امى بتفضل اخويا الكبير عليا
أما أنا… فكنت مركزة في تجهيز جوازي وبس.
ولأول مرة في حياتي، بدأت أعمل حاجة لنفسي من غير ما أستنى رضا حد.
خطيبي كان حنين بشكل يخوفني… كل ما يشوفني ساكتة يقول: ـ أوعي تفتكري إن اللي اتعودتي عليه ده طبيعي.
الكلمة دي كانت بتوجعني… لأني فعلًا كنت فاكرة إن الحب لازم يكون بالتفضيل، وإن البنت لازم تتعب عشان تاخد شوية اهتمام.
قبل الفرح بأسبوع، كنت قاعدة براجع حاجات الجهاز، ولقيت أمي داخلة الأوضة بهدوء غريب. فضلت واقفة شوية من غير كلام.
أنا كملت ترتيب هدومي كأني مش شايفاها.
وفجأة قالت: ـ انتي زعلانة مني أوي كده؟
قلبي اتقبض… عمري ما سمعتها بتكلمني بالنبرة دي.
بس رديت بهدوء: ـ مش زعلانة… أنا بس اتعودت ما استناش منك حاجة.
الكلمة خلت وشها يتغير.
قعدت على السرير وقالت بصوت مكسور لأول مرة: ـ أنا يمكن غلطت… بس انتي متعرفيش أنا شفت إيه في حياتي.
سكتُّ.
كملت وهي سرحانة: ـ لما اتجوزت أبوكي… كنت أنا دايمًا الأخيرة. حماتى كانت تفضل سلايفي عليا، وتذلني في أي تجمع… ولما خلفت أخوكي، حسيت لأول مرة إن ليا قيمة وسطهم. كانوا بيحبوه عشان ولد… ومع الوقت بقيت أعمل نفس الحاجة من غير ما أحس.
بصتلها بصدمة…
أول مرة أفهم إن الجرح ساعات بيتوارث.
لكن الوجع ما اختفاش.
قولتلها والدموع في عيني: ـ بس أنا مالي يا أمي؟ ليه دفعت تمن حاجة ماعملتهاش؟
أمي سكتت… وبعدين فجأة انفجرت في العياط.
عياط حقيقي… أول مرة أشوفها ضعيفة بالشكل ده.
وقالت وهي ماسكة إيدي: ـ سامحيني… أنا ضيعت بنتي بإيدي.
والله العظيم… رغم كل القهر اللي شوفته منها، قلبي وجعني عليها.
لأن في اللحظة دي ماكنتش شايفة أم قاسية… كنت شايفة طفلة قديمة محدش حبها صح.
حضنتها… وأول ما حضنتني، حسيت إني باخد الحضن اللي استنيته عمري كله.
لكن الحقيقة؟
بعض الكسور مبتتصلحش بالكامل… بس ممكن تبطل تنزف.يوم فرحي… كنت متوترة بشكل غريب.
مش خوف من الجواز… قد ما كان خوف إني أصحى في يوم وألاقي نفسي بقيت نسخة من أمي من غير ما أحس.
كنت ببص لكل حاجة حواليا بحذر… لطريقتي في الكلام، لغيرتي، حتى لنبرة صوتي.
وأنا قاعدة في الكوافير، لقيت أمي داخلة عليا بهدوء. كانت شايلة علبة صغيرة في إيدها.
قعدت جنبي وقالت: ـ دي ليكي.
فتحتها… ولقيت برفان غالي جدًا، نفس النوع اللي كانت بتجيبه دايمًا لمرات أخويا وأنا أتفرج بس.
بصتلها باستغراب.
قالت وهي بتحاول تبتسم: ـ كنت كل مرة أجيبه… وأقول هجيبلك زيه بعدين. بس "بعدين" دي عمرها ما جت.
قلبي وجعني.
مدت إيدها ولمست خدي وقالت: ـ انتي جميلة أوي
ماقدرتش أتكلم… بس حضنتها وسكت.
في الفرح، لأول مرة حسيت إن أمي شايفاني فعلًا. كانت ماشية ورايا تصلح فستاني، وتزق أي حد يقرب يضايقني، وتقول للناس بفخر: ـ بنتي عروسة زي القمر.
الكلمة اللي طول عمري كنت بتمناها… سمعتها أخيرًا.
بعد الجواز بشهور، حملت.
ولما عرفت… أول حد خفت منه كان نفسي.
فضلت طول الليل أبص لتحليل الحمل وأفكر: "يا ترى هعرف أحب ابني وبنتي بنفس الطريقة؟ ولا هكرر نفس الوجع؟"
ولما ولدت بنت… أمي دخلت المستشفى وهي شايلة شنطة هدايا كبيرة، وعينيها كلها دموع.
خدتها من إيدي وباستها وقالت: ـ أوعي يوم تخليها تحس إنها أقل من أي حد… حتى من غير قصد.
وبعدين بصتلي وقالت: ـ متورثيش وجعنا لبناتك.
ساعتها بس… حسيت إن الدائرة أخيرًا اتكسرت.
وإن بنت صغيرة جوايا، كانت طول عمرها مستنية تتحب… ابتدت أخيرًا تتشاف.السنين عدّت…
وبنتي كبرت، وبقى عندي ولد بعدها بسنتين.
وكل مرة كنت بشتري لعبة، أو أحضن واحد فيهم، أو أزعق لواحد وأدلع التاني… كنت أراجع نفسي فورًا.
كنت مرعوبة أظلم حد فيهم حتى من غير قصد.
وفي يوم، بنتي كان عندها سبع سنين، دخلت عليا المطبخ وقالتلي وهي مبتسمة: ـ ماما… هو انتي بتحبيني قد إيه؟
ضحكت
سكتت شوية وقالت: ـ وأخويا؟
قلبي وقف لحظة…
لكن رديت فورًا وأنا ببوسها: ـ بحبه قدك بالظبط… قلبي متقسم بينكم بالتساوي.
ابتسمت وخرجت تجري… أما أنا فقعدت أعيط.
لأن السؤال ده نفسه… أنا سألتُه لنفسي زمان، وماخدتش إجابته.
بعدها بفترة، أمي تعبت جدًا. والدكتور قال إن قلبها بقى ضعيف.
كنت أنا اللي بروحلها كل يوم. أجهزلها دواها، وأقعد جنبها بالساعات.
وفي ليلة، وأنا بغطيها قبل النوم، مسكت إيدي فجأة وقالت: ـ انتي أكتر واحدة حبتني بصدق… رغم إني كنت أقل واحدة عرفِت أحبك.
دموعي نزلت فورًا.
قالت بصوت متقطع: ـ أنا كنت فاكرة إن القسوة هتخليكي قوية… بس طلعت بس بوجعك.
هززت راسي وقلت: ـ خلاص يا أمي… فات.
ابتسمت بتعب وقالت: ـ لا… مش كله فات. انتي وقفتي الوجع عندك… ومعليش يكمّل في بنتك.
وبعدها بأيام… أمي ماتت.
يومها، وأنا واقفة قدام قبرها، ماكنتش شايلة منها كره.
كنت شايلة حزن… على أم ضاعت منها نفسها قبل ما تضيع بنتها.
رجعت بيتي، لقيت بنتي نايمة على الكنبة، وأخوها حضنها وهو نايم.
غطيتهم سوا… وبصيت ليهم طويل.
ووعدت نفسي إن عمري ما هخلي واحد فيهم يسأل السؤال اللي قتلني سنين:
"هو أنا متحبش كفاية؟"
ومن يومها… كل ما بنتي