مرات ابويا ربتنى كانى بنتها
المحتويات
طلب واحد. قالتلي لو في يوم اتجوزت بعدي... أوعى تختار أي حد غير منى. لأنها الوحيدة اللي هتحب فرح كأنها بنتها.
وقفت القراءة.
وبصيت للصورة اللي في إيدي.
أمي الحقيقية كانت مبتسمة.
وحاطة إيدها على كتف منى.
كأنها فعلًا كانت واثقة فيها.
لكن السؤال فضل جوه دماغي
ليه منى خبت عليا الحقيقة؟
قلبت الصفحة الأخيرة.
وكان فيها الإجابة.
منى رفضت في الأول. قالتلي إن فرح لازم تعرف أمها. لكن أنا اللي طلبت منها تخبي التفاصيل لحد ما تكبري. كنت خايف عليكي من وجع الفقد. وخايف إنك تفضلي عايشة ذكريات مرض وموت بدل ما تفتكري أمك جميلة ومليانة حياة.
سكت لحظة.
ثم قرأت آخر سطور كتبها أبويا
لو زعلتي من منى يومًا بسبب السر ده... أرجوكي اسألي نفسك سؤال واحد كم مرة كانت تقدر تمشي وتسيبك؟ وكم مرة اختارت تفضل؟
الأم مش دايمًا اللي بتولد. أحيانًا الأم هي اللي بتقرر كل يوم إنها تحب.
ما حسيتش بنفسي غير وأنا قاعدة على الأرض أبكي.
مش من الغضب.
من اللخبطة.
من سنين كاملة مبنية على قصة مختلفة.
في اللحظة دي سمعت باب الأوضة بيتفتح.
رفعت رأسي.
لقيت منى واقفة.
وشها شاحب.
وعينيها مليانة خوف.
خوف عمري ما شفته فيها قبل كده.
بصت للجواب في إيدي.
وعرفت.
عرفت إني عرفت كل حاجة.
قالت بصوت مكسور
قريتيه؟
هزيت راسي.
وسألتها
ليه ما قولتيليش؟
فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين نزلت قعدت قدامي على الأرض.
وقالت
لأني وعدت أبوكي.
عشرين
عشرين سنة.
وحتى صورة أمي؟
هنا انفجرت بالبكاء.
وقالت
كنت بخاف يا فرح...
أخاف تبصي لصورتها وتكتشفي إنها أجمل مني. أخاف تحني لها وتبعدي عني. أخاف أخسرك.
ولأول مرة...
شفت ضعفها.
مش كأم.
كإنسانة.
إنسانة كانت بتحب بنت مش بنتها لدرجة إنها كانت مرعوبة تفقدها.
مسحت دموعي وسألت
كنتِ بتحبيني بجد؟
بصتلي كأني جرحتها.
وقالت
أنا ما خلفتش بنت غيرك يا فرح.
عمر ويوسف ولادي... لكن أول مرة قلبي عرف معنى الأمومة كانت معاكي إنتِ.
وسكتت.
ثم أخرجت من جيبها سلسلة صغيرة.
وقالت
دي كانت بتاعة سلوى.
كانت سايباهالك يوم ما تكبري.
فتحتها.
كان جواها صورة صغيرة جدًا.
أنا طفلة رضيعة بين حضن أمي الحقيقية.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخطها
لو وصلتك الصورة دي يومًا... اعرفي إني ما سبتكيش بإيدي. وأنا بحبك أكتر من عمري.
في اللحظة دي..مسكت الصورة.
وبكينا إحنا الاتنين.
ساعات طويلة.
ولأول مرة في حياتي...
حسيت إن عندي أمين.
أم أعطتني الحياة.
وأم أعطتني العمر اللي بعدها.
وبعد شهور قليلة، أخدت منى بإيدي.
وروحنا نزور قبر سلوى لأول مرة.
وقفنا قدامه ساكتين.
وحطيت الزنابق اللي كانت بتحبها.
وبصيت للسماء وابتسمت.
وقلت بهدوء
شكرًا يا أمي.
ثم بصيت لمنى الواقفة جنبي.
ومسكت إيدها.
وقلت
وشكرًا يا ماما.
وساعتها فقط...
حسيت إن الحكاية أخيرًا اكتملت. بعد زيارة القبر بأسبوعين تقريبًا، كنت فاكرة إن كل الأسرار انتهت.
لكن في
كان مختبئًا بين صفحات دفتر قديم.
ومكتوب عليه
لا يُفتح إلا بعد قراءة الجواب الأول بالكامل.
قلبي رجع يدق بسرعة.
فتحت الظرف.
لقيت ورقة واحدة فقط.
بخط أبويا.
يا فرح... لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتي الحقيقة اللي قدرت أقولها. لكن فيه حقيقة تانية عمري ما قدرت أحكيها لحد.
اتجمدت مكاني.
وكملت.
بعد وفاة أمك سلوى، دخلت في اكتئاب شديد. لدرجة إني فكرت أسيبك عند جدتك لأنها كانت أقدر مني على تربيتك وقتها. كنت مكسورًا، وتائهًا، وخايفًا أكون سبب أذيتك.
دموعي نزلت.
لأني طول عمري كنت شايفة أبويا بطلًا لا يهتز.
لكن الجواب كان بيحكي عن إنسان موجوع.
ثم قرأت السطر التالي
الشخص الوحيد اللي منعني من الاستسلام كانت منى.
بدأت أفهم أكثر.
هي اللي كانت تيجي كل يوم تتأكد إنك أكلتي. وهي اللي كانت تخرجني من البيت بالعافية. وهي اللي كانت تقنعني إنك محتاجة أبوكي أكتر من أي حاجة.
وقفت لحظة.
ثم وصلت لآخر فقرة.
لو سألتِ يومًا مين أنقذ حياتك بعد ربنا... فالإجابة مش أنا. الإجابة هي منى.
قفلت الورقة.
وسكت.
لأول مرة فهمت ليه أبويا كان واثق فيها بالشكل ده.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعدها بأيام.
كنت قاعدة مع جدتي.
وناس كتير كانت ماشية في موضوعات قديمة.
وفجأة سألتها
كنتِ زعلانة من منى ليه زمان؟
جدتي بصتلي طويلًا.
وقالت
كنت
وبعدين؟
تنهدت.
وقالت
وبعدين اكتشفت إنها كانت بتحارب الدنيا كلها عشان تفضلي معاها.
وسكتت شوية قبل ما تكمل
يوم وفاة أبوكي، ناس كتير قالت إنها لسه صغيرة وهتتجوز وتبدأ حياة جديدة.
وهي؟
باعت دهبها، ورفضت تسافَر مع عريس متقدم لها، واشتغلت شغلانتين علشان تصرف عليكي.
حسيت بغصة في حلقي.
أنا ما كنتش أعرف أي حاجة من دي.
رجعت البيت.
ولقيت منى في المطبخ.
زي ما كانت طول عمرها.
بتعمل شاي.
بهدوء.
كأنها ما عملتش أي بطولات.
وقفت وراها..
اتفاجئت.
وقالت وهي بتضحك
خير يا بنتي؟
قلت
كنت عايزة أقولك حاجة.
قولي.
أنا قريت كل الجوابات.
سكتت.
وعرفت كل حاجة.
اتوترت.
لكن قبل ما تتكلم قلت
وعرفت إن أبويا كان محظوظ بيكي.
لفت ناحيتي.
وعينيها دمعت.
وأنا كملت
وأنا كمان..
نفس الحضن اللي كان بيطمني وأنا عندي ست سنين.
ونفس الحضن اللي حضر حفلات نجاحي.
ونفس الحضن اللي مسح دموعي بعد أول خيبة.
وفهمت أخيرًا إن بعض العلاقات ما بيحددهاش الدم.
بيحددها العمر اللي اتعاش مع بعض.
وبعد سنة كاملة...
في يوم خطوبتي.
وقفت قدام المراية.
ولبست سلسلة أمي سلوى.
وخليت منى هي اللي تساعدني ألبس الفستان.
ولما المأذون سألني أمام الجميع
مين وكيل العروسة؟
رفعت رأسي.
وبصيت ناحية منى.
وقلت
الشخص اللي رباني ووقف جنبي طول عمري.
وبعد لحظة صمت طويلة أضفت
أمي.
وانفجرت القاعة كلها بالتصفيق.
أما منى...
فكانت بتبكي
لأنها أخيرًا سمعت الكلمة اللي خافت تفقدها عشرين سنة كاملة
ماما.
تمت بعد فرحي بست شهور، كنت فاكرة إن الحياة أخيرًا هدت.
كل الأسرار اتكشفت.
كل الجراح اتقفلت.
وكل
متابعة القراءة