انا متجوز جواز صالونات
الليل، بعد ما ليان نامت، كنت أنا ومريم قاعدين في البلكونة.
بصتلي فجأة وقالت أحمد لو رجع بيك الزمن، كنت هتتجوزني برضه؟
السؤال نزل ساكت
لكن إجابته طلعت من قلبي فورًا.
ابتسمت وقلت لو رجع بيا الزمن ألف مرة كل مرة هختارك إنتِ.
سكتت ثواني وبعدين دموعها نزلت وهي مبتسمة.
أما أنا، فبصيت للبيت الهادي حوالينا، وللست اللي كانت في يوم من الأيام مجرد جوازة صالونات
وحمدت ربنا، إني ما ضيعتش النعمة بسبب نظرة سطحية مؤقتة وفي يوم عادي جدًا
اليوم اللي ماكانش فيه أي مناسبة، ولا خروجة، ولا حتى سبب للفرحة
اكتشفت إن السعادة الحقيقية أصلًا شكلها عادي.
كنت راجع من الشغل مرهق، داخل البيت وأنا شايل هم الدنيا.
فتحت الباب، لقيت ليان وآدم بيجروا عليا بابااا!
ومريم طالعة من المطبخ بإيديها الدقيق، وشعرها مربوط بسرعة، ووشها مرهق شوية
لكن أول ما شافتني ابتسمت.
الابتسامة دي تحديدًا كانت كفاية تمحي تعب اليوم كله.
قعدنا نتعشى سوا، والأطفال بيتخانقوا على قطعة فراخ، ومريم بتزعق لهم بنص ضحكة.
وفجأة، وسط الدوشة دي كلها
سرحت.
افتكرت نفسي زمان.
ماكنتش أعرف إن أقوى أنواع الحب بيبدأ هادي جدًا.
زي زرعة صغيرة، لو اديتها وقت وصدق تبقى شجرة تسندك طول عمرك.
بعد العشا، الأطفال ناموا.
ومريم كانت واقفة في المطبخ بتغسل الأطباق.
دخلت عليها من غير ما تتوقع، وقفلت الحنفية بإيدي.
بصتلي باستغراب في إيه؟
قولتلها سيبي كل حاجة.
ضحكت ليه يعني؟
مسكت إيديها وطلعتها للبلكونة.
الهوا كان هادي، والدنيا ساكتة بشكل مريح.
بصتلها شوية وهي بدأت تتوتر مالك؟
قلت بهدوء فاكرة أول شهر جواز؟
ابتسامتها اختفت سنة صغيرة.
قالت أفتكره ليه بس.
هزيت راسي وقلت أنا فاكره كل يوم وعمري ما هسامح نفسي عليه.
قالت بسرعة خلاص يا أحمد، عدى.
لكن المرة دي كنت محتاج أقول اللي جوايا كامل.
قلت أنتِ عارفة إنك كنتِ تستحقي واحد أحسن مني وقتها؟
سكتت.
كملت واحد يشوف جمال قلبك من أول يوم بدل ما يدوّر على صورة ناقصة في دماغه.
عينيها لمعت بالدموع، لكنها ابتسمت.
وقالت بهدوء بس لو كنت اتجوزت واحد غيرك مكنتش هبقى مبسوطة كده.
الجملة دي دخلت
قربت منها، وبوست جبينها، وقلت شكرًا إنك استنيتيني أنضج.
ضحكت وهي تمسح دموعها وشكرًا إنك ما ضيعتنيش.
وبعد سنين طويلة
بقى عندي عادة غريبة.
كل ما أشوف عريس جديد متوتر أو حد بيتكلم عن الجواز بمنطق الشكل بس
أبتسم.
لأني أعرف حاجة هو لسه ما يعرفهاش.
إن الشكل ممكن يلفت نظرك
لكن الرحمة، والونس، والاحتواء، والأمان؟ هم الحاجات الوحيدة اللي تقدر تكمل بيها عمر كامل.
وأنا كنت محظوظ كفاية إن ربنا علّمني الدرس ده، قبل ما أخسر أجمل نعمة دخلت حياتي مرت السنين بسرعة بشكل يخوف.
ليان دخلت الجامعة. وآدم بقى أطول من أمه، وكل شوية يدخل يهزر معاها وهي تزقه وتضحك.
أما أنا ومريم
فبقينا شبه بعض.
نفس الهدوء. نفس التفاصيل. حتى السكوت بينا بقى مفهوم.
وفي ليلة شتوية هادية، بعد ما العيال ناموا، كنت قاعد أنا وهي في البلكونة المعتادة.
نفس البلكونة اللي شهدت أول اعتذار، وأول اعتراف، وأول دمعة صدق بينا.
كانت مريم لافة شال صوف حوالين كتفها، وشعرها فيه خصلات بيضا صغيرة ظهرت مع السنين.
زمان؟ كنت ممكن أشوفها عيوب.
دلوقتي؟
بصتلي فجأة وقالت سرحان في إيه؟
ابتسمت وقلت في أول يوم شوفتك فيه.
ضحكت يا ساتر بعد العمر ده كله؟
هزيت راسي بهدوء وقلت عارفة؟ أنا وقتها كنت فاكر إن الجمال هو الحاجة اللي تخلي الراجل يحب.
سكتُّ لحظة، وبعدين بصيت في عينيها مباشرة بس إنتِ علمتيني إن الحب هو اللي يخلي كل حاجة جميلة.
عينيها لمعت بنفس النظرة اللي شوفتها يوم كتب الكتاب بس المرة دي، ماكانش فيها خوف.
كان فيها طمأنينة كاملة.
مدّت إيديها تمسك إيدي، وقالت الحمد لله إنك اتأخرت بس ما ضعتش.
ضحكت، وقربت إيدي أبوسها.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت ليان من جوه الشقة بتقول يا جماعة! آدم أكل الكيكة كلها!
واتبعها صوت آدم كدابة! بابا أكل نصها!
بصيت أنا ومريم لبعض
وانفجرنا ضحك.
ضحك صافي، دافي، مليان عمر كامل من العِشرة.
وقتها فقط فهمت المعنى الحقيقي لكل اللي عشناه
إن الحب مش دايمًا بييجي كامل من أول نظرة.
أحيانًا بيبدأ متردد، مرتبك، وحتى ناقص.
لكن لو كان فيه أصل طيب، وقلب صادق، ورحمة من ربنا
بيكبر.
لحد ما يبقى وطن.
ومريم
ما كانتش مجرد
مريم كانت أجمل قدر أنا في يوم من الأيام كنت أعمى عنه.