونة بنشرب الشاي بعد ما الولاد ناموا.
بصيت لها وقلت عايزة أسألك حاجة من زمان.
ابتسمت وقالت اسألي يا ماما.
قلت وأنا مترددة يوم ما عرفتي إني كنت مخبية عليكي الكورونا... ويوم ما عرفتي إني السبب في إنك تعبتي بعدها... ليه ما طردتينيش؟
سكتت مرام شوية.
وبعدين قالت بصراحة؟ كنت زعلانة جدًا.
نزلت عيني في الأرض.
لكنها كملت
زعلانة منك... مش عليكي.
استغربت.
قالت لأني حسيت إنك شايفاني مجرد خدامة، وإنك ما وثقتيش في حبي ليكي. لو كنتِ قلتيلي من أول يوم إن عندك كورونا، كنت هتصرف بطريقة تحمي الولاد ونخدمك في نفس الوقت.
سكتت لحظة ثم ابتسمت.
لكن لما شوفتك في المستشفى لوحدك وخايفة، عرفت إن اللي خلاكي تعملي كده هو الخوف أكتر من الشر.
فضل كلامها يرن في ودني أيام طويلة.
لأول مرة حد يفرق بين الخطأ وصاحبه.
ما بررش اللي عملته، لكنه فهمه.
بعدها بشهور، حصل موقف جديد.
إحدى جاراتي
وقتها لقيت نفسي بقول لهم
اسألوها هي محتاجة إيه، ومتخبوش على بعض أي مرض أو أي حاجة مهمة. الصراحة أرحم من ألف مجاملة.
مرام كانت واقفة جنبي.
بصتلي وابتسمت.
وفهمت من غير كلام إنها عرفت أنا بقصد إيه.
وفي آخر اليوم، رجعنا البيت.
وأنا داخلة، وقفت عند باب الشقة للحظة.
نفس الباب اللي دخلته زمان وأنا مقتنعة إنه بيت ابني.
لكن المرة دي حسيت بحاجة مختلفة.
حسيت إنه بيت فيه ناس بتحب بعضها، وده أهم من أي فلوس أو ملكية.
لفيت لمرام وقلت مازحة
ممكن آخذ إذن وأدخل؟
ضحكت بصوت عالي وقالت
اتفضلي يا ماما... ده بيتك.
فرديت عليها
لا يا بنتي... بيتنا.
وأول ما قلت الكلمة دي، حسيت إن في حاجة قديمة جوايا اتصلحت أخيرًا.
تمت. بعد سنوات، كبر الأحفاد واتخرجوا، وابني رجع من الغربة نهائي.
وفي يوم كنت قاعدة في المستشفى بعد ما صحتي ضعفت جدًا، والدكاترة قالوا إن محتاجة فترة علاج طويلة ورعاية مستمرة.
بصيت حواليا.
لقيت بناتي جايين يزوروني من وقت للتاني حسب ظروفهم.
وابني كان بينزل شغله ويرجع.
لكن الشخص اللي كان موجود كل يوم، من أول الصبح لآخر الليل، هو مرام.
هي اللي كانت بتساعدني آكل.
وهي اللي كانت بتقرأ لي القرآن لما أنام.
وهي اللي كانت بتمسك إيدي وقت الألم.
في ليلة من الليالي، صحيت
بصيت لها طويلًا.
وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه على بابها مريضة، وكذبت عليها، واعتبرت تعبها وخدمتها حق مكتسب.
يومها دموعي نزلت لوحدها.
ولما صحيت مرام، مسكت إيدها وقلت
فاكرة يوم ما جيت عندك وأنا مخبية إني عندي كورونا؟
ابتسمت وقالت عدى يا ماما.
هززت رأسي وقلت
لا... عمره ما عدى من قلبي. لأن اليوم ده علمني إن الإنسان ممكن يظلم أحسن الناس إليه وهو فاكر نفسه صاحب حق.
سكتت شوية ثم كملت
أنا مش خايفة من المرض دلوقتي... أنا بس كنت خايفة أموت قبل ما أقولك شكرًا.
انفجرت مرام في البكاء.
وقالت متقوليش كده يا ماما.
لكنني أكملت
شكرًا لأنك احتويتيني وأنا ما استاهلتش. وشكرًا لأنك سامحتيني وأنا ما طلبتش السماح بسرعة. وشكرًا لأنك كنتِ بنتًا ليا قبل ما أكون أمًا ليكي.
في تلك اللحظة، دخل ابني والأحفاد.
فطلبت منهم يقربوا.
ومسكت يد ابني في يد مرام.
وقلت أمام الجميع
لو سيبت لكم أي وصية في الدنيا، فهي دي... حافظوا على مرام. لأنها أغنى إنسانة عرفتها، مش بالمال... بالقلب.
بكى الجميع.
أما مرام، فكانت تبكي وهي تقبل يدي.
فسحبتها إلى صدري وقلت آخر جملة من قلبي
يوم ما دخلت بيتك كنت فاكرة إني جاية على خير ابني... لكن الحقيقة إني كنت داخلة على خيرك إنتِ.
ومن يومها، كلما حكى الأحفاد قصة
أجمل حاجة حصلت في آخر عمر تيتة... إنها عرفت قيمة الإنسان قبل
فوات الأوان.
النهاية.