كنت مسافره انا وجوزى
وقلت بهدوء بس أنا مش بنك يا طنط أنا بنى آدمة تعبت.
عيطت أكتر وقالت سامحينى.
بصيت لجوزى كان مستنى ردى.
وأنا لأول مرة من يوم رجعنا من الغربة، حسيت إن قلبى هادى.
قولتلها مسامحاكى بس عمر البيت الأول ما هيرجع زى ما كان.
هزت راسها وهى فاهمة.
ولما قامت تمشى، سابت على الطاولة مفتاح قديم.
مفتاح شقتنا الأولى.
وقالت قبل ما تخرج قفلتها زى ما كانت. يمكن فى يوم تعرفوا تسامحوا المكان نفسه كمان.
ولما الباب اتقفل وراها، جوزى حضنى وقال إحنا خسرنا بيت بس كسبنا نفسنا.
ولأول مرة فعلًا حسيت إن الغربة انتهت بعد كلام حماتى بشهر تقريبًا، فضل المفتاح القديم محطوط فى درج الكومود من غير ما حد يقربله.
كل مرة أشوفه أحس بحاجة تخنقنى كأنه مش مفتاح شقة، كأنه مفتاح وجع كامل.
لحد ليلة، جوزى رجع من الشغل وقال تعالى نروح.
بصيتله باستغراب فين؟
قال نقفل الصفحة دى.
ركبنا العربية وروحنا للشقة القديمة.
العمارة نفسها نفس ريحة السلم نفس الباب اللى كنت بحلم أفتحه بعد الغربة وأنا فرحانة.
إيدى كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح فى الكالون.
فتح الباب
وسكتنا
الشقة كانت فاضية فعلًا، زى ما حماتى قالت.
بس الفراغ كان موجع أكتر من الفوضى.
مكان الكنبة القديمة باين على الأرض، أثر السجاد محفور، وحتى الحيطة اللى كنت مختارة لونها بعد لف على محلات كتير، كان فيها خربوش كبير جنب الشباك.
دخلت أوضة النوم ببطء
وقفت فى النص وأنا بافتكر أول مرة فرشناها، وإحنا بنضحك ونختلف مكان الدولاب والسرير.
وفجأة لقيت حاجة صغيرة فوق الرف.
علبة كرتون.
فتحتها واتجمدت مكانى.
جواها كل الصور القديمة اللى كنت فاكرة إنها ضاعت.
صور كتب الكتاب أول عيد أول أكلة عملتهاله واتحرقت وضحكنا عليها ساعتها.
وفوق الصور ورقة بخط حماتى.
كنت كل يوم أدخل أنضف الشقة بعد ما مشيوا وأعيط.
كل ركن فيها كان بيفكرنى إنى ظلمت أكتر اتنين حبونى بجد.
سامحينى.
دموعى نزلت غصب عنى.
جوزى خد الورقة وقراها وسكت وبعدها بصلى وقال نبيعها؟
بصيت حواليا للشقة اللى كانت يومًا حلمى.
وفجأة حسيت إنها خلاص بقت مجرد حيطة وسقف.
البيت الحقيقى كان الشخص اللى واقف جنبى.
ابتسمت وسط دموعى وقلت لا.
استغرب ليه؟
قلت هنأجرها.
رفع
كملت وأنا ببص حواليا لحد يبدأ فيها حد حياته من جديد بس المرة دى بحق.
وبعد شهور، اتأجرت الشقة لعروسين صغيرين كانوا لسه بادئين حياتهم بصعوبة.
ولما البنت دخلت تشوفها، فضلت تلف فيها بفرحة وتقول حاسه الشقة دى فيها طاقة حلوة.
ضحكت بينى وبين نفسى.
يمكن فعلًا
الأماكن اللى اتوجعت فيها القلوب، لما تتسامح بتتحول لرحمة لناس تانية عدت خمس سنين
كبر شغل جوزى، وأنا فتحت مشروع صغير كنت بحلم بيه من أيام الغربة، والحياة أخيرًا بقت هادية من غير وجع ولا خناقات عيلة.
وفى يوم، رن جرس الباب.
فتحت لقيت حماتى واقفة، لكن المرة دى كانت أضعف بكتير.
إيديها بترتعش، وعينيها فيها خوف عمرى ما شوفته قبل كده.
قالت بصوت مكسور ممكن أدخل؟
دخلت وقعدت تبص حوالين البيت فى هدوء، وبعدها طلعت ظرف قديم من شنطتها وحطته قدامى.
فتحته ولقيت عقد الشقة القديمة باسمى أنا وجوزى.
بصيتلها باستغراب.
قالت أنا كنت نقلتها باسم وليد وقتها عشان أضمن إنه يستقر. لكن بعد كل اللى حصل، خليته يرجعهولكم.
سكتت شوية ومسحت دموعها عرفت متأخر إن العدل بين
فى اللحظة دى، حسيت إن الست اللى قاعدة قدامى مش نفس حماتى اللى دخلت شقتى زمان بكل البجاحة دى.
السنين غيرتها والندم أكل جزء كبير منها.
جوزى أخد العقد وبصلى، وقال نعمل بيها إيه؟
بصيت لحماتى كانت مستنية الرد وكأن مصيرها متعلق بالكلمة اللى هقولها.
ابتسمت بهدوء، وقفلت العقد وحطيته قدام جوزى تانى.
وقولت نكتبها باسم دار أيتام.
الاتنين بصولى بصدمة.
كملت وأنا حاسة براحة عمرى ما حسيتها الشقة دى كانت سبب فى أكبر وجع فى حياتنا خلّيها تبقى سبب فى راحة ناس تانية.
حماتى انفجرت فى العياط، وقامت حضنتنى لأول مرة من قلبها.
أما جوزى فبصلى بنفس النظرة اللى بصهالى يوم ما اختارنى وسط كل الناس، وقال علشان كده ربنا عوضنى بيكى.
وبعد شهور، اتفتحت الشقة فعلًا كبيت صغير للبنات اليتامى اللى خارجين من دور الرعاية، يبدأوا فيه حياتهم بأمان.
وفى يوم الافتتاح، وقفت فى البلكونة القديمة نفس البلكونة اللى كنت بحلم أقف فيها وأنا راجعة من الغربة.
لكن المرة دى
ماكنتش فرحانة
كنت فرحانة لأن قلبى أخيرًا بقى خفيف.