يوم فرحي

لمحة نيوز

بتبص بعيد وهي مخبية إحراجها.
ساعتها بس فهمت إن أول ليلة في الجواز مش مجرد فرح دي أول معركة بيتحدد فيها إذا كنت هتعيشي بكرامة، ولا هتفضلي طول عمرك مكسورة بعد الجملة دي، الجو اتغير فعلًا بس مش بالكامل.
حماتي بقت أهدى قدام جوزي، إنما من جواها كانت مستنية أي غلطة مني. كل حركة بقت محسوبة، وكل كلمة تتقال ليا يبقى وراها معنى.
مر حوالي شهرين، وابتديت أحاول أتأقلم. أقوم بدري، أساعد، أزورهم، وأحافظ على بيتي وجوزي. كنت بقول لنفسي يمكن الأيام تليّن القلوب.
لحد يوم الجمعة
اليوم اللي قلب كل حاجة.
كان عندهم عزومة كبيرة تاني، وكل سلايفي جم من بدري، والضحك مالي البيت. دخلت المطبخ أساعد، لقيت حماتي بتوزع الشغل عليهم كلهم إلا أنا.
واحدة تقطع السلطة. واحدة تشوي. واحدة ترتب السفرة.
أما أنا، فبصتلي وقالت قدامهم إنتِ خليكي قاعدة مرتاحة، أصل الست اللي بتتعب من شوية مواعين في أول ليلة، أكيد الشغل هيتعبها.
الضحكة اللي طلعت من سلفتي الكبيرة جرحتني أكتر من الكلام نفسه.
حسيت الدم غلي في عروقي، لكني سكت. قلت مش هعيد نفس الدوامة.
وفجأة باب الشقة خبط.
جوزي كان رجع بدري من الشغل.
أول ما دخل، حس بالتوتر فورًا. بصلي، وبعدين بص لأمه وأخواته.
قال بابتسامة في إيه؟ مالكم ساكتين كده؟
سلفتي ردت
بسرعة ولا حاجة، بنهزر مع مراتك بس.
لكن جوزي قرب مني، ولمح دموعي اللي كنت بحاول أخبيها.
هنا حماتي قالت بنبرة مستفزة أصل مراتك حساسة شوية كلمة تهدها وكلمة ترفعها.
وقبل ما أتكلم، جوزي عمل حاجة محدش توقعها.
شد كرسي وقعد وسطهم وقال تمام يبقى نوضح حاجة عشان ميبقاش في هزار تقيل بعد كده.
الكل سكت.
بصلهم واحد واحد وقال مراتي مش جاية البيت ده عشان تتربى أو تتعاير. واللي حصل يوم الفرح انتهى، ومش هسمح يتفتح تاني، لا بهزار ولا بغمز ولمز.
حماتي قامت واقفة بعصبية إنت شايف إننا غلط؟! عشان واحدة لسه داخلة العيلة؟!
قال بهدوء ثابت أنا شايف إن مراتي ليها كرامة. زي ما بناتك ليهم كرامة.
سلفتي الكبيرة اتنرفت وقالت إحنا عمرنا ما شفنا راجل واقف كده لمراته ضد أهله!
جوزي رد من غير ما يعلى صوته ولا أنا شفت ست محترمة تتعاير كل شوية عشان موقف خلص من شهور.
الصالة كلها سكتت.
وأول مرة، حسيت إن ظهري متسند على حد بجد.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب
حماتي دخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف، وبعد نص ساعة خرجت شايلة ألبوم صور قديم، ورمته قدامنا على الترابيزة.
وقالت وهي بصالي تعالي شوفي.
فتحت الألبوم باستغراب ولقيت صور فرحها هي.
وكانت واقفة في صورة بالمطبخ بفستان أبيض قديم، وإيديها في الحوض بتغسل صواني!

بصتلها بدهشة.
قالت وهي عينيها لمعت بالدموع لأول مرة أنا كمان اتعمل فيا كده وأكتر. ووقتها محدش جابلي حقي.
الصالة اتجمدت.
كملت بصوت مكسور كنت فاكرة إن دي الأصول وإن اللي استحملناه لازم اللي بعدنا يستحمله. يمكن كنت غلطانة.
ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت شوفت حماتي مش كعدوة، لكن كست اتكسرت زمان، ولما معرفتش تداوي كسرها، ورثته للي بعدها بعد ما حماتي قالت كلامها، محدش عرف يرد.
حتى سلايفي اللي طول الوقت صوتهم عالي، سكتوا وبصوا في الأرض. الصورة اللي كانت في إيدها هزّت البيت كله لأن لأول مرة نفهم إن القسوة اللي اتعاملوا بيها معايا، كانت حاجة متوارثة، مش مجرد كره شخصي.
حماتي قعدت على الكنبة كأن السنين كلها نزلت فوق كتفها مرة واحدة، وقالت بصوت ضعيف يوم فرحي، حماتي سابت المعازيم وطلعت نامت، وقالتلي نظفي كل حاجة قبل ما تدخلي أوضتك فضلت أغسل لحد الفجر، وجوزي أبوه كان ساكت زي ابني كده.
جوزي وطّى راسه بإحراج.
كملت وهي سرحانة فضلت طول عمري بقول لبناتي العروسة لازم تستحمل لازم تتكسر الأول عشان تعرف تعيش. كنت فاكرة إني بربيهم صح.
سلفتي الصغيرة دمعت وقالت يعني إنتِ كنتِ زعلانة وقتها يا ماما؟
ضحكت حماتي بمرارة زعلانة؟ أنا يومها تمنيت أهرب من البيت كله.
الكلمة خبطت في قلبي.
لأني
في لحظة، تخيلت نفسي بعد عشرين سنة لو سكتُّ ورضيت بالإهانة، يمكن أبقى نسخة منها من غير ما أحس.
قربت منها بهدوء، وقعدت جنبها لأول مرة من غير خوف ولا تحدي.
وقلت إحنا مش لازم نعيد نفس الوجع يا حماتي.
بصتلي وساكتة.
كملت وأنا ماسكة إيديها اللي اتكسر فيكي زمان، مش ذنبي ومش ذنب أي عروسة تيجي بعدي.
وفجأة حماتي انفجرت في العياط.
عياط حقيقي، مكتوم من سنين.
سلايفي اتصدموا، لأنهم عمرهم ما شافوا أمهم بالشكل ده. حتى جوزي قرب منها وحط إيده على كتفها.
قالت وسط دموعها أنا تعبت تعبت من دور الست القوية اللي لازم الكل يخاف منها.
وفي الليلة دي، لأول مرة، العشا اتلمّ من غير أوامر وصوت عالي.
سلايفي قاموا ينضفوا مع بعض، وجوزي دخل شال الصواني بنفسه، وأنا حاولت أساعد، لكن حماتي مسكت إيدي وقالت سيبيهم النهارده إنتِ ضيفة.
ضحكت وسط دموعي وقلت بعد شهور بقيت ضيفة؟
قالت بخجل أهو بنتعلم.
ومن يومها، البيت اتغير بالتدريج.
بقى فيه كلمة لو سمحتِ بدل الأوامر. وفيه شكرًا بدل التريقة. وفيه باب بيتخبط قبل أي حد يدخل.
أما أكبر مفاجأة، فكانت بعد سنة بالظبط
يوم ما سلفتي الصغيرة اتجوزت.
بعد الفرح، المطبخ كان متبهدل كعادته، والمعازيم لسه ماشيين.
كل الناس بصوا لبعض مستنيين مين هيتكلم.
لكن حماتي سبقتهم كلهم،
ومسكت إيد العروسة الجديدة وقالتلها بابتسامة اطلعي غيري فستانك
تم نسخ الرابط