مرات ابويا ربتنى كانى بنتها
واحد عرف مكانه في الحكاية.
لكن أحيانًا...
الحياة بتخبّي الفصل الأخير لآخر لحظة.
في صباح يوم شتوي، كنت قاعدة مع منى نشرب قهوة.
وفجأة قالت
فرح... فيه حاجة لازم أديهالك.
استغربت.
قامت من مكانها، وطلعت أوضتها.
ورجعت بعد دقائق بصندوق خشب صغير جدًا.
الصندوق نفسه كان قديم.
وشكله مألوف.
كأني شوفته قبل كده.
حطته قدامي.
وقالت
أبوكي سلّمني ده قبل ما يموت.
اتجمدت.
وقالك إيه؟
ابتسمت بحزن.
قال افتحيه لفرح في اليوم اللي تتأكدي فيه إنها بقت قوية كفاية.
بقيت أبص للصندوق وأنا مش قادرة أتنفس.
فتحته ببطء.
كان جواه دفتر جلد بني.
وأول صفحة فيه مكتوب
مذكرات أبوكي... من يوم ما عرف إن أمك حامل فيكي.
دموعي نزلت فورًا.
بدأت أقلب الصفحات.
كل صفحة كانت جزء من حياة ما عشتهاش.
أول مرة سمع فيها نبض قلبي وأنا جنين.
أول لعبة اشتراها لي.
أول مرة شالني.
أول ضحكة.
أول كلمة.
وكل صفحة كانت منتهية بنفس الجملة تقريبًا
أنا محظوظ إني أبو فرح.
لحد ما وصلت للصفحات الأخيرة.
الصفحات المكتوبة بعد وفاة أمي سلوى.
وكان فيها وجع كبير.
لكن وسط الوجع، لقيت سطر متكرر عشرات المرات
منى
مرة لأنها سهرت على حرارتي.
مرة لأنها دفعت مصاريف المدرسة وهو مفلس.
مرة لأنها قضت الليل كله جنبي وأنا مريضة.
مرة لأنها خافت عليّ أكتر من نفسها.
قفلت الدفتر وأنا ببكي.
ورفعت عيني لمنى.
لقيتها بتبص بعيد.
كأنها محرجة من كل الكلام ده.
قلت لها
ليه عمرك ما حكيتي؟
ردت بهدوء
لأن الحب الحقيقي مش بيعمل كشف حساب.
وسكتنا.
ثواني طويلة.
ثم قالت فجأة
فيه حاجة أنا عمري ما قلتها ليكي.
بصيت لها باستغراب.
فأكملت
يوم ما ناديتيني ماما أول مرة... دخلت أوضتي وقفلت الباب وفضلت أعيط ساعتين.
ابتسمت وسط دموعي.
ليه؟
ردت وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت
لأني كنت مستنية الكلمة دي من يوم ما شفتك أول مرة في المخبز.
في اللحظة دي...
ما قدرتش أتكلم..
كأنني بعوض عشرين سنة من الكلام اللي ما اتقالش.
وبعد سنوات...
لما ربنا رزقني ببنت صغيرة.
أول شخص شالها بعدي كان منى.
كانت إيديها بترتعش من الفرحة.
بصت للطفلة.
ثم بصت لي.
وقالت
شبهك أوي.
ضحكت.
وقلت
لا... فيها حاجة منك.
ابتسمت.
ولأول مرة شفت في عينيها راحة كاملة.
راحة إن البنت اللي خافت تخسرها يومًا...
بقت أمًا
وفي عيد ميلاد بنتي الخامس، سألتني الصغيرة
ماما... دي تيتة منى تبقى إيه ليكي؟
بصيت لمنى.
وبصيت للصورة المعلقة جنبها.
صورة أمي سلوى.
ثم ابتسمت وقلت
دي الست اللي علمتني إن القلب ممكن يساع أكتر من أم واحدة.
وساعتها منى مسكت إيدي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
لم نحتج لأي أسرار.
ولا لأي خطابات.
ولا لأي تفسيرات.
لأن الحقيقة الوحيدة التي بقيت في النهاية كانت بسيطة جدًا
سلوى أعطت فرح الحياة... ومنى أعطتها ما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش.
النهاية الحقيقية. بعد سنين طويلة، مرضت منى.
في البداية كان تعبًا عاديًا، ثم بدأت المستشفيات والتحاليل والمواعيد الكثيرة.
وكل مرة كانت تبتسم وتقول
متخافيش يا فرح... أنا كويسة.
لكنني كنت أرى الحقيقة في عينيها.
وفي ليلة هادئة، طلبت مني أن أجلس بجوارها.
أمسكت يدي كما كانت تفعل وأنا طفلة.
وقالت
فاكرة أول مرة ناديتي فيها عليّا ماما؟
ابتسمت وسط دموعي.
عمري ما نسيت.
قالت
أنا كمان.
ثم أشارت إلى درج صغير بجوار السرير.
فتحته.
وجدت ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه
لفرح... من أمها.
انهرت بالبكاء.
قلت
ماما، متعمليش كده.
فابتسمت وقالت
اسمعيني للآخر.
ثم أغمضت عينيها قليلًا وأكملت
الناس كلها فاكرة إن الأم هي اللي بتولد. لكن أنا تعلمت إن الأم هي اللي تفضل موجودة... مهما حصل.
بعد أيام قليلة...
رحلت منى.
ورحل معها جزء كبير من قلبي.
وفي ليلة العزاء، جلست وحدي وفتحت الظرف.
كان فيه خطاب قصير جدًا.
مكتوب بخطها المرتعش
يا فرح...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا عند ربنا دلوقتي.
عايزاكي تعرفي حاجة واحدة بس.
أنا عمري ما حسيت إنك بنت غيري.
ولما أقابل سلوى يوم القيامة، أول حاجة هقولها لها
متقلقيش...
الأمانة رجعتلك وهي سعيدة.
بحبك يا بنتي.
أمك منى.
لم أستطع أن أكمل القراءة.
ضممت الخطاب إلى صدري وبكيت كما لم أبكِ من قبل.
وبعد شهور، ذهبت إلى المقبرة.
وقفت بين قبرين متجاورين.
قبر سلوى...
وقبر منى.
وضعت باقتين من الزنابق.
ثم همست
طول عمري كنت فاكرة إني خسرت أمًا وربحت أمًا.
وسكتُّ لحظة.
ثم ابتسمت وسط دموعي.
لكن الحقيقة إن ربنا رزقني بأمّين.
وفي تلك اللحظة، هبت نسمة خفيفة حركت الزهور فوق القبرين.
فنظرت إلى السماء وقلت
متشكرين... على كل الحب اللي سبتوه وراكم.
ثم أمسكت يد
لكن قبل أن أغادر، التفتُّ مرة أخيرة.
ولأول مرة منذ عشرين عامًا...
شعرت أن الحكاية انتهت فعلًا.
نهاية ليست حزينة... بل ممتلئة بالحب.