قصة حقيقيه وواقعيه حدثت في مصر

لمحة نيوز

يكون جزء من دخله لعلاج غير القادرين.
وكان أول اسم كُتب على لوحة الشرف عند المدخل
رحمة
تكريمًا للفتاة التي بدأت الحكاية كلها من شقة تحت التشطيب، وهي تحمل أدوات المحارة بجوار أبيها، دون أن تدري أن الله كان يجهز لها ولهم قدرًا أكبر بكثير مما حلموا به.
أما أنا، فكلما رأيت أحفادي يلعبون معًا، أتذكر ذلك اليوم الذي طلب فيه عامل المحارة طلبًا غريبًا
سيبني أقفل الباب على نفسي وأنا شغال.
وأبتسم.
لأن وراء ذلك الباب المغلق كانت بداية قصة غيّرت مصير عائلتين كاملتين. 
النهاية الحقيقية للحكاية كانت أن الخير الذي ظنه الناس بسيطًا، كان مفتاحًا لأقدار عظيمة لم يتخيلها أحد وبعد مرور عشر سنوات كاملة، ظن الجميع أن القصة وصلت إلى آخر فصولها.
لكن في صباح يوم هادئ، بينما كنت أجلس في عيادة ابني أراقب أحفادي يلعبون في الاستقبال، دخل رجل عجوز يحمل حقيبة جلدية قديمة.
كان يبدو عليه الإرهاق الشديد.
اقترب من مكتب الاستعلامات وسأل عن اسم ابني كاملًا.
وعندما تأكد أنه في المكان الصحيح، قال جملة أربكت الجميع
أنا جاي أسلم أمانة اتأخرت ثلاثين سنة.
دخل الرجل إلى مكتب ابني، وأخرج من الحقيبة ملفًا أصفر قديمًا.
كان الملف يحمل شعار المستشفى التي شهدت حادثة اختفاء التوأم.
فتحناه
بحذر.
وفي الداخل وجدنا تقارير لم يرها أحد من قبل، وصورًا، ومحاضر تحقيق داخلية لم تُعلن أبدًا.
قال الرجل كنت موظف أرشيف في المستشفى. قبل ما أموت، ضميري رفض يخليني آخد السر معايا.
وبين الأوراق وجدنا رسالة بخط يد مدير المستشفى القديم.
لم تكن الرسالة اعترافًا بجريمة، بل اعترافًا بالخوف.
كتب فيها أنه تستر على ما حدث لأن أصحاب النفوذ هددوه بإغلاق المستشفى وسجن عشرات الموظفين إذا انكشف الأمر.
جلسنا نقرأ الأوراق لساعات.
ثم رفع ابني رأسه وقال
خلاص... مش عايزين نفتح جراح قديمة.
وافقه أخوه.
فكل شخص تسبب في المأساة كان قد رحل عن الدنيا منذ سنوات.
ولم يعد هناك ما يمكن إصلاحه إلا المستقبل.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت داخل ظرف صغير في نهاية الملف.
وجدنا فيه دفتر توفير قديم باسم الطفل المفقود.
اتضح أن أحد الموظفين شعر بالذنب وقتها، فكان يودع مبلغًا بسيطًا كل شهر في حساب الطفل المجهول تكفيرًا عن صمته.
وعلى مدار ثلاثين عامًا، ومع الفوائد المتراكمة، تحول المبلغ إلى ثروة محترمة.
نظر التوأمان إلى بعضهما.
ثم أغلق ابني الدفتر وقال
الفلوس دي عمرها ما هتعوض اللي فات.
سأله أخوه هنعمل بيها إيه؟
ابتسمت رحمة، التي كانت تستمع من بعيد، وقالت
نعمل بيها حاجة تنفع ناس تانية.

وبالفعل، بعد أشهر افتُتح مركز جديد لعلاج الأطفال مجانًا.
وعلى المدخل عُلقت لوحة صغيرة لم يُكتب عليها اسم طبيب مشهور أو رجل أعمال ثري.
بل كُتب عليها
إلى كل من ضاع منه شيء وظن أنه لن يعود... لا تيأس من تدبير الله.
وفي يوم الافتتاح، وقف ابني وأخوه جنبًا إلى جنب، وحولهما رحمة وأولادهما وأحفاد العائلتين.
عندها أدركت أن القصة لم تكن أبدًا عن توأم ضائع أو زواج غير متوقع.
كانت عن أن الخير الذي يزرعه الإنسان دون انتظار مقابل، قد يعود إليه يومًا بصورة لا تخطر له على بال.
وهكذا أُغلقت آخر صفحة من الحكاية...
لكن أثرها ظل مفتوحًا في حياة كل من سمعها. 
تمت نهاية مؤثرة ومغلقة للقصة
بعد افتتاح مركز علاج الأطفال بعام واحد، كانت أم رحمة تجلس على كرسيها في حديقة المركز، تراقب الأطفال وهم يركضون ويضحكون.
نادت على ابني وقالت له بصوت ضعيف
يا بني... أنا مرتاحة دلوقتي.
جلس بجوارها وسألها ليه بتقولي كده يا خالتي؟
ابتسمت وقالت لأن ربنا أحياني لحد ما شفت بنتي في بيت كريم، وشفتك رجعت لأخوك، وشفت الخير اللي خرج من وجع سنين طويلة.
ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة السوار القديم الذي احتفظت به منذ يوم ولادته.
وضعت السوار في يده وقالت الأمانة رجعت لأصحابها.
وبعد أيام
قليلة، رحلت أم رحمة إلى رحمة الله وهي مطمئنة القلب.
في يوم العزاء، وقف والد رحمة، عامل المحارة البسيط، وسط الناس وقال بصوت اختنق بالبكاء
طول عمري كنت فاكر إن فقري حرمني من حاجات كتير... لكن دلوقتي عرفت إن أغلى رزق أخدته في حياتي هو بنتي.
بكت رحمة وارتمت في حضن أبيها.
أما ابني، فاقترب منه وقبّل يده أمام الجميع وقال
لو ما كنتش ربيت بنتك على الأخلاق والصبر والكرامة، ما كناش وصلنا لكل الخير ده.
مرت السنوات...
كبر الأحفاد، وكبر المركز الطبي، وتحول إلى مؤسسة خيرية تعالج آلاف المرضى مجانًا.
وفي كل مرة كان أحد يسأل عن سر اسم المركز، كان ابني يبتسم ويشير إلى صورة معلقة عند المدخل.
صورة قديمة لعامل محارة يحمل أدواته، وبجواره فتاة بسيطة ترتدي ملابس متواضعة وتحمل دلو المحارة.
وتحت الصورة عبارة واحدة
من هنا بدأت الحكاية.
وفي إحدى الأمسيات، جلستُ على شرفة بيتي أراقب أولادي وأحفادي يملؤون المكان ضحكًا وحياة.
تذكرت يوم كنت أبحث عن عامل محارة رخيص ليُنهي تشطيب شقة ابني.
لم أكن أعلم أنني في الحقيقة كنت أبحث عن عائلة كاملة سيهديها الله لنا.
أغمضت عيني وحمدت الله.
فأحيانًا يأتي الرزق في صورة وظيفة... وأحيانًا يأتي في صورة مال...
لكن أجمل أنواع الرزق هو أن
يجمع الله القلوب الطيبة ببعضها في الوقت الذي يختاره هو.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط