اتصلت طفله صغيره بالطوارئ
المحتويات
صوتًا غريبًا خلف رف معدني مثبت بالإسمنت.
طرقات خفيفة.
ثم
بكاء.
تجمد الجميع.
أزالوا الرف بسرعة، ليظهر باب خشبي مخفي بعناية.
وحين فتحوه
شهقت نورا حتى كادت تسقط.
كانت هناك طفلة ثالثة.
أصغر من البقية.
لا تتجاوز الخامسة.
شعرها مقصوص بعشوائية، وجسدها ملفوف ببطانية قذرة، وعيناها ترتعشان من الرعب كحيوان صغير محاصر.
لكن الكارثة
أن الطفلة لم تتكلم.
ظلت فقط تحدق في الضوء وكأنها نسيت معنى البشر.
خرج المسعفون بها بسرعة، بينما بدأ خالد يشعر أن القضية أكبر بكثير مما تصوروا.
عاد إلى الدفتر الأسود.
بدأ يقلب الصفحات ببطء.
كل صفحة تحمل اسم طفلة.
صورة صغيرة.
وتاريخ.
وفي آخر صفحة
وجد عنوانًا آخر.
شقة في منطقة بعيدة من دبي.
ومكتوب تحتها بخط أحمر
الجديدة جاهزة.
رفع خالد رأسه بصدمة.
يا إلهي فيه شريك.
وفي اللحظة نفسها، دوى صوت صراخ من الخارج.
ركض الجميع نحو الباب.
وجدوا سالم الهاشمي على الأرض، وأحد الضباط يضغط على يده بقوة.
كان قد حاول انتزاع سلاح الشرطي والهروب وسط الفوضى.
لكن الشيء المرعب
أنه كان يصرخ بجنون
أنتم لا تفهمون! سيأتون الآن! سيأخذون الباقي!
ساد صمت ثقيل.
نظر خالد إليه بحدة.
مَن هم؟
ابتسم سالم ابتسامة باردة رغم الدم النازل من فمه.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
أنتم أنقذتم ثلاثًا فقط
لكن البقية اختفوا منذ سنوات ساد صمت مرعب في المكان.
حتى أصوات سيارات الشرطة بدت بعيدة للحظة.
اقترب
مين البقية؟!
ضحك سالم بصوت متقطع وهو يبصق الدم على الأرض.
فاكرين إني كنت لوحدي؟ دبي أكبر مما تتخيلوا.
أمسكه الضباط بعنف، لكن الرجل كان ينظر إلى مريم، لا إلى الشرطة.
وكأنه غاضب لأنها تكلمت.
صرخت نورا فورًا
ابعدوه عنها!
أُدخل سالم إلى السيارة المصفحة، بينما بدأ خالد بإرسال فرق فورية إلى العنوان الموجود في الدفتر الأسود.
شقة قديمة في منطقة صناعية شبه مهجورة.
وصلت القوة بعد أقل من عشرين دقيقة.
وكان الباب مفتوحًا.
وهنا بدأ الرعب الحقيقي.
داخل الشقة، كانت الجدران مغطاة بصور أطفال.
مئات الصور.
بعضها قديم جدًا.
وبعضها حديث.
تحت كل صورة تاريخ ومكان وملاحظات مكتوبة بدقة.
هادئة.
تعيش مع أم مطلقة.
تعود وحدها من المدرسة.
شعر أحد الضباط بالغثيان فورًا.
لكن الأسوأ كان الغرفة الأخيرة.
حين فتحوها
وجدوا أجهزة كمبيوتر، وكاميرات، ووثائق سفر مزورة، وعشرات الهواتف.
وعلى المكتب
كان هناك لابتوب مفتوح بالفعل.
ظهرت عليه محادثة لم تُغلق.
آخر رسالة وصلت قبل دقائق فقط
هل تم التخلص من الرجل؟
نظر خالد للشاشة بصدمة.
ثم ظهرت رسالة جديدة مباشرة أمام أعينهم.
إذا فشل، انقلوا البضاعة الليلة.
صرخ خالد فورًا
تتبعوا ال حالًا!
بدأ الفريق التقني العمل بجنون، بينما تحركت قوات أخرى نحو ثلاثة مواقع خرجت من الأجهزة خلال دقائق.
مستودع.
مزرعة مهجورة.
وفيلا خارج المدينة.
وفي كل مكان
كانوا يجدون
خائفين.
صامتين.
وبعضهم لا يعرف حتى اسمه الحقيقي.
استمرت المداهمات حتى الفجر.
ومع شروق الشمس، تحولت القضية إلى أكبر تحقيق جنائي شهدته دبي منذ سنوات.
أما مريم
فكانت جالسة داخل سيارة الإسعاف، تضم الأرنب القديم إلى صدرها، تراقب السماء لأول مرة دون خوف.
اقتربت منها نورا وأعطتها كوب عصير صغير.
الشمس طلعت يا بطلة.
نظرت مريم للضوء البرتقالي البعيد، ثم سألت بصوت ضعيف
يعني الوحوش تخاف من النهار؟
اختنق صوت نورا وهي تبتسم بصعوبة.
أيوه يا مريم وفي الآخر النور دايمًا بيفضحهم.
وبينما كانت سيارات الشرطة تملأ الشوارع، لم يكن أحد يعلم أن هاتفًا آخر، في مكان مجهول، أضاء في تلك اللحظة برسالة قصيرة جدًا
تم كشف الشبكة اهربوا بعد ثلاثة أشهر، امتلأت قاعة المحكمة في دبي بالصحفيين وأهالي الأطفال والضباط الذين شاركوا في القضية.
أصبحت القضية حديث البلد كله.
شبكة كاملة تم تفكيكها.
أطفال عادوا لعائلاتهم بعد سنوات.
وأسماء كبيرة سقطت لأول مرة.
لكن أكثر لحظة انتظرها الجميع
كانت شهادة مريم.
دخلت الطفلة القاعة ممسكة بيد نورا.
لم تعد ترتدي تلك البيجامة الوردية القديمة، ولم يعد الخوف يبتلع صوتها كما كان.
لكنها ظلت تحمل الأرنب القماشي نفسه.
جلست أمام القاضي، وقدماها الصغيرتان لا تصلان إلى الأرض.
نظر القاضي إليها بلطف.
هل تريدين أن تقولي شيئًا يا مريم؟
ساد الصمت.
ثم رفعت مريم عينيها ببطء نحو سالم الهاشمي الجالس
كان ينظر إليها ببرود.
لكن هذه المرة
لم تخفض رأسها.
قالت بصوت صغير، لكنه واضح
كنت فاكرة إن الوحوش شكلها يخوف
ثم أشارت إليه بإصبعها.
لكن الوحوش الحقيقية تلبس وجوه عادية.
اهتزت القاعة كلها بالصمت.
حتى سالم نفسه، لأول مرة، أبعد عينيه عنها.
وبعد جلسات طويلة، صدر الحكم.
السجن المؤبد لسالم وكل من شارك معه.
وإغلاق الشبكة بالكامل.
لكن النهاية الحقيقية لم تكن في المحكمة.
بل بعد عام كامل.
في صباح هادئ، كانت نورا تسير داخل دار رعاية جديدة للأطفال الناجين، تم افتتاحها بأسماء الضباط والأطفال الذين أنقذوا القضية.
وعند الحديقة الخلفية
رأت مريم.
كانت تركض وتضحك مع الأطفال.
تضحك فعلًا.
دون خوف.
دون أن تنظر خلفها كل ثانية.
توقفت مريم حين رأت نورا، ثم ركضت نحوها بسرعة واحتضنتها.
شوفي! زرعت ورد لوحدي!
نظرت نورا إلى الزهرة الصغيرة الخارجة من التراب، وشعرت بشيء يضغط قلبها بقوة.
لأنها فهمت أخيرًا
أن النجاة ليست أن يهرب الطفل من الوحش فقط.
بل أن يستطيع أن يضحك مرة أخرى بعده.
وفي تلك الليلة، قبل أن تنام مريم، وضعت الأرنب القماشي القديم داخل صندوق صغير وأغلقته بنفسها.
سألتها المشرفة بلطف
مش هتنامي بيه؟
ابتسمت مريم لأول مرة دون خوف، وقالت
لا أنا خلاص بقيت بأمان.
تجمدت نورا مكانها.
ماذا قلتِ يا حبيبتي؟
رفعت الطفلة عينيها ببطء، وكانت نظراتها فارغة بطريقة لا تليق بطفلة في الثامنة.
في بنت
نظر خالد فورًا إلى الرجل المقيد، فاختفت ابتسامته أخيرًا لأول مرة منذ وصولهم.
ماذا تقصدين ب تحت؟
أشارت مريم بإصبع مرتجف نحو المطبخ.
الباب
متابعة القراءة