كان زوجى بقلم زيزي
المحتويات
تحت قدمي.
دانيال مات هذا ما عرفته طوال زواجنا.
حضرت جنازته بنفسي بعد أشهر قليلة من زواجي بريتشارد. أتذكر والدته وهي تنهار فوق النعش، وأتذكر ريتشارد واقفًا كالصنم، لا يبكي ولا يتكلم.
لكن الهاتف كان يرن الآن.
ويرتشارد ينظر إليه كمن يرى شبحًا يعرفه جيدًا.
لم يرد.
ترك الهاتف يهتز فوق الحوض حتى انطفأت الشاشة.
ثم رفع رأسه ببطء نحو المرآة وكأنه شعر بوجودي خلف الباب.
ابتعدت بسرعة قبل أن يراني، وعدت إلى السرير أرتجف.
بعد دقائق، عاد واستلقى بجانبي.
لكنه لم ينم.
ولا أنا.
ظللت أحدق في السقف حتى طلوع الشمس، بينما سؤال واحد ينهش عقلي
إذا كان دانيال حيًا فمن الذي دفنّاه؟
في الصباح، حاول ريتشارد التصرف كأن شيئًا لم يحدث. أعد القهوة. سقى الحديقة. قرأ الجريدة.
لكن وجهه كان شاحبًا بشكل لم أره من قبل.
وأخيرًا، حين لم أعد أحتمل، قلت بهدوء
رأيت كل شيء.
تجمدت يده فوق فنجان القهوة.
لم ينظر إلي.
منذ متى؟
منذ الليلة.
ساد صمت ثقيل.
ثم أغلق الجريدة ببطء، وقال إذن حان الوقت.
لأول مرة منذ خمسة وثلاثين عامًا أخذني ريتشارد إلى القبو القديم تحت المنزل.
ذلك القبو الذي كان يمنع الأطفال حتى من الاقتراب منه.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه، وفتح خزانة حديدية صدئة في الزاوية الخلفية.
وفي الداخل
كانت هناك صناديق مليئة بالملفات والصور وقصاصات الجرائد القديمة.
ناولني صورة باهتة.
الصورة كانت
التوأم.
دانيال.
لكن الفرق بينهما كان واضحًا حتى في الصورة.
ريتشارد يقف مرتبكًا هادئًا أما دانيال فكانت ابتسامته حادة ومخيفة.
قال ريتشارد بصوت خافت كنا متشابهين بالشكل فقط.
ثم جلس على الكرسي الخشبي القديم وأكمل
أخي لم يمت سنة 1971 بل اختفى.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
اختفى؟
هز رأسه ببطء.
دانيال كان مريضًا لكنه لم يكن مجنونًا كما قالت أمي. كان عنده هوس بالسيطرة. كان يؤذي الناس فقط ليرى خوفهم.
ابتلع ريقه بصعوبة.
وأنا كنت أول ضحية.
نظرت إلى الندوب التي رأيتها على ذراعيه الليلة الماضية وفهمت فجأة.
أكمل طوال طفولتنا كان يقفل علينا الغرفة ويقول إن الألم يجعل الإنسان أقوى. كنت أخاف أن أتكلم لأن أمي كانت تعشقه وكانت تعتبرني أنا الضعيف.
ثم فتح ملفًا قديمًا وأخرج رسالة.
الورقة كانت مرتعشة من كثرة ما لمستها الأيدي.
قرأ منها إذا هربت مرة ثانية، سأجدك حتى لو احتجت عمري كله.
رفعت عيني إليه وأنا أشعر بأنفاسي تختنق.
كان يرسل لك هذه الرسائل؟
أومأ.
منذ خمسين سنة.
ثم همس وكان يتصل كل يوم الساعة الرابعة صباحًا شعرت بأن قلبي يهبط ببطء داخل صدري.
خمسون سنة
خمسون سنة وريتشارد يعيش مطاردًا بالخوف بينما كنت أظنه مجرد رجل غامض وصامت.
سألته بصوت مرتجف لماذا لم تخبر الشرطة؟
ابتسم ابتسامة متعبة جدًا.
فعلت أكثر من مرة. لكن دانيال كان ذكيًا.
ثم نظر إلي مباشرة لأول مرة منذ بدأ الكلام.
لكنه كان يراقبنا دائمًا.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
ماذا تقصد؟
نهض ريتشارد واتجه إلى أحد الصناديق، وأخرج ظرفًا أبيض قديمًا.
ناولنيه.
وفي الداخل
كانت هناك صور لنا.
أنا وريتشارد أمام المنزل. مايكل يوم تخرجه. كلير في حفل زفافها. حتى صورة لحفيدتنا الصغيرة في الحديقة قبل عشر سنوات.
كلها صور ملتقطة من بعيد.
بصمت.
بمراقبة مرعبة.
همست يا إلهي
قال ريتشارد كان يريدني أن أعرف أنه قريب دائمًا قريب.
جلست على الكرسي لأن ساقي لم تعودا تحملانني.
ثم سألته السؤال الذي كان يخيفني وماذا كنت تفعل في الحمام كل صباح؟
خفض رأسه قليلًا.
أنتِ تتذكرين نوبات الهلع التي كانت تصيبني؟
أومأت ببطء.
الساعة الرابعة كانت الوقت الذي كان يتصل فيه دائمًا. لو لم أرد يبدأ بإرسال الصور. أو يهدد الأطفال.
توقف للحظة ثم أكمل كنت أذهب للحمام حتى لا تسمعي شيئًا.
شعرت بعيني تحترقان بالدموع.
كل تلك السنوات كنت أعتقد أن بيننا سرًا يبعده عني.
بينما الحقيقة أنه كان يختبئ وحده حتى لا يحمّلني خوفه.
ثم فجأة
صدر صوت خافت من فوقنا.
خطوات.
تجمد ريتشارد فورًا.
رفع إصبعه يطلب الصمت.
البيت كان من المفترض أن يكون فارغًا.
مايكل يعيش في بوسطن. وكلير في كاليفورنيا.
ولا
سمعنا الخطوات مرة أخرى
بطيئة.
ثقيلة.
قادمة من الطابق العلوي.
رأيت الرعب الحقيقي يعود إلى وجه ريتشارد للمرة الأولى منذ بدأ الاعتراف.
ثم همس لا مستحيل.
وقبل أن أسأله لماذا
انطفأت لمبة القبو فجأة.
وغرق المكان كله في الظلام.
ثم سمعنا صوتًا من أعلى الدرج
صوت رجل عجوز أجش يقول بهدوء مخيف
مساء الخير يا ريتشي اشتقتلي؟تجمد الدم في عروقي.
أما ريتشارد فبدا وكأن عمره كله انهار في ثانية واحدة.
ظل يحدق نحو أعلى الدرج المظلم، وأنفاسه تتسارع بعنف.
ثم جاء الصوت مرة أخرى، مصحوبًا بخطوات بطيئة تنزل درجة درجة
خمسة وثلاثون سنة يا أخي وما زلت تختبئ في القبو.
أمسكت ذراع ريتشارد بقوة.
همس لي ابقَي خلفي مهما حدث.
ظهر ظل الرجل أولًا.
طويل نحيف يحمل عصًا سوداء.
ثم اقترب أكثر حتى سقط ضوء خافت من الشارع عبر نافذة القبو الصغيرة على وجهه
وشهقت رغماً عني.
كان كأنني أنظر إلى نسخة أكبر سنًا وأكثر قسوة من زوجي.
نفس الملامح. لكن وجه دانيال كان محفورًا بالغضب والمرض.
ابتسم ابتسامة باردة وقال مرحبًا يا إلينور أخيرًا التقينا بشكل صحيح.
صرخت أنت ميت!
ضحك ضحكة قصيرة مخيفة.
هذا ما احتجناه جميعًا وقتها.
نظر إلى ريتشارد.
أليس كذلك يا أخي؟
لكن ريتشارد لم يرد.
كان يرتجف.
لأول مرة في حياتي أراه خائفًا إلى هذا الحد.
قال دانيال وهو ينزل آخر درجة تعرف ما أكثر شيء آلمني؟
ثم أخرج من جيبه ساعة قديمة.
ساعة جيب فضية.
ورماها نحو ريتشارد.
التقطها زوجي بيد مرتعشة، وما إن فتحها
متابعة القراءة