حصلت على الدرجه كاملة فى امتحان القبول

لمحة نيوز

حصلتُ على الدرجة الكاملة في امتحان القبول، وعندما دخلتُ إلى لابتوب أخي لأبحث عن مكان أستأجر منه فستانًا لحفل تكريم المتفوّقين وجدتُ واتساب الخاص به مفتوحًا.
كنتُ سأغلقه فورًا، لولا أنّ رسالة من أمي ظهرت أمامي تقول
ما رأيكم أن نأخذ تبارك إلى شاليه على شط العرب بضعة أيام؟ المسكينة حالتها النفسية سيئة لأنها لم تكن من الأوائل.
كانت المجموعة تضمّ أمي، وأبي، وأخي سيف، وابنة خالتي تبارك.
أمّا أنا
فلم أكن موجودة فيها أصلًا. 
اسمي مريم، أبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، وأعيش في الأعظمية، في بيتٍ قديم قريب من الفرن والصيدلية، لطالما اعتقدتُ أنّه أكثر مكانٍ دافئ في العالم.
كان ذلك اليوم من المفترض أن يكون أسعد يوم في حياتي.
كنتُ الأولى على المدرسة كلها.
ودرجة الكيمياء التي لم يستطع أحد الحصول عليها كاملة
حصلتُ عليها.
في ذلك اليوم، كنتُ قد تلقيتُ للتوّ أسعد خبر في حياتي
لقد تمّ قبولي في كلية الطب.
وليس هذا فقط.
لقد كنتُ من أوائل المحافظة، وحصلتُ على الدرجة الكاملة.
مدرستي كانت تُحضّر حفل تكريم للطلبة المتفوّقين، والمديرة تواصلت مع صفحة تعليمية معروفة لتغطية الحفل وإجراء مقابلات قصيرة معنا، وحتى خالاتي اللواتي لم يكنّ يحضرن أي مناسبة مدرسية من قبل، قلن إنهنّ يرغبن بالحضور.
احتضنتني المديرة بنفسها أمام الطالبات وقالت
لقد رفعتِ رأس المدرسة يا مريم.
وقال مدرس الأحياء وهو يضحك
هذه ستدخل كلية الطب بجدارتها، لا بوساطة.
حتى أهل المنطقة عرفوا بالأمر.
خالتي اتصلت وهي تزغرد.
وأبو علي صاحب البقالة علّق صورتي قرب ماكينة التعبئة.
عانقتني أمي عندما عرفت.
رفعتِ رأسنا يا مريم.
بعثر أبي شعري كما كان يفعل عندما كنتُ صغيرة.
كنتُ أعرف دائمًا أنّكِ ستصلين بعيدًا.
أما أخي سيف، فنشر صورة لي وكتب
أختي طبيبة العائلة المستقبلية.
وقد صدّقتُ ذلك.
فالإنسان حين يقضي عمره كله ينتظر

الحب
يُصدّق أي شيء يشبهه.
في ذلك المساء، أعطاني سيف لابتوبه لأن هاتفي كان بطيئًا. كنتُ أبحث عن محلّ لتأجير الفساتين، شيء بسيط لكنه جميل.
لم أرد أن أبدو متباهية.
أردتُ فقط، ولو لمرّة واحدة، أن أشعر أنّ ذلك اليوم يخصّني أنا.
فتحتُ المتصفح، وهناك كان واتساب ويب ما يزال متصلًا.
لم أكن أنوي قراءة أي شيء.
والله لم أكن أنوي ذلك.
لكن في الزاوية ظهرت رسالة من مجموعة اسمها
الأربعة
تبارك حالتها النفسية سيئة هذه الأيام. ما رأيكم أن نأخذها إلى شط العرب قبل حفل مريم؟
كانت الرسالة من أمي.
تجمّدتُ في مكاني.
سنعود قبل الحفل، كتب أبي. هكذا تتحسن نفسيتها قليلًا ولا تأتي بذلك الوجه الحزين.
تبارك ابنة خالتي.
ابنة خالتي اليتيمة.
جاءت إلى منزلنا قبل ثلاث سنوات، بعد وفاة أمها بالسرطان.
في البداية أحببتها فعلًا.
أعطيتها ملابسي، خصّصت لها مساحة في غرفتي، شرحتُ لها الرياضيات دائما، وكنتُ آخذها معي إلى المكتبة.
لكن تبارك تعلّمت بسرعة شيئًا استغرق مني وقتًا طويلًا لأفهمه
يمكن للعائلة أن تملك ابنة من دمها
ثم تختار غيرها.
الرسالة التالية كانت من سيف
لكن لا تُحضروا مريم معكم. بصراحة لا أطيق النظر إليها.. لو لم تُخفِ ملزمة تبارك، لما حصلت على تلك النتيجة السيئة.
شعرتُ أن عينَيّ تحترقان.
أجابت أمي فورًا تقريبًا
وأنا أيضًا لم أتوقع هذا من مريم. لكنها منذ أن جاءت تبارك وهي تغار منها. أرادت أن تُربكها قبل الامتحانات.
أرسل أبي رسالة صوتية.
ضغطتُ تشغيل ويدي ترتجف.
دعوا الموضوع ينتهي. مريم نجحت ولم تخسر شيئًا، أمّا تبارك فهي محطّمة. بالإضافة إلى أن التصوير سيكون موجودًا في الحفل. دعوا تبارك تتأنق قليلًا. هي دائمًا تحب التصوير، وربما يساعدها ذلك في السوشيال ميديا.
بقيتُ أحدّق في الشاشة.
أنا
التي درستُ حتى الفجر.
أنا
التي توقّفتُ عن الخروج، وعن النوم الجيّد، وعن تناول الطعام بانتظام.
أنا
التي
حصلتُ على الدرجة الكاملة.
لكن نجاحي، بالنسبة إليهم، لم يكن سوى خلفية جميلة لتبدو تبارك أجمل أمام الكاميرات.
ضحكتُ.
ليس بصوتٍ عالٍ.
وليس بسعادة.
بل ضحكة صغيرة جافة، تشبه الصوت الذي يصدر حين ينكسر شيء داخلك ثم يتوقف عن الألم بالطريقة نفسها.
أمسكتُ هاتفي واتصلتُ بالأستاذة هناء، مشرفة الصف.
أستاذة أنا مريم.
النجمة! كنتُ أتحدث للتوّ مع الإدارة بخصوص المقابلة والتغطية.
أغمضتُ عيني للحظة، ثم قلتُ بصوتٍ خافت
أرجوكِ ألغوا المقابلة فقط.
ساد الصمت لثوانٍ.
ماذا تعنين يا مريم؟
لا أريد أي مقابلات ولا تصوير.
تنهدت الأستاذة هناء وكأنها لم تستوعب كلامي بعد.
مريم، هذه فرصة كبيرة. الصفحة التعليمية تريد إجراء مقابلة معكِ بسبب معدّلك الكامل، وحتى مديرية التربية تتحدث عنكِ.
رفعتُ عيني نحو المحادثة المفتوحة أمامي.
وفي تلك اللحظة، ظهرت رسالة جديدة من أمي
تبارك تريد شراء فستان جديد والتصوير في الكرادة. سنخرج باكرًا غدًا.
شعرتُ بشيءٍ يهبط داخل صدري ببطء.
شيء يشبه الخيبة لكنه أعمق.
أخذتُ نفسًا طويلًا وقلت
أعلم يا أستاذة لكن الأمر لم يعد يعني لي شيئًا.
أغلقتُ المكالمة قبل أن تخونني دموعي.
ثم أطفأتُ اللابتوب، واتجهتُ نحو غرفتي.
أو بالأحرى
نحو الغرفة التي كانت غرفتي يومًا ما.
منذ أن جاءت تبارك، تحوّل سريري الفردي إلى سريرٍ بطابقين.
كنتُ أنام في الأعلى.
أما مكتبي، الذي كان يومًا ممتلئًا بالشهادات والميداليات وصور التكريم، فقد صار مغطّى بعلب المكياج، والرموش الصناعية، والعطور الرخيصة، وحتى علبة فراولة متعفنة لا أعرف منذ متى تُركت هناك.
وعلى الرف
كانت ما تزال صورة قديمة تجمعني بسيف.
كان يحملني في مدينة الألعاب، بينما أمسك غزل البنات وأضحك، وهو ينظر إليّ وكأنني أحبّ شخصٍ إلى قلبه.
أدرتُ الصورة بسرعة.
لم أرد رؤية ذلك السيف.
لأن سيف الذي أعرفه الآن
هو نفسه الذي وجد ملزمة تبارك داخل
وسادتي.
في ذلك اليوم، دخل إلى الغرفة وهو يصرخ بعنف
مريم! كيف استطعتِ فعل هذا؟!
أخرج الملزمة المجعّدة ورماها في وجهي أمام الجميع.
لقد أخفيتِ ملزمة تبارك!
لم أفهم شيئًا وقتها.
حدّقتُ إليه بذهول وقلت
أنا لم أضعها هناك.
كانت تبارك جالسة على الأريكة تبكي، ووجهها مختبئ بين كفّيها.
لا بأس يا خالتي ربما مريم لم تكن تريدني أن أنجح.
وفي اللحظة التالية
صفعتني أمي.
ما زلتُ أتذكّر صوت الصفعة حتى الآن.
ليس لأنها كانت مؤلمة
بل لأن الصمت الذي جاء بعدها كان أقسى منها بكثير.
قالت أمي وهي تبكي بغضب
ابنة خالتك يتيمة يا مريم هل يصعب عليكِ إلى هذا الحد أن تمنحيها قليلًا من المحبة؟
ثم قال أبي ببرود
اعتذري لها فورًا.
نظرتُ إليه وأنا أكاد أختنق
لكنني لم أفعل شيئًا.
أمسكني سيف من ذراعي بقوة وقال
توقفي عن الكذب.
وفي النهاية
اعتذرتُ فعلًا.
جلستُ أمام تبارك واعتذرتُ عن شيء لم أفعله، لأنني كنتُ أظنّ أنّ الطاعة ستجعل عائلتي تنظر إليّ كما كانت تفعل سابقًا.
لكن ذلك لم يحدث أبدًا.
في تلك الليلة تناولنا العشاء معًا.
كنتُ بالكاد أستطيع ابتلاع الطعام.
أما سيف، فكان يتحدث وكأنّ شيئًا لم يحدث أصلًا.
بالمناسبة، أرسلي لنا صور الفساتين التي أعجبتكِ للحفل. سنساعدكِ في الاختيار أونلاين لأننا سنخرج بضعة أيام.
رفع أبي نظره عن هاتفه وسأل ببرود
في أي ساعة سيبدأ التصوير؟
خفضت تبارك رأسها فورًا، ثم قالت بصوتٍ مكسور
أرجوكم لا تتحدثوا عن هذا الموضوع. أشعر بالسوء.
وفي اللحظة نفسها، التفت إليّ سيف بنظرة امتلأت ضيقًا واتهامًا.
أرأيتِ ما الذي تسببتِ به؟ لو لم تُخفِ ملزمة تبارك، لكان لديها أيضًا ما تحتفل به.
مدّت أمي يدها تمسّد شعر تبارك بحنان، ثم قالت بهدوء
مريم، يوم الحفل لا تبالغي في التأنق. ابنة خالتك تحتاج أن تستعيد ثقتها بنفسها. يمكنكِ أن تشاركيها بعض الاهتمام، أليس كذلك؟
وضعتُ الملعقة فوق الطبق
ببطء.
أردتُ أن أخبرهم أنّ المقابلة أُلغيت.
أردتُ أن أخبرهم أنّني لن أظهر أمام أي كاميرا، ولن أسمح بأن يتحوّل تعبي وسنوات دراستي إلى
تم نسخ الرابط