جوزي كان كل جمعه بقلم زهرة الربيع
الصورة اللي اتبنت عنه كانت الطريقة اللي عقلك اختارها عشان ما تنهاريش لوحدك.
وقفت ساكتة.
المشهد قدامي بدأ ينهار زي زجاج بيتكسر ببطء.
يعني هو مش حقيقي؟
الصوت ما ردش مباشرة.
وبعدين قال
هو حقيقي بس مش بالشكل اللي عقلك رسمه.
الشرخ بدأ يقفل.
والضلمة بدأت تتحول لنور خفيف.
ولأول مرة
سمعت صوت مروة من بعيد جدًا نورا لو سمعاني افتحي عينيك إنتي في المستشفى.
اتجمدت.
مستشفى؟
الصوت الداخلي هدى إنتي كنتي في انهيار عصبي والجلسات اللي اتوصفت ليكي كانت علاج نفسي مش مفهوم بشكل واضح ليكي في البداية.
النور زاد.
وبدأ يظهر حواليا سرير أبيض أجهزة ومروة واقفة ماسكاني بإيديها وبتعيط.
وأحمد
كان واقف بعيد بملابس عادية جدًا عينيه متعلقة بيا بقلق حقيقي.
قرب خطوة وقال بصوت مكسور إنتي فوقتي أخيرًا؟
بصيت له وقلبي لأول مرة ماكانش فيه رعب ولا غموض بس فيه سؤال واحد
إنت كنت مين بالنسبة لي؟
سكت لحظة وبعدين قال
كنت الشخص اللي عقلك مسك فيه علشان ما يقعش لوحده.
مروة مسحت دموعها وأنا كنت اللي بحاول أفك التشابك ده مع الدكاترة.
الدكتور ظهر عند الباب، هز راسه بهدوء وده كان أخطر شكل من الدفاع النفسي إنه يبني قصة كاملة عشان يحمي صاحبه من ألم أقدم.
سكتوا كلهم.
وأنا فضلت باصة في إيدي
مش مصدومة بس هادية.
كأني أخيرًا فهمت إن القصة
كانت طريقة عقلي عشان ينجو.
أحمد قال بهدوء إنتي مش محتاجة جلسات مني ولا خوف مني إنتي محتاجة تبني نفسك من غير أي مرآة جاهزة.
مروة ومش لوحدك.
الدكتور وده اللي هنشتغل عليه من هنا لقدام.
سكت لحظة.
وبعدين أخدت نفس طويل.
ولأول مرة من زمان
ماكانش فيه صوت جوايا بيجري أو بيأمر.
بس سؤال بسيط
أنا مين من غير القصة؟الصمت اللي بعد السؤال كان مختلف مش فراغ مخيف، لكن مساحة لأول مرة ما فيهاش ضغط.
أنا مين من غير القصة؟
السؤال فضل معلق، كأنه ما يستعجلش إجابة، بس يختبر صدق اللي هيتقال.
مروة مسكت إيدي بهدوء إنتي مش مطالبة تردي دلوقتي.
الدكتور أومأ الهوية بعد الصدمة ما بتيجيش دفعة واحدة بتيجي كطبقات.
وأحمد وقف بعيد، ما حاولش يقرب وأنا دوري انتهى هنا.
الكلمة دي غريبة، بس ما وجعتنيش زي ما كنت متوقعة.
حسّيت بحاجة أقرب للارتياح.
بصيت له إنت كنت جزء من دماغي مش ذنبه ولا ذنبي.
هز راسه بهدوء، وكأنه قبل الجملة دي من غير نقاش.
مروة قعدت على الكرسي جنب السرير طيب نبدأ من الأساس إيه أكتر حاجة حقيقية حاسة بيها دلوقتي؟
سكت لحظة.
بعدين قلت بصوت واطي إني تعبت.
الدكتور ابتسم ابتسامة صغيرة دي أول حقيقة سليمة.
مروة كملت وغير كده؟
فكرت.
إني كنت عايشة جوه تفسير واحد يمكن مكنش كله صح ولا كله
الدكتور وده اسمه نظام حماية نفسي.
سكتوا كلهم.
وأنا بصيت للسقف لأول مرة من غير صور بتهاجمني.
وبعدين قلت أنا مش عايزة أعيش جوه نظام حماية طول عمري.
مروة شدت إيدي مش هتعيشي. هتعيشي جوه حياة.
أحمد أخد خطوة للخلف والمرة دي من غير دور محدد لحد غيرك.
الدكتور قرب من السرير هتبدأي علاج تدريجي مش لاسترجاع قصة لكن لتنظيمها وفهمها بدون ما تتحكم فيك.
هزيت راسي.
مش لأن كل حاجة اتفهمت لكن لأن لأول مرة ماكنتش محتاجة أفهم كل حاجة فورًا.
مرّ يومين.
ثم أسبوع.
وكان فيه حاجة بتتغير بهدوء.
الأصوات اللي كانت بتعلي جوا دماغي بدأت تهدى.
الصور اللي كانت بتيجي فجأة بقت أضعف.
وأحمد ماكانش بيظهر كتير وجوده بقى زي ذكرى بعيدة، مش حضور مسيطر.
في جلسة مع الدكتور، قال لي إنتي مش محتاجة تقفلي القصة محتاجة تسيبيها تبقى جزء من تاريخك مش قيادتك.
مروة ابتسمت وده الفرق بين إنك تتعافي وإنك تفضلي بتنجّي نفسك طول الوقت.
وفي آخر الجلسة
خرجت من العيادة لوحدي.
الشمس كانت هادية.
والشارع عادي جدًا.
بس أنا كنت حاسة بحاجة جديدة تمامًا
إن العالم ما بقاش محتاج تفسير واحد كبير يخوفني
بل كفاية إني أمشي خطوة واحدة وأنا فاهمة نفسي شوية أكتر من امبارح.
ومشيت.
ومن غير ما أرجع ورا.
لأول مرة مش هرب.
ولا قصة.
بس حياة في الطريق وأنا ماشية، الموبايل رن.
نظرت للشاشة لحظة اسم أحمد.
قلبي ما اتخبطش زي الأول، لكن إيدي وقفت تلقائيًا.
رديت.
نورا إنتي كويسة؟
صوته كان طبيعي جدًا، بس المرة دي ماكانش له نفس التأثير القديم.
سكتت ثانيتين.
أيوه كويسة.
هو كمل بهدوء الدكتور قال لي إنك بدأتِ تستقري.
أيوه.
سكت هو كمان.
وبعدين قال أنا هسيبك ترتاحي لو احتجتي أي حاجة، أنا موجود.
المكالمة قفلت.
وقفت في نص الشارع.
مافيش انهيار ما فيش ضياع ما فيش أسئلة بتجرّني.
بس فيه إحساس جديد تمامًا مساحة فاضية جوايا، مش مرعبة قابلة للملء.
بعدها بشهرين
الجلسات قلت.
وبقت حياتي أبسط.
شغل صحاب نوم طبيعي لأول مرة من سنين.
مروة بقت تزورني كل فترة، ونقعد نشرب قهوة ونضحك من غير ما ندور ورا كل كلمة معنى مخيف.
وفي يوم، سألتها هو اللي حصل كان إيه بالظبط؟
ابتسمت بهدوء كان عقلك بيحاول ينقذك بطريقة معقدة أوي. بس أهم حاجة إنه وقف لما بدأتي ترجعي لنفسك.
سكتت.
وبعدين قلت وأحمد؟
هزت كتفها كان جزء من القصة بس مش القصة كلها.
مرّ وقت أطول.
وفي يوم عادي جدًا، وأنا بفتح الشباك الصبح، حسّيت لأول مرة إني مش محتاجة أفهم كل حاجة عن الماضي عشان أكمل.
ولا محتاجة أفتش ورا كل ظل.
بس كفاية إني عارفة حاجة واحدة
إن أي حاجة جوايا مهما كانت معقدة تقدر تهدى لما
قفلت الشباك وخدت نفس عميق.
وابتسمت.
مش لأن كل حاجة اتصلحت
لكن لأن حياتي أخيرًا بقت بتاعتي أنا.