ابو مراتى واخواتها الثمانيه
غريب.
أول ما شاف سارة جري عليها بدون تردد.
كأنه كان مستنيها.
وسارة حضنته بسرعة وبكت.
لكن المرة دي ماكانش بكاء خسارة.
كان فيه حاجة تانية
حاجة شبه الرجوع للحياة.
المشرفة قالت بهدوء اسمه آدم. كل العائلات بتيجي وتسأل عن الأطفال الصغيرة لكنه محدش اختاره.
بصيت للولد كان متعلق في رقبة سارة ومش راضي يسيبها.
وسارة بصتلي بعين مليانة دموع وقالت ممكن نكون عيلة تاني؟
في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة
إن في ناس بتخلف أطفال وفي ناس بتولد الأمل من جديد.
وبعد سنة كاملة
كان آدم بيجري في البيت وهو بيضحك وسارة بتضحك وراه لأول مرة بصدق.
وقفت أبص لهم من بعيد
وحسيت إن ابني اللي راح يمكن ما رجعش.
لكن يمكن هو اللي بعتلنا آدم عشان ينقذ اللي باقي من روحنا عدّت ثلاث سنين
والبيت اللي كان مليان وجع، بقى فيه صوت ضحك طول الوقت.
آدم كبر وبقى متعلق بيا بشكل خلاني أوقات أنسى إنه مش من دمي.
كان كل ما يشوفني داخل من الباب يجري وهو يصرخ بابا جه!
وأنا أشيله فوق كتفي كأن الدنيا لسه فيها خير يستاهل نعيش عشانه.
أما سارة فكانت بتتعافى ببطء.
مش من الكسور من الذكرى.
وفي ليلة هادية، بعد ما آدم نام
قعدت جنبها وسألتها سرحانة في إيه؟
سكتت شوية وبعدين قالت أنا حامل.
بصيتلها ومخي وقف لحظة كاملة.
هي كانت بتعيط وهي بتضحك في نفس الوقت.
وقالت بسرعة أنا خايفة. خايفة أفرح. خايفة أخسر تاني.
مسكت إيديها وقلت المرة دي محدش هيقربلك.
ومن يومها أنا بقيت حرفيًا ظلها.
المستشفى. التحاليل. الأكل. الراحة.
حتى آدم كان بيحط إيده على بطنها كل يوم ويسأل البيبي سامعني؟
وسارة كانت تضحك وتقول سامعك يا حبيبي.
لكن الماضي ماكانش بيسيبنا بسهولة.
قبل الولادة بشهر وصل جواب غريب على البيت.
من أبوها.
أول مرة نسمع عنه من يوم الحكم.
سارة إيديها اترعشت وهي بتفتحه.
كان مكتوب فيه عارف إني ماستحقش السماح بس أنا بموت. والدكتور قال قدامي وقت قليل. نفسي أشوفك مرة واحدة قبل ما أموت.
سارة فضلت ساكتة وقت طويل.
وأنا ما ضغطتش عليها.
لأن بعض القرارات أصعب من الحرب نفسها.
وفي النهاية قالت هروح. مش عشانه. عشاني أنا.
رحنا السجن.
الراجل اللي كان زمان صوته يهز البيت بقى مجرد جسم هزيل على كرسي متحرك.
أول ما شاف سارة انفجر في العياط.
قال بصوت متقطع أنا كنت فاكر
سارة وقفت قدامه بهدوء.
وبعدين حطت إيدها على بطنها وقالت دي بنت.
الراجل بكى أكتر.
وقال أوعي تخلي حد يخوفها من الحياة.
سارة سكتت ثواني ثم قالت أنا مسامحاك. لكن عمري ما هنسى.
ولأول مرة شفت راجل بيتحطم من كلمة أخف من الرصاصة.
بعدها بأسبوعين
سارة ولدت.
بنت صغيرة بصوت عالي جدًا كأنها داخلة الدنيا بتحارب من أول نفس.
آدم أول ما شافها قال بفخر دي أختي.
وسارة حضنت البنت الصغيرة وبصتلي.
وفي عينيها شفت حاجة اختفت سنين
الأمان.
وفي اللحظة دي فهمت إن العدل مش دايمًا بيرجع اللي راح.
لكن أحيانًا بيديك فرصة تبدأ من جديد بعد سنين طويلة
الناس نسيت القضية.
الجرائد بطلت تكتب. والبرامج جابت قصص جديدة. حتى أسماء إخوات سارة اختفت بالتدريج من ذاكرة الناس.
لكن إحنا ما نسيناش.
كل سنة في نفس اليوم سارة كانت تروح لمكان صغير هادي جنب البحر.
تقعد هناك بالساعة ومعاها وردة بيضا صغيرة.
في الأول كنت بسيبها لوحدها.
لحد ما في مرة قالتلي تعالى معايا.
مشينا سوا لحد ما وقفنا قدام شجرة صغيرة مزروعة على التل.
تحتها لوحة معدنية مكتوب عليها
إلى روح الطفل الذي
وقفت ساكت.
وسارة ابتسمت بهدوء وقالت هنا بدأت أتعافى.
عرفت بعدها إنها من غير ما تقولي كانت بتتبرع كل شهر لملاجئ الستات المعنفات. وبتزور المستشفيات تساعد أي أم فقدت طفلها.
الوجع اللي كان ممكن يقتلها حولته لسبب يخلي غيرها يعيش.
أما آدم فكبر وبقى شاب محترم بشكل يخلّي القلب يهدى.
وفي يوم وهو داخل الكلية العسكرية، وقف قدامي وقال أنا عايز أبقى زيك.
ضحكت وقتها لأول مرة من قلبي.
وقلتله لا. ابقى أحسن مني.
أما بنتنا ليلى فكانت نسخة من سارة.
عنيدة. شجاعة. وصوتها عالي لما تشوف ظلم.
وفي ليلة هادية بعد ما العيال ناموا
كنت قاعد جنب سارة في البلكونة. شعرها دخله الشيب شوية ووشها بقى أهدى.
بصتلي وقالت فاكر أول يوم في المستشفى؟
هزيت راسي.
قالت كنت فاكرة إن حياتنا انتهت.
مسكت إيدها وبصيت جوا عينيها وقلت لا. حياتنا بدأت يوم ما قررنا ما نخليش الشر يكسب.
سكتنا بعدها بس كان سكوت مطمّن.
السكوت اللي بييجي بعد حرب طويلة لما الناجين أخيرًا يعرفوا إنهم وصلوا.
وفي آخر الليل سارة حطت راسها على كتفي وهمست إحنا كسبنا.
وبصيت لأولادي
لأن أقسى انتقام من الظلم إنك تعيش سعيد رغم كل اللي حاول يكسرك.