حصلت على الدرجه كاملة فى امتحان القبول

لمحة نيوز

لأجلكِ؟
نظرتُ إليه طويلًا.
ثم قلتُ بهدوءٍ أدهشه ماذا فعلتم لأجلي؟
لم يجب.
لأنه للمرة الأولى لم يكن هناك شيء يمكن قوله.
رفعتُ حقيبتي عن الأرض.
اقتربت أمي أكثر، وعيناها تمتلئان بالذعر الحقيقي أخيرًا. إلى أين ستذهبين؟
أخذتُ نفسًا عميقًا.
ثم قلت الجملة التي كنتُ أخافها طوال عمري
إلى مكان لا أحتاج فيه أن أستجدي الحب.
وبكيت أمي.
بكت فعلًا هذه المرة.
لكن الغريب أنني لم أشعر بالانتصار.
ولا بالحزن.
فقط شعرتُ بالخفة.
خرجتُ من البيت.
وراءي كانت الأستاذة هناء تنادي انتظريني يا مريم، سنذهب معًا إلى الحفل.
توقفتُ عند الباب.
لكنني ألغيت المقابلة.
ابتسمت. وأنا أعدتُها.
بعد ساعات
كنتُ أقف على المسرح. أضواء كثيرة. تصفيق. كاميرات.
لكن ما لفت انتباهي حقًا
أن مقعد عائلتي كان فارغًا.
كلّه.
عدا شخص واحد.
رنا.
كانت تقف في آخر القاعة، تصفق بكل قوتها حتى احمرّت يداها.
وخلفها والدتها تحمل باقة ورد صغيرة.
ابتسمتُ أخيرًا.
ابتسامة حقيقية هذه المرة.
وعندما سلّمتني المديرة درع التفوق، همست في أذني بعض الناس يولدون داخل العائلة الخطأ لكنهم يصنعون حياتهم الصحيحة بأنفسهم.
وفي تلك اللحظة
فهمت شيئًا أخيرًا.
النجاة لا تعني أن يجعلوك محبوبًا.
النجاة أحيانًا أن تتوقف عن التسول على أبواب قلوب لا تريدك أصلًا بعد الحفل بثلاثة أيام
انتشر مقطع مقابلتي في كل مكان.
لم أتحدث فيه عن عائلتي. ولا عن الظلم. ولا عن تبارك.
كل ما قلته، عندما سألني المذيع ما السر وراء تفوقك؟
أنني ابتسمت وقلت حين لا تجد من يؤمن بك تعلّم أن تؤمن بنفسك بما يكفي.
وانتهت المقابلة.
لكن الناس يفهمون أكثر مما نظن.
خصوصًا بعد أن انتشرت صورة قديمة من حساب تبارك، وهي ترتدي فستاني الأزرق في يوم الحفل نفسه، بينما كنتُ أنا على المسرح وحدي.
التعليقات بدأت تتحول تدريجيًا.
كيف تركوا ابنتهم وحدها؟ المتفوقة الحقيقية تبدو حزينة جدًا. هناك شيء مؤلم خلف عينيها.
أما أنا
فكنتُ في غرفة صغيرة قرب جامعة بغداد، أرتب كتبي فوق رفّ معدني قديم، وأحاول التعود على فكرة أن هذا المكان صار بيتي الجديد.
لم يكن جميلًا.
الجدران باهتة. المروحة تصدر صوتًا مزعجًا. والمطبخ مشترك بين أربع طالبات.
لكنه كان أول مكان في حياتي أنام فيه دون خوف من نظرات أحد.
بدأتُ إعطاء الدروس لابن خالة رنا، ثم لطالبين آخرين. وبعد أقل من شهر، صار لديّ ما يكفي لدفع الإيجار ومصاريفي الأساسية.
وفي أول يوم لي في كلية الطب
وقفتُ طويلًا أمام البوابة.
كنتُ أرتجف.
ليس خوفًا من الدراسة. بل لأنني وصلت وحدي.
لا أحد أمسك يدي. لا أحد التقط لي صورة. لا أحد قال نحن فخورون بكِ.
لكنني دخلت رغم ذلك.
وفي نهاية أول محاضرة
خرجتُ لأجد
عشرات الرسائل على هاتفي.
معظمها تهاني.
عدا رسالة واحدة من رقم أعرفه جيدًا.
سيف.
حدقتُ فيها طويلًا قبل أن أفتحها.
أمي مريضة منذ أن غادرتِ البيت.
أغلقتُ الشاشة فورًا.
لكن الرسالة الثانية وصلت مباشرة
تبارك غادرت أيضًا.
هذه المرة تجمدتُ.
اتصلتُ برنا فورًا. ماذا يعني هذا؟
قالت بعد تردد يبدو أن الناس هاجموها كثيرًا بعد انتشار الفيديوهات. حساباتها امتلأت بالشتائم فتركت المنزل عند خالتها الثانية.
جلستُ ببطء على المقعد القريب مني.
لأول مرة لم أشعر بالشماتة.
فقط التعب.
قالت رنا بهدوء مريم بعض الناس يؤذون غيرهم لأنهم مكسورون أيضًا.
نظرتُ إلى الطالبات حولي. إلى المعاطف البيضاء. إلى الحياة التي بدأت أخيرًا تتحرك بدوني.
ثم همست لكن هذا لا يعطيهم الحق.
في تلك الليلة
وصلتني رسالة طويلة من أمي.
كانت أول رسالة حقيقية منها منذ سنوات.
البيت فارغ بدونكِ. أدركتُ متأخرًا أننا كنا نخاف على تبارك من شعورها بالوحدة بينما جعلناكِ أنتِ تشعرين بها كل يوم. سامحيني إن استطعتِ.
بكيتُ.
بكيت كثيرًا هذه المرة.
ليس لأن الرسالة أصلحت كل شيء.
بل لأنها جاءت متأخرة جدًا.
مرت الشهور.
بدأتُ أتغيّر ببطء.
ضحكتي عادت أخف. صرتُ أشتري لنفسي الزهور أحيانًا. تعلمتُ كيف أطبخ المعكرونة دون حرقها. وكيف أقول لا دون شعور بالذنب.
وفي أحد الأيام الشتوية
كنتُ خارجة من المحاضرات حين رأيتُ فتاة تجلس وحدها قرب باب الكلية وتبكي.
كانت تمسك أوراق تسجيلها وترتجف.
اقتربتُ منها بهدوء. هل أنتِ بخير؟
رفعت عينيها الحمراوين نحوي وقالت أهلي لا يريدونني هنا يقولون إنني لن أنجح.
شعرتُ بشيءٍ قديم يتحرك داخل صدري.
ثم جلستُ بجانبها.
وأخرجتُ من حقيبتي قطعة شوكولاتة كنتُ أحتفظ بها منذ الصباح.
ناولتها لها وقلت بابتسامة صغيرة اسمعيني جيدًا أحيانًا، العائلة لا ترى قيمتكِ إلا بعد أن تتعلمي أنتِ رؤيتها أولًا.
نظرت إليّ بصمت.
ثم سألت بخفوت وكيف أعرف أنني أستحق؟
ابتسمتُ وأنا أنظر إلى بوابة كلية الطب أمامنا.
وقلت لأنكِ ما زلتِ تحاولين رغم كل شيء مرّت سنتان.
سنتان كاملتان منذ خرجتُ من ذلك البيت بحقيبة صغيرة وقلبٍ ممتلئ بالخذلان.
أصبحتُ في السنة الثالثة من كلية الطب. وصار اسمي معروفًا بين الدفعة، ليس فقط بسبب درجاتي بل لأنني كنتُ الطالبة التي تساعد الجميع.
الملخصات؟ عندي.
المناوبات الصعبة؟ أتبادلها مع المتعبين.
الطالبات الجديدات اللواتي يبكين في الممرات؟ أجلس بجانبهن حتى يهدأن.
أحيانًا كنتُ أتساءل هل أصبحتُ هكذا لأنني أعرف تمامًا كيف يشعر الإنسان حين يواجه العالم وحيدًا؟
وفي إحدى ليالي الشتاء
كنتُ أراجع محاضرة التشريح داخل الكافتيريا، عندما وصلني اتصال من رقمٍ لم
أحذفه رغم كل شيء.
أبي.
ظل الهاتف يرنّ طويلًا.
ثم أجبته أخيرًا.
جاءني صوته متعبًا بشكلٍ لم أسمعه من قبل مريم أمكِ في المستشفى.
تجمّدت يدي فوق الكتاب.
ماذا حدث؟
تنهد طويلًا. أزمة قلبية.
شعرتُ بشيء يهبط داخل معدتي.
ورغم كل شيء رغم كل الألم بقيت كلمة أمي تملك القدرة على كسري.
وصلتُ المستشفى بعد ساعة.
وكان أول شخص رأيته
سيف.
وقف في الممر فور رؤيتي، وكأنه لا يعرف هل يقترب أم لا.
لقد بدا أكبر سنًا. مرهقًا. وكأن السنوات ضربته دفعة واحدة.
قال بصوت منخفض الحمد لله أنكِ أتيتِ.
لم أجب.
مررتُ بجانبه مباشرة.
داخل الغرفة
كانت أمي مستلقية على السرير، شاحبة وضعيفة بطريقة أخافتني.
وحين فتحت عينيها ورأتني
بكت فورًا.
ليس بكاءً دراميًا. ولا تمثيلًا.
بل بكاء شخص أدرك متأخرًا جدًا ما الذي خسره.
اقتربتُ ببطء.
فمدّت يدها المرتجفة نحوي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة ترددتُ قبل أن أمسك يد أمي.
همست بصوت مكسور كنتِ دائمًا أجمل شيء في حياتي يا مريم وأنا تصرفتُ وكأنكِ الأقل أهمية.
أغمضتُ عيني بقوة.
لا.
لا تفعلي هذا الآن. لا تقولي الأشياء الصحيحة بعد أن انتهى كل شيء.
قالت وهي تبكي كنتُ خائفة على تبارك لأنها يتيمة. لكنني نسيت أن ابنتي كانت تتحول إلى يتيمة أيضًا وأنا ما زلتُ حيّة.
انكسرتُ.
بكل بساطة.
جلستُ بجانبها، وأمسكتُ يدها أخيرًا.
وبكيت.
أنا أيضًا بكيت.
دخل أبي الغرفة بهدوء، وعيناه حمراوان.
أما سيف فبقي واقفًا قرب الباب، عاجزًا حتى عن النظر إليّ.
بعد أيام، تحسنت حالة أمي قليلًا.
وكنتُ أزورها يوميًا بعد الجامعة.
لكن شيئًا داخلي كان قد تغيّر للأبد.
كنتُ أحبهم نعم.
لكنني لم أعد أحتاج منهم أن يحبوني كي أشعر بقيمتي.
وفي مساء هادئ
بينما كنتُ أرتب الأدوية على الطاولة، قالت أمي فجأة تبارك تريد رؤيتكِ.
رفعتُ رأسي ببطء. أين هي؟
عادت منذ شهر لكنها لم تجرؤ على مقابلتكِ.
صمتُّ طويلًا.
ثم قلت ولماذا تريد رؤيتي الآن؟
أخفضت أمي عينيها. لأنها أخيرًا اعترفت بالحقيقة.
شعرتُ بقلبي يتسارع.
أي حقيقة؟
دخل سيف الغرفة في تلك اللحظة.
وكان يحمل هاتفه بيدٍ مرتجفة.
فتح تسجيلًا صوتيًا ثم وضعه أمامي.
وانطلق صوت تبارك بالبكاء
أنا التي خبأتُ الملزمة داخل وسادة مريم أنا فعلتُ ذلك. كنتُ أكرهها لأنكم كنتم تحبونها قبل أن آتي. وكلما نجحتْ أكثر شعرتُ أنني لا شيء.
شعرتُ بأنفاسي تختنق.
وعندما بدأتم تدافعون عني لم أستطع التراجع. أعجبني شعور أن أكون المهمة لأول مرة.
أغلقتُ عيني.
كل شيء كل تلك السنوات كل الصفعات والاتهامات والبرد الذي
عشته داخل بيتي
كان بسبب كذبة.
بسبب فتاة أرادت الحب فأحرقت شخصًا آخر لتحصل عليه.
فتح سيف فمه أخيرًا، وصوته يرتجف أنا آسف
يا مريم.
لكنني لم أنظر إليه.
لأن بعض الاعتذارات تأتي بعد أن تكون قد دفنت النسخة القديمة منك بالكامل مرّت خمس سنوات أخرى.
كنتُ أقف داخل قاعة التخرّج في كلية الطب، أرتدي المعطف الأبيض الذي حلمتُ به منذ طفولتي.
القاعة ممتلئة بالتصفيق والزهور والكاميرات.
لكن هذه المرة
لم أعد تلك الفتاة التي تبحث بين الوجوه عمّن اختارها.
لأنني أخيرًا اخترت نفسي.
نادوا اسمي الدكتورة مريم خالد.
صعدتُ إلى المنصة وسط التصفيق.
وعندما استلمت شهادة التخرّج
نظرتُ إلى الصفوف الأمامية.
أبي كان هناك. شعره صار أبيض أكثر. وعيناه ممتلئتان بفخرٍ حقيقي وصامت.
أمي كانت تبكي منذ بداية الحفل تقريبًا، تضم حقيبتها إلى صدرها وكأنها تخشى أن يوقظها أحد من هذا الحلم.
أما سيف
فكان يصفق واقفًا.
ليس لأنه أخي فقط.
بل لأنه أخيرًا رأى الإنسانة التي حاول طويلًا ألا يراها.
وبالقرب منهم
كانت تبارك.
هادئة. هادئة جدًا هذه المرة.
لم تعد تلك الفتاة التي تركض خلف الكاميرات والإعجابات.
كانت ترتدي حجابًا بسيطًا، وتحمل بيدها دفتر رسم صغيرًا. علمتُ لاحقًا أنها دخلت معهد الفنون، وبدأت العلاج النفسي، وتوقفت عن نشر حياتها على الإنترنت.
وحين انتهى الحفل
اقتربت مني ببطء.
ترددت طويلًا قبل أن تقول أعرف أنني لا أستحق الغفران.
نظرتُ إليها بصمت.
ثم قالت وعيناها تمتلئان بالدموع لكنني أريدكِ أن تعرفي أنني كنتُ أغار منكِ لأنكِ كنتِ قوية، وذكية، ومحبوبة حتى عندما لم تكوني ترين ذلك.
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة متعبة.
وأجبتها بهدوء وأنا كنتُ أظن أنكِ سرقتِ حياتي ثم اكتشفتُ أنني لم أبدأ حياتي فعلًا إلا بعد أن غادرتُ ذلك البيت.
بكت.
أما أنا فلم أبكِ.
لأن الجرح لم يعد مفتوحًا.
صار مجرد ندبة قديمة تؤلم أحيانًا حين يتغير الطقس، لكنها لم تعد تمنعني من العيش.
اقتربت أمي مني بعدها، وهمست بصوت مرتعش هل سامحتِنا يا مريم؟
نظرتُ إلى وجوههم جميعًا.
العائلة التي كسرتني ثم علّمتني، دون أن تقصد، كيف أبني نفسي وحدي.
وأخيرًا قلت الحقيقة التي احتجتُ سنوات لأفهمها
المسامحة لا تعني أنني نسيت. ولا تعني أن ما حدث كان بسيطًا. لكنني تعبت من حمل الألم معي في كل مكان.
ثم ابتسمت بخفة وأضفت لذلك نعم. سامحتكم. من أجل راحتي أنا.
وفي تلك اللحظة
شعرتُ بشيءٍ هادئ يتحرر داخل صدري.
ليس فرحًا صاخبًا. ولا انتصارًا.
بل سلام.
السلام الذي يأتي متأخرًا لكنه حين يصل، يجعل كل الطرق المؤلمة التي مشيتها تبدو وكأنها كانت تقودك نحوه منذ البداية.
وفي المساء
عدتُ إلى شقتي الصغيرة.
الشقة نفسها التي بدأتُ فيها من الصفر. الرف المعدني القديم ما يزال موجودًا. والمروحة المزعجة أيضًا.
لكن فوق المكتب الآن
كانت هناك صورة
جديدة.
أنا. ورنا. ووالدتها. بمعاطفي البيضاء. ونضحك جميعًا.
تأملت الصورة طويلًا
ثم ابتسمت.
لأنني فهمت أخيرًا
العائلة ليست دائمًا الأشخاص الذين أنجبوك.
أحيانًا العائلة الحقيقية هي كل من أمسك قلبك بلطف حين كان العالم كله يتركه يسقط.

تم نسخ الرابط