جوزى لعب في فرامل عرابيتى
عم مصطفى مستنيني على السلم.
كبر أوي في الشهور اللي فاتت.
وشه بقى مليان تعب.
قرب مني وقال
إنتِ راجعة بيتك؟
هزيت راسي.
سكت شوية، وبعدين مد إيده بكيس صغير.
فتحته.
لقيت فيه مفتاح عربيتي بعد ما اتصلحت بالكامل.
وقال بصوت مبحوح
العربية أمانة وصاحبتها لازم تعيش.
أول مرة من شهور
عيطت فعلًا.
مش على شريف.
لكن على كل الحب الكداب اللي ممكن يلبس وش الطيبة سنين كاملة وإحنا مصدقينه عدّى تقريبًا سنة.
وساعات كتير كنت ببقى فاكرة إني تخطيت.
أصحى، أنزل شغلي، أرجع، أقرأ كتاب، أشوف فيلم، وأنام.
حياة هادية.
مرتبة.
مفيهاش خوف.
لكن الحقيقة إن الخوف مبيختفيش بسهولة.
الخوف بيتحول لنسخة أهدى
تستخبى جواك.
أي صوت فرامل عربية مفاجئ كان بيخليني أنتفض.
أي راجل يقرب مني زيادة كنت بتراجع تلقائي.
حتى المراية
بقيت ببص فيها وأسأل نفسي إزاي ماخدتش بالي؟
وفي يوم، وأنا خارجة من الشركة، لقيت عربية واقفة قدام الباب.
عم مصطفى.
نزل أول ما شافني.
وشه كان أهدى شوية عن آخر مرة.
لكن الحزن لسه ساكن عينيه.
عندي طلب يا بنتي.
ركبنا كافيه قريب.
قعد ساكت شوية، وبعدين قال
شريف تعب.
اتجمدت إيدي على فنجان القهوة.
تعب إزاي؟
دخل في اكتئاب شديد
فضلت ساكتة.
فكمل بصوت مكسور
هو عايز يشوفك.
رفعت عيني بسرعة.
مستحيل.
هز راسه بتفهم.
عارف والله عارف إن مالكيش ذنب تسمعي حتى صوته.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت قلبي فعلًا
بس أنا أب وغصب عني لسه قلبي عليه.
سكتنا.
دقايق طويلة.
أنا فيها بحارب غضبي
وهو بيحارب وجعه.
وفي النهاية قلت بهدوء
هروح مرة واحدة بس.
بعد يومين، دخلت السجن.
المكان كان بارد بطريقة خانقة.
ريحة معدن ورطوبة.
وصوت أبواب حديد بتتقفل.
ولما دخل شريف
معرفتوش في الأول.
خس جدًا.
دقنه طويلة.
وعينيه غرقانة.
قعد قدامي، ومقدرش يبصلي مباشرة.
أول جملة قالها كانت
أنا استاهل كل اللي حصلي.
مردتش.
فكمل
عارفة إيه أكتر حاجة بتقتلني؟
رفع عينه ليا أخيرًا.
إنك لآخر لحظة كنتِ طيبة معايا.
حسيت حاجة بتوجع جوايا.
مش حب.
ولا شفقة.
وجع إن الشخص اللي وثقت فيه أكتر من نفسي طلع أغرب واحد عني.
شريف بلع ريقه وقال
أنا كل يوم بصحى أتخيل العربية وهي بتقلب بيكي وكل يوم بموت ألف مرة.
أخدت نفس بطيء.
وقلت لأول مرة من قلبي
وأنا كل يوم بصحى وأحمد ربنا إن اللي ركب العربية مكانش أنا.
سكت.
والكلمة نزلت عليه كأنها طوبة.
لأنه فهم.
فهم إنه كان
شريف غمض عينه، وبدأ يعيط.
عيط حقيقي.
مش تمثيل.
مش خوف من حكم.
إنسان أخيرًا استوعب حجم الخراب اللي عمله.
ولأول مرة
أنا اللي بقيت هادية.
قمت من مكاني.
قال بسرعة منة
وقفت عند الباب.
سامحتيني؟
بصيتله كام ثانية.
وبعدين قلت
أنا سيبتك لربنا يا شريف وده أصعب بكتير من المسامحة.
وخرجت.
آخر حاجة سمعتها ورايا
صوت عياط راجل ضيّع نفسه بإيده.
طلعت بره السجن.
الشمس كانت قوية.
والهوا دافي.
وقفت دقيقة مغمضة عيني.
وبعدين طلعت مفتاح عربيتي من الشنطة.
ركبت.
شغلت الموتور.
ولأول مرة من سنين
سوقت من غير خوف بعد الزيارة دي شريف مبعتليش تاني.
ولا حاول يتواصل.
وكأن مقابلتنا الأخيرة كانت النهاية اللي هو نفسه مستنيها.
أما أنا
فحياتي بدأت ترجعلي واحدة واحدة.
رجعت أضحك من قلبي.
رجعت أنام من غير ما أقوم مفزوعة نص الليل.
ورجعت أبص لنفسي في المراية من غير سؤال إنتِ إزاي كنتِ غبية كده؟
لأول مرة فهمت إن الطيبة مش غباء.
وإن الخيانة عمرها ما كانت ذنب الضحية.
بعد سنة ونص تقريبًا، كنت أنا وعم مصطفى وطنط هدى قاعدين في الفيوم
نفس الرحلة اللي كانوا نفسهم يعملوها يوم الحادثة.
بس المرة دي بعربيتي الجديدة.
عم مصطفى كان بيشوي ذرة ويضحك مع العيال اللي حوالينا، وطنط هدى قاعدة جنبي تفرد الأكل وتزعقله بطل حركة يا راجل، الضغط هيعلى عليك!
ضحكت.
وفجأة حسيت بحاجة غريبة
سلام.
سلام حقيقي.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب من السجن.
رديت بتردد.
الصوت جه هادي
البقاء لله الأستاذ شريف توفى من ساعة بأزمة قلبية.
سكتُّ.
بصيت بعيد للنيل.
للشمس وهي بتلمع على المية.
وللناس اللي عايشة عادي جدًا.
الموظف سألني تحبي تبلغي أهله؟
بصيت لعم مصطفى وهو بيضحك من قلبه لأول مرة من شهور
وطنط هدى وهي بتحاول تخبي عنه زيادة الملح في الأكل.
وأدركت إنهم دفعوا تمن كفاية.
قلت بهدوء
أنا هقولهم.
وقفلت المكالمة.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قمت ناحية عم مصطفى.
بصلي بابتسامة مالك يا بنتي؟
قعدت جنبه على الأرض.
ومسكت إيده.
وقلت بهدوء شديد
شريف مات.
الذرة وقعت من إيده.
وطنط هدى حطت إيدها على بقها بصدمة.
في اللحظة دي
لا أنا شمِتّ.
ولا فرحت.
ولا حتى عيطت.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى من كل ده
بعض الناس بتموت يوم ما تخون روحها أما القلب، فبيتأخر بس في إعلان الخبر.
وبعد شهور
بعتُّ العربية القديمة تتباع.
مش خوفًا منها.
لكن لأن الذكريات اللي فيها
واشتريت عربية جديدة.
لونها أبيض.
وفي أول مشوار بيها، شغلت الأغاني بصوت عالي
وفتحت الشباك للهواء.
ولأول مرة من سنين طويلة
كنت رايحة لطريق أنا اللي مختاراه.